أخبار ساعة

23:38 - سفير واشنطن يتباحث مع “الباطرونا” بطنجة لرسم معالم المستقبل الاقتصادي المشترك23:28 - رابطة الكتبيين تنتفض ضد “تجاوزات الناشرين” وبيع الكتب بالمدارس الخصوصية22:55 - لا تنمية بلا ثقافة22:53 - أصحاب “البذلة السوداء” يقررون شل المحاكم ونقل المعركة دوليا22:52 - مراسيم تشييع المرشد الأعلى للجمهورية خامنئي بين الدلالات السياسية والإشارات الدولية22:44 - المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب بين التبعية والاستقلالية22:37 - نقابة تعليمية ترفض نتائج وطريقة تدبير الحركة الجهوية بجهة كلميم وادنون22:09 - مطالب بضربة استباقية لجشع بعض المقاهي قبل موقعة “الأسود” وفرنسا20:59 - فوضى السوق العشوائي بحي النجاح بالدار البيضاء تصل البرلمان.. مطالب لوزير الداخلية بتدخل عاجل لتحرير الملك العمومي وحماية الساكنة20:54 - سحب تفويضات التعمير والرياضة يضع عمدة البيضاء أمام تحدي التدبير
الرئيسية » فكر ونقد » المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب بين التبعية والاستقلالية

المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب بين التبعية والاستقلالية

صادق مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 2 يوليوز 2026 على مشروع القانون رقم 047.26 المتعلق بإعادة تنظيم المندوبية السامية للتخطيط. حيث يندرج هذا الإصلاح التشريعي ضمن استراتيجية شاملة لتحديث المنظومة الإحصائية ودعم استقلالية المؤسسات المعنية بالسياسات العمومية كما يتزامن مشروع هذا القانون مع المصادقة على مشروع القانون رقم 046.26 المتعلق بالنظام الإحصائي الوطني، والذي أسس لأول مرة لإنشاء المجلس الوطني للمعلومة الإحصائية كهيئة للضبط والتقنين تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي.لكن خلف هذا الجانب القانوني والمؤسساتي ، يختفي مسار من التجاذب السياسي الذي انعكس من خلال تضارب إحصاءات حكومية ، أو من خلال تشكيل إحصاءات المندوبية آلية من آليات الضبط السياسي.

1-مديرية التخطيط ضمن منظومة حكم الملك الحسن الثاني

شكلت وزارة التخطيط في عهد الملك الراحل الحسن الثاني (1961 – 1999) الذراع التنفيذية والهندسية الإستراتيجية للدولة لبناء “المغرب الحديث” وضبط توازناته الاقتصادية والاجتماعية والترابية والسياسية. وقد تميزت هذه الوزارة، التي تغيرت تسمياتها وهياكلها مراراً، بكونها المصدر الأساسي لصناعة المخططات التنموية الكبرى التي وجهت مسار البلاد. وهكذا انطلقت في بداية الستينيات من القرن 20 كمديرية للتخطيط والإحصاء ملحقة بالوزير الأول خاصة وأن دستور 1962 قد نص على إحداث “المجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط” برئاسة الملك، مما يوضح أن التخطيط كان مجالاً سيادياً يربط الوزارة مباشرة بالقرارات العليا للدولة وهكذا تحولت هذه المديرية إلى وزارة قائمة الذات سُميت بـ “وزارة التخطيط وتكوين الأطر والتكوين المهني”، بهدف ربط الأرقام والإحصاءات بتأهيل الرأسمال البشري لتنفيذ السياسات العمومية.. وهكذا كانت الوزارة مسؤولة عن صياغة وتنفيذ “المخططات” (الخماسية والثلاثية) التي وجهت الاقتصاد المغربي:فالمخطط الخماسي الأول (1960-1964): ركز على إرساء دعائم الدولة والتحرر الاقتصادي. والمخطط الثلاثي الأول (1965-1968) ركز على الفلاحة كأولوية وطنية. والمخطط الخماسي الثاني والثالث (من 1968 إلى 1977) كرسا العصر الذهبي لسياسة السدود الكبرى وتوسيع المساحات المسقية لضمان السيادة الغذائية، وتطوير قطاع الفوسفاط والسياحة.وبعدما واجه المغرب أزمة مالية خانقة، دفعت الملك الحسن الثاني إلى قبول شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي عبر تبني برنامج التقويم الهيكلي (PAS). ) تحولت أدوار وزارة التخطيط في هذه المرحلة من منطق “التخطيط التوسعي” إلى “تخطيط التقشف وإدارة التوازنات الماكرو-اقتصادية” وتدبير المديونية الخارجية وتقليص نفقات الدولة.

2- إحصاء السكان كآلية لضبط المجال الساسي

تعد الإحصاءات الرسمية في المغرب، وعلى غرار الدول العصرية ، آلية محورية لصناعة السياسات العمومية، حيث تعتمد الدولة على نتائج الإحصاء العام للسكان والمعطيات الديموغرافية والاقتصادية الدقيقة لتوجيه برامج التنمية، وقياس الاستقرار الاجتماعي، وتنزيل المشاريع الترابية. كما يتم استثمار المعطيات الإحصائية في عدة مستويات رئيسية تتمثل في توجيه السياسات العمومية حيث تستخدم الأرقام لتشخيص الواقع الاقتصادي والاجتماعي الوطني واستثمارها في صناعة السياسات العامة بالمغرب ، وكذا لرصد التوازنات الاجتماعية والمجالية، مما يتيح لصناع القرار توجيه الموارد بشكل استباقي يضمن الاستقرار السياسي ويقلص الفوارق المجالية والاجتماعية . كما تساهم الخرائط الإحصائية في إعادة هيكلة التقسيم الجهوي والإداري، وضبط التوازنات الديموغرافية بشكل يخدم خطط الدولة. وفي هذا السياق يعد إحصاء السكان في المغرب أداة سيادية تتجاوز الوظيفة التنموية والتقنية لتشكل آلية جوهرية للهندسة والتحكم في ضبط المجال السياسي وذلك من خلال احتكار الدولة لإنتاج البيانات من خلال المندوبية السامية للتخطيط وتتجلى أبعاد هذا التحكم في ضبط المجال السياسي عبر المحاور الأساسية التالية:

– الهندسة الانتخابية ورسم الخريطة السياسية ، حيث تُشكل الأرقام الديموغرافية الناتجة عن الإحصاء المرجعية الأساسية لتحديد وتعديل حدود الدوائر الانتخابية وحصص المقاعد. كما يتيح التحكم في توزيع الكثافة السكانية رسم دوائر انتخابية تضمن تمثيلية مجالية متوازنة، والحد من هيمنة قوى سياسية معينة في مناطق محددة (مثل كبح الصعود الكثيف لتيارات في المدن الكبرى مقابل ترجيح كفة العالم القروي). بالإضافة إلى ذلك يمنح الإحصاء العام للسكان السلطة السياسية تحديد الحجم الدقيق للكتلة الناخبة المحتملة وتوزيعها جغرافياً من بينها تحديد السكان القانونيين.. . التوظيف السياسي والضبط المجاليإضعاف المعارضة المدنية:فقد وظفت الدولة مخرجات وزارة التخطيط لتوجيه الاستثمارات نحو “المغرب النافع” والعالم القروي (الخزان الانتخابي المحافظ والداعم للاستقرار) لفرملة نفوذ التيارات الحزبية المعارضة والنقابات التي كانت تتمركز بقوة في الحواضر الكبرى.حيث كانت معطيات مديرية الإحصاء (التابعة للوزارة) تُشكل قاعدة بيانات لوزارة الداخلية لدراسة التحولات الديموغرافية ومكافحة دور الصفيح والهجرة القروية، ونزع فتيل الانتفاضات الاجتماعية (مثل أحداث 1981 و1984) .

– الهندسة الاجتماعية من خلال تدبير الاستقرار الاجتماعي ونزع فتيل الاحتجاج. حيث تستخدم بيانات الإحصاء لرصد جيوب الفقر والبطالة بدقة حية داخل الأحياء والمناطق القروية من بينها تحديد السكان القانونيين.. كما يتيح هذا الرصد للدولة التدخل الوقائي عبر مشاريع مثل الحماية الاجتماعية أو المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مما يُحيد المطالب السياسية الجذرية ويحولها إلى مطالب اجتماعية تقنية.

-الضبط الديموغرافي: من خلال فهم التحولات العميقة التي تعرفها التركيبة الاجتماعية بالمغرب (مثل شيخوخة المجتمع أو الهجرة نحو الحواضر) الشيء الذي يسمح بإعادة هندسة الخدمات الأمنية والإدارية لتواكب التمركزات البشرية الجديدة.

– الهندسة الترابية من خلال التحكم في التوازنات الجهوية وضبط التنمية المجالية: حيث يعد الإحصاء أداة لإعادة توزيع الثروات الوطنية والميزانيات بين الجهات . حيث أن إعادة توزيع الموارد المبني على المعطيات الديموغرافية يُرسخ هيمنة المركز (العاصمة الرباط) في إدارة وضبط الهوامش والجهات، مما يمنع نشوء أقطاب جهوية متمردة أو مستقلة سياسياً واقتصادياً خارج مظلة التوازنات المرسومة سلفاً.

-إضفاء الشرعية التكنوقراطية على القرارات السياسية وعقلنة الفعل السياسي: حيث تحول الدولة القرارات السياسية الكبرى إلى مخرجات مبنية على “أرقام علمية دقيقة” ومحايدة في الظاهر. مما يسمح بتحجيم الأحزاب خاصة المعارضة على مجابهة خيارات الدولة، حيث تصبح لغة الأرقام الرسمية هي الإطار الوحيد المقبول للنقاش، مما يضمن احتواء الصراع السياسي داخل سقف تكنوقراطي تضع الدولة معالمه.

3-تحول وزارة التخطيط إلى مندوبية سامية للتخطيط

بعدما كان قطاع التخطيط يدبر عبر وزارة كباقي القطاعات الحكومية، مما كان يربط برامج الاستشراف الإحصائي بالولاية الحكومية.، تم العمل على إحداث المندوبية السامية للتخطيط كبنية إدارية مستقلة تعنى بالتحليل الاقتصادي والإحصاء العام. حيث تم تحويل قطاع التخطيط في المغرب من بنية وزارية حكومية إلى مؤسسة مستقلة تحمل اسم “المندوبية السامية للتخطيط” في عام 2003 وبقرار من الملك محمد السادس. وجاء هذا التحول لتعويض “وزارة التخطيط والتوقعات الاقتصادية”، بهدف تحقيق عدة غايات استراتيجية لضمان استقلالية هذه المؤسسة ، كان من أبرزها:

– إبعاد عمليات إعداد الإحصاءات الرسمية والحسابات الوطنية عن التجاذبات السياسية والتغييرات الحكومية المتكررة.

-المرونة الإدارية من خلال تمكين المؤسسة من التطور بشكل يتجاوز القيود التقليدية للوزارات لتصبح جهازا تقنيا واستشاريا عالي الدقة.

-تعيين قيادة مستقرة: يترأس المندوبية “مندوب سامٍ” يُعين بظهير ملكي مباشر حيث تم تعيين أحمد الحليمي لكن يبدو أن هذا التطوير المؤسساتي ، لم يمنع من تجاذب الارقام مع حكومتي بن كيران وأخنوش.

فقد شهدت العلاقة بين الجهاز الإحصائي الرسمي للحكومة (الممثّل في المندوبية السامية للتخطيط) والجهتين التنفيذيتين اللتين ترأسهما كل من عبد الإله بنكيران (2011–2016) وعزيز أخنوش (2021–2024) تجاذبات حادة وحرب أرقام علنية، عكست تضارب المصالح بين رغبة الحكومات في تسويق حصيلة إيجابية وبين جفاف الأرقام العلمية للمندوبية. وقد تلخص هذا التجاذب في الفترتين على النحو التالي:

1-مرحلة حكومة عبد الإله بنكيران التي تميزت بالتوتر العلني والتراشق الإعلامي غير المسبوق في جلسات البرلمان والصحافة.فقد كانت حكومة بنكيران تعتمد على أرقام صندوق الضمان الاجتماعي والوظيفة العمومية لتأكيد خلق فرص الشغل، بينما كانت المندوبية تنشر مؤشرات تؤكد ارتفاع البطالة وسط حاملي الشهادات والشباب، مما دفع بنكيران لاتهام المندوبية بـ”التشويش السياسي”. كما دافعت حكومة بن كيران عن قرار “تحرير أسعار المحروقات والمواد الأساسية” كإنجاز تاريخي لإنقاذ الميزانية، في حين أصدرت المندوبية دراسات صادمة تؤكد أن الإجراء ضرب القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة وسيعيد توسيع جيوب الفقر، وهو ما اعتبرته الحكومة تسييساً للأرقام لخدمة أجندات معارضة. وبينما دأبت وزارة المالية في عهد بنكيران على وضع توقعات متفائلة لنسب النمو في قوانين المالية، خرج المندوب السامي (أحمد الحليمي) بتوقعات أقل بكثير، مما كان يربك حسابات التمويل الدولي للمغرب.

2-مرحلة حكومة عزيز أخنوش: حيث “انتقل التجاذب في عهد أخنوش من الطابع الأيديولوجي إلى تضارب تشخيص الأزمات الهيكلية، خاصة بعد موجة الغلاء الجارفة : فقد دافعت حكومة عزيز أخنوش باستماتة عن أطروحة أن غلاء الأسعار في المغرب هو “تضخم مستورد” ناتج عن الحرب في أوكرانيا وارتفاع كلفة الشحن الدولية. في المقابل، فجّر أحمد الحليمي مفاجأة حين صرح بأن التضخم أصبح “صنيعة محلية” وهيكلية مرتبطة بالإنتاج الفلاحي الداخلي وسياسات التصدير.حيث شكل تشخيص المندوبية للتضخم ضربة قاسية لـ”مخطط المغرب الأخضر، الإستراتيجية الفلاحية التي أشرف عليها أخنوش كوزير للفلاحة لـ14 سنة، حيث أظهرت الأرقام أن المخطط فشل في تحقيق السيادة الغذائية للمغاربة في المواد الأساسية (الخضر، اللحوم) وركز على المنتجات التصديرية. وبينما ركزت حكومة أخنوش على ترويج مشروع “الدعم الاجتماعي المباشر” كحل سحري، ظلت تقارير المندوبية ترصد بانتظام اتساع الفوارق المجالية والاجتماعية وتراجع مستويات المعيشة، مما نزع مساحيق التفاؤل عن الخطاب الحكومي.

وبالتالي ،أظهرت هاتان المحطتان أن “سلطة الأرقام” كانت تُستعمل كأداة مضادة للبروباغندا الحزبية للحكومات ، مما استدعى العمل على تحويلها إلى هيئة حكامة مستقلة.

4-تحويل المندوبية السامية للتخطيط إلى هيئة حكامة مستقلة

بسبب التجاذب المستمر بين المندوبية السامية وحكومتي بنكيران و أخنوش، سارعت الدولة إلى إنهاء هذا الوضع في أكتوبر 2024 بتعيين شكيب بنموسى، ثم مأسسة المندوبية بقانون جديد عام 2026 لتحويلها إلى هيئة حكامة مستقلة تضع حداً للمواجهات الإعلامية المباشرة.

وقد تنوعت ردود أفعال الأحزاب السياسية المغربية تجاه القرار الملكي بإعفاء أحمد الحليمي العلمي وتعيين شكيب بنموسى مندوباً سامياً جديداً للتخطيط في أكتوبر 2024 . وهكذا انقسمت المواقف بوضوح بين مكونات الأغلبية الحكومية وقوى المعارضة ، حيث تحددت تفاعلات الهيئات الحزبية مع هذا التغيير الإستراتيجي في ثلاثة اتجاهات أساسية:

* أحزاب الأغلبية الحكومية: حيث استقبلت الأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، حزب الاستقلال) القرار بارتياح شديد، واعتبرته خطوة لتصحيح مسار العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسة الإحصائية وإنهاء “المناكفة السياسية”. فقد رأت هذه الأحزاب أن مرحلة الحليمي تميزت بـ”تسييس الأرقام” والخروج عن الدور التقني للمندوبية لإحراج الحكومات .كما رحبت بتعيين شكيب بنموسى معتبرة إياه “رجل دولة” يمتلك حساً تدبيرياً هادئاً، ومؤكدة أن خلفيته كرئيس للجنة النموذج التنموي الجديد ستضمن تناغماً إستراتيجياً بين معطيات المندوبية والسياسات العمومية للدولة دون صدامات مجانية.

*في حين أبانت أحزاب المعارضة (مثل حزب التقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب العدالة والتنمية) عن قلق واضح تجاه مستقبل استقلالية المؤسسة. وهكذا عبرت قيادات في المعارضة عن خشيتها من أن يؤدي غياب الطابع النقدي والصارم الذي كان يجسده أحمد الحليمي إلى تحويل المندوبية إلى “ملحقة حكومية” تعمل على تلطيف المعطيات الصادمة المتعلقة بالبطالة، الفقر، والتضخم تفادياً لإحراج رئيس الحكومة عزيز أخنوش.كما اعتبرت أحزاب المعارضة أن تقارير الحليمي الجريئة كانت تشكل لها “ذخيرة علمية” موثوقة لمساءلة الحكومة داخل البرلمان، وأن غياب هذا السجال العلني يضعف التعددية وفضاء النقاش العام بالمغرب.

* أما التيارات المستقلة واليسار الراديكالي: فقد انتقدت تعيين بنموسى (التكنوقراطي) خلفاً للحليمي (المحسوب تاريخياً على العائلة الاتحادية واليسار)، واعتبرت الخطوة تكريساً لـ”تكنوقراطية الدولة” وتهميشاً إضافياً للفاعلين السياسيين والحزبيين لصالح تعيينات تقنية تُدير الأرقام والخطط من الأعلى بأسلوب جاف لا يقبل الجدل.

وبالتالي ، فقد تنوعت الانتقادات الموجهة لحصيلة المندوبية السامية للتخطيط في السنتين الأخيرتين بين مؤاخذات سياسية ترتبط بـ”التواصل والحياد”، وبين ملاحظات تقنية وإستراتيجية تخص وتيرة رقمنة المؤسسة ومخرجات الإحصاء العام للسكان والسكنى. حيث تتلخص أبرز الانتقادات الموجهة لحصيلة هذه المرحلة في المحاور التالية:

أولا- غياب الروح النقدية والتخوف من “التدجين السياسي”التناغم الزائد مع الحكومة ، حيث يرى منتقدون (خاصة من فرق المعارضة البرلمانية واليسار) أن المندوبية فقدت في عهد بنموسى دورها كـ”سلطة مضادة” وكابح تكنوقراطي للحكومة. و هكذا اتهمت المؤسسة بتبني لغة تقنية مهادنة تبتعد عن صدم الرأي العام بأرقام مقلقة حول البطالة أو الفقر، تفادياً لإحراج التوجهات الآنية لحكومة عزيز أخنوش.

ثانيا -لتحفظ والتعتيم الإعلامي: حيث واجهت المندوبية السامية للتخطيط انتقادات حادة بسبب تقليص انفتاحها على وسائل الإعلام المستقلة واعتماد سياسة تواصلية منغلقة تعتمد على البلاغات الجافة واللقاءات الرسمية الموجهة، مقارنة بالجرأة التواصلية والندوات المفتوحة التي ميزت عهد أحمد الحليمي.

ثالثا – تدبير مخرجات إحصاء 2024 وجدل “الكتلة الناخبة”، حيث واجه بنموسى انتقادات تتعلق ببطء ترجمة المعطيات الديموغرافية الضخمة الناتجة عن إحصاء 2024 إلى سياسات عمومية ملموسة، خاصة فيما يتعلق بضبط خارطة “السكان القانونيين” وتعديل حدود الدوائر الانتخابية التي تهم الأحزاب السياسية بشكل مباشر. كماعيب على المندوبية إغراق مخرجات هذا الإحصاء العام في قوالب جافة تخدم فقط مؤشرات “النموذج التنموي الجديد” (الذي هندسه بنموسى نفسه)، مع إغفال تقديم قراءات سوسيولوجية جريئة للتحولات العميقة التي يعيشها المجتمع المغربي (مثل أزمة الأسرة، ومعدلات العزوبية، وتراجع الخصوبة).

وفي سياق هذه الانتقادات ، وفي إطار التحضير للانتخابات التشريعية المقبلة التي تؤشر على انتهاء ولاية الأغلبية الحكومية ، صادق مجلس الحكومة المنعقد بتاريخ 2 يوليوز 2026 على مشروع القانون رقم 047.26 المتعلق بإعادة تنظيم المندوبية السامية للتخطيط. فبناءً على أحكام الفصل 159 من دستور 2011، ينص هذا المشروع على تمتيع المندوبية السامية للتخطيط بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، لتتكلف بمواصلة إنتاج ونشر المعلومة الإحصائية، وإعداد الحسابات الوطنية والجهوية والقطاعية. ولضمان استقلالية عمل هذه المؤسسة أضاف هذا المشروع اختصاصات جديدة تتمثل في دعم التنسيق الاستراتيجي لسياسات التنمية انسجاماً مع النموذج التنموي الجديد ، واستخدام وسائل حديثة للتتبع والتقييم.، مع اعتماد البعد الجهوي والترابي في أداء مهامها.

لكن يبدو أنه على الرغم من مختلف هذه التطورات ، فستظل المندوبية تاريخياً وسياسياً أداة إستراتيجية تابعة للعمق السيادي للدولة المتمثلة في المؤسسة الملكية كسلطة مركزية لتوجيه القرار العام. فإذا كان المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية بفرنسا يركز على توفير المؤشرات والتحليلات العلمية للعموم وللحكومة على قدم المساواة، فالمندوبية السامية في المغرب، التي يحمل اسمها لفظ “التخطيط”، فهي لا تكتفي بجمع الأرقام، بل تصيغ سيناريوهات إستراتيجية ومخططات تعتمد عليها الدولة بشكل مباشر لضبط التوازنات الاقتصادية والاجتماعية.و مقارنة مع مكتب الإحصاء الأمريكي الذي يقوم بإحصاء السكان كل 10 سنوات، وتُستخدم نتائجه تلقائياً وبقوة القانون لإعادة توزيع مقاعد مجلس النواب حيث يتسم هذا المسار بالعلنية والصراع القانوني بين الحزبين (الديمقراطي والجمهوري). ففي المغرب، تنفرد وزارة الداخلية بترجمة أرقام المندوبية إلى تقطيع انتخابي وتوزيع للدوائر، مما يمنح السلطة التنفيذية والسيادية هامشاً واسعاً للتحكم في الخريطة السياسية بعيداً عن الصراع الحزبي المفتوح .وبالتالي ، يشترك المغرب والصين في خاصية “الاحتكار الصارم للمعلومة الإحصائية الرسمية”. ففي الصين، يعد المكتب الوطني للإحصاء أداة مباشرة للحزب الشيوعي الحاكم لشرعنة خططه الخمسية وتوجيه الاقتصاد المركزي. بينما تلعب المندوبية بالمملكة دوراً مشابهاً من حيث إضفاء “الشرعية التكنوقراطية” على خيارات الدولة، حيث تصبح أرقام المندوبية هي الحقيقة الإحصائية الوحيدة المقبولة للنقاش العام، مما يمنع المعارضة أو المجتمع المدني من صياغة بدائل قائمة على معطيات مستقلة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

مأزق حماية الدستور بالمغرب واستقلال السلطة القضائية والتطاول على اختصاصات جلالة الملك

6 يوليو 2026 - 11:16 م

مأزق حماية الدستور بالمغرب واستقلال السلطة القضائية والتطاول على اختصاصات جلالة الملك: قراءات متقاطعة في قرار المحكمة الدستورية (المجلس الدستوري)

أمين سامي: المغرب مطالب بتحويل زخم المونديال إلى اقتصاد مستدام والانتقال من منطق النمو إلى جودة النمو (+فيديو)

4 يوليو 2026 - 3:06 م

في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول قدرة الاقتصاد المغربي على خلق فرص شغل كافية، واستيعاب التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم،

المدارس التاريخية بتازة.. قراءة في الأصول والوظائف وسؤال الترميم

4 يوليو 2026 - 1:49 ص

ليست فحسب أثر حضارة وذاكرة محلية، بل دعامات بقدر كبير من الأهمية للتراث الوطني والانساني، تلكم هي معالم تازة التاريخية

مستقبل ظاهرة المقاتلين الأجانب والحركات الجهادية العابرة للحدود: قراءة جيوسياسية في ضوء التطورات الراهنة (2025–2026)

3 يوليو 2026 - 11:22 م

مقدمة لا ينحصر السؤال البحثي المتعلق بمستقبل ظاهرة (المقاتلين الأجانب) في قدرة الدول الغربية على ضبط تدفقات الأفراد نحو ساحات

هل يحتاج المغرب إلى العلمانية؟.. مفكران مغربيان يعيدان رسم حدود العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع (+فيديو)

1 يوليو 2026 - 7:00 م

نظمت جريدة الشعاع الجديد ندوة فكرية بعنوان: “هل المغرب في حاجة إلى العلمانية؟”، بمشاركة الدكتور مصطفى إنشاء الله، أستاذ جامعي

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°