تتجه الولايات المتحدة الأمريكية بشكل رسمي وفق ما كشف عنه سفير الولايات المتحدة وممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، نحو إعادة صياغة مقاربتها لعمليات حفظ السلام الأممية، في خطوة تعكس تحولا عميقا في نظرتها لفعالية هذه البعثات وجدواها السياسية، خاصة تلك التي استمرت لعقود دون تحقيق اختراقات حاسمة في مسارات النزاعات.
وفي قلب هذه المراجعة، تبرز بعثة “المينورسو” بالصحراء المغربية كنموذج لبعثة طويلة الأمد، باتت تواجه تساؤلات جدية حول دورها المستقبلي، في ظل التحولات السياسية التي يشهدها الملف، وصعود مقترح الحكم الذاتي كخيار واقعي يحظى بدعم متزايد داخل مجلس الأمن.
-تحول المرجعية
يرى محمد نشطاوي، أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة القاضي عياض بمراكش، ورئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، أن التحولات الأخيرة المرتبطة ببعثة “المينورسو” لا يمكن فصلها عن السياق الدولي الذي أعقب تبني مجلس الأمن للقرار 2797، والذي كرس بشكل واضح أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل الحل الوحيد والواقعي لنزاع الصحراء المغربية.
وأكد نشطاوي في تصريح لجريدة “الشعاع”، على أن هذا القرار لم يكن معزولا، بل جاء في سياق دينامية دولية متسارعة تعزز الاعتراف بمغربية الصحراء، وفي مقدمتها الموقف الأمريكي الداعم.
وأضاف أن هذه التطورات، إلى جانب المبادرات التشريعية داخل الولايات المتحدة، خاصة مشروع القرار داخل الكونغرس الأمريكي الرامي إلى تصنيف جبهة “البوليساريو” كحركة إرهابية، تعكس تحولا نوعيا في التعاطي الدولي مع هذا النزاع، وتدفع في اتجاه إعادة النظر في مختلف الآليات الأممية المرتبطة به، وعلى رأسها بعثة “المينورسو”.
وشدد على أن المرجعية التي تأسست عليها هذه البعثة منذ سنة 1991، والمتمثلة في تنظيم الاستفتاء، أصبحت اليوم متجاوزة بشكل كبير، ولم تعد تحظى بأي حضور فعلي في النقاشات السياسية أو في قرارات مجلس الأمن، وهو ما يفرض بالضرورة إعادة تعريف أدوارها ووظائفها بما ينسجم مع الواقع السياسي الجديد.
-إعادة تحديد
يبرز نشطاوي أن التحول المرتقب في مهام بعثة “المينورسو” لا يقتصر فقط على تقليص عدد أفرادها أو خفض ميزانيتها، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تحديد جوهر وظيفتها داخل منظومة الأمم المتحدة، فبعد أن كانت مكلفة بتنظيم الاستفتاء، ثم بمهام مرتبطة بوقف إطلاق النار وفض الاشتباك، باتت اليوم مطالبة بالتكيف مع مرحلة سياسية جديدة عنوانها تنزيل مبادرة الحكم الذاتي.
وأكد على أن هذه المرحلة تستدعي إسناد مهام جديدة للبعثة، ترتبط أساسا بمواكبة المسار السياسي، ودعم تنفيذ الحل المقترح تحت السيادة المغربية، بدل الاستمرار في أداء أدوار لم تعد ذات جدوى في ظل التغيرات الحاصلة.
وأضاف رئيس مركز ابن رشد للدراسات الجيوسياسية وتحليل السياسات، أن هذا التحول يعكس وعيا دوليا بضرورة الانتقال من إدارة النزاع إلى حله بشكل نهائي.
وأشار إلى أن المبادرة المغربية، التي تم طرحها ومناقشتها في عدة محطات دولية، بما في ذلك اللقاءات التي احتضنتها واشنطن ومدريد، تشكل اليوم الإطار المرجعي الذي سيتم على أساسه تحديد الصلاحيات الجديدة لبعثة “المينورسو”، وهو ما يعزز من مركزية المقترح المغربي في أي تسوية مستقبلية.
-مؤشرات الحسم
يعتبر نشطاوي أن مجموع هذه التطورات، سواء تعلق الأمر بالموقف الأمريكي الداعم، أو بمضامين القرار 2797، أو بإمكانية تصنيف “البوليساريو” كحركة إرهابية، إضافة إلى التوجه نحو تقليص صلاحيات بعثة “المينورسو”، تشكل مؤشرات قوية على اقتراب الحسم السياسي لهذا النزاع الذي طال أمده.
وأبرز أن هذه المؤشرات لا تأتي بشكل منفصل، بل تندرج ضمن رؤية متكاملة تهدف إلى تسريع وتيرة الحل النهائي، من خلال تهيئة الظروف السياسية والقانونية والدبلوماسية اللازمة لذلك.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن إعادة هيكلة البعثة الأممية تمثل جزءا من هذا المسار، باعتبارها أداة يجب أن تتكيف مع الأهداف الجديدة للعملية السياسية.
وشدد على أن التأكيد المتزايد على مغربية الصحراء، مدعوما بالاعترافات الدولية وبالدينامية التي يعرفها مجلس الأمن، يعزز من فرص تنزيل مبادرة الحكم الذاتي كحل نهائي، معتبرا أن هذه المبادرة تمثل الآلية الأكثر واقعية ونجاعة لإنهاء النزاع، ووضع حد لحالة الجمود التي استمرت لعقود.




تعليقات الزوار ( 0 )