مأزق حماية الدستور بالمغرب واستقلال السلطة القضائية والتطاول على اختصاصات جلالة الملك: قراءات متقاطعة في قرار المحكمة الدستورية (المجلس الدستوري) رقم 15/958 الصادر في الملف 15/1415 بتاريخ 5 مايو 2015.
بعد تشاطر مقال صحفي منشور يومه الجمعة 12 دجنبر 2025 بجريدة المحرر الإلكترونية حول إشكالية استقلال القضاء من زاوية عمل القضاء الإدارية وتبعيته للسلطة التنفيذية بما يحيل على ضمور تطبيق مبدأ فصل السلط بالمغرب، أقول بعد مطالعة المقال المذكور تحرك لدي شغف البحث في حقل الدستور وللدستورانية بالمغرب بعدما تأكد أن تعيين وكيل قضائي للمملكة بمثابة مجرد مدير مركزي لدى وزارة الاقتصاد والمالية منذ سنة 2015، فتبين أنه تعيين خارج سياق القانون والاحترام الواجب لجلالة الملك ومن ثم للوثيقة الدستورية بعدما تجددت أنفاسها وانبعثت في حلة أخرى سنة 2011.
وأسوق كل هاته المقدمة استذكارا لمحطات تعيين السيد الوكيل القضائي من صف القضاة منذ تلك السنة بدءا من رئيس الحكومة السيد عبدالإله بنكيران الذي فتح باب خرق الدستور على مصراعية مرورا بخلفه السيد سعد الدين العثماني مزكيا ذلك، وانتهاء برئيس الحكومة الحالي الذي عين قاض آخر بعد شغور المنصب.
أولا: تعيين قاض في منصب الوكيل القضائي للمملكة وموقف القضاء الدستوري
إن قرار المحكمة الدستورية بتسميتها القديمة (المجلس الدستوري) وفق ما أشير له عنوانا صدر في نطاق تعيين السيد محمد القصري المستشار (قاض من الدرجة الاستثنائية) في منصب الوكيل القضائي للمملكة ليتولى مهام مدير مركزي لدى السلطة التنفيذية ترتكز مهامه أساسا في تمثيل تلك السلطة أمام القضاء مدعى عليها أو مدعية أو مؤازرة.
ولعل القراءة البسيطة والاولية التي لا تحتاج إنهاك التفكير وإعمال التدبير لذلك القرار لتفيد أن القضاء الدستور أصدر قراره ذاك من مجرد منطق وجود حالة تناف في تعيين القاضي المستشار المذكور في المنصب المشار له بحسبانه كان وقت تعيينه قاضيا دستوريا لم ينه مدة انتدابه لدى المجلس الدستوري، وهو ما يحيل أن تحرك القضاء الدستور لم ينبع من تمحيص وضعية التنافي تلك من كل زوياها القانونية وعلى رأسها الترجيح بين الانتدابين الملكي والحكومي من منظور مراعاة الاختصاص من حيث سلطة التسمية واحترام الأعراف الدستورية والنصوص القانونية.
1ـ تخبط المجلس الدستوري في الإحالة على النصوص القانونية
قبل أن ينهي المجلس مداولته باتخاذ قراره القاضي بإثبات إعفاء السيد محمد القصري من مهامه كقاض دستوري بالمجلس ورفع القرار إلى العلم السامي لجلالة الملك، أشار القرار إلى جملة من النصوص القانونية وإلى المرسوم القاضي بتعيينه كوكيل قضائي للمملكة وكذا إلى كون المرسوم المذكور أحيل على نظر المجلس من الأمانة العامة للحكومة ليحيل تبعا لذلك رئيس المجلس الدستوري الملف على نظر المجلس.
وتوخيا للأمانة العلمية، أسوق عناصر الاستناد المشار لها في القرار تبعا لنفس الترتيب المضمن به كما يلي:
بعد الاطلاع على الإحالة الصادرة من رئيسه تحت رقم 15/07 في 30 أبريل 2015، قصد البت في وضعية السيد محمد قصري العضو بهذا المجلس؛
وبعد الاطلاع على النسخة المصادق عليها من المرسوم رقم 2.15.301، الصادر في 19 من جمادى الآخرة 1436 (9 أبريل 2015) الموجهة إلى المجلس الدستوري من طرف السيد الأمين العام للحكومة رفقة كتابه رقم 15/386 بتاريخ 30 أبريل 2015، وهو المرسوم القاضي بتعيين السيد محمد قصري وكيلا قضائيا للمملكة بوزارة الاقتصاد والمالية ابتداء من 9 أبريل 2015؛
وبناء على الدستور، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 بتاريخ 27 من شعبان 1432 (29 يوليو 2011)، لاسيما فصليه 132 و177 منه؛
وبناء على المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.139 بتاريخ 16 من شوال 1435 (13 أغسطس 2014)؛
وبناء على القانون التنـظيمـي رقـم 29.93 المـتعلق بالمجلس الدستوري، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقـم 1.94.124 بـتاريخ 14 من رمضان 1414 (25 فبراير 1994)، كما وقع تغييره وتتميمه، خصوصا مادتيه 4 و10.
ولعل القراءة الفاحصة لعناصر الاستناد هاته لخير دليل على تخبط المجلس/المحكمة في النظر في النازلة للاعتبارات التالية:
ـ إحالة القرار على القانون التنظيمي للمجلس الدستوري وعلى القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية في نفس الوقت رغم نسخ الأخير للأول واستناد هذا الأول على دستور ملغى بدوره بمقتضى دستور يوليوز 2011.
عدم احترام تراتبية النصوص القانونية والبدء بالإشارة إلى مجرد قرار الإحالة من رئيس المجلس وكتاب الأمين العام للحكومة والمرسوم القاضي بتعيين الوكيل القضائي قبل الإشارة إلى الدستور والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية.
وإلى جانب ما تقدم، وجد المجلس/المحكمة حرجا في تحديد تسميته قبل في البت في النازلة أو هو مجلس أم محكمة، وتسرب هذا الحرج إلى مضمون القرار بعدما أحال على مقاضيات المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية وكذا على المادتين 4 و10 من القانون التنـظيمـي رقـم29.93 المـتعلق بالمجلس الدستوري، في حين ارتكز موضوعا على تطبيق مقتضيات القانون التنظيمي للمجلس الدستوري على الحالة موضوع النظر.
ومؤدى كل ما ذكر أن المجلس/المحكمة أبان(ت) عن حالة ارتباك تتجلى تمفصلاتها كالآتي:
– الإقرار الضمني للمجلس/المحمة بوجود حرج لدى السادة الأعضاء في تطبيق دستور 2011 رغم نفاذه بالنظر إلى عدم تنصيب الهيئة المشكلة للمحكمة الدستورية من طرف جلالة الملك وفقا لمقتضيات الدستور ومضامين قانونها التنظيمي النشار له آنفا.
– عدم قدرة المحكمة/المجلس على تكييف النص الدستوري والقانون التنظيمي مع الوضعية الهيكلية للمجلس، إذ لم ينتصب أي مانع قانوني يصلدر حق الهيئة في تأسيس قرارها على الأقل من حيث الموضوع على مقتضيات دستور 2011 والقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، على اعتبار أن الانتقال من مرحلة المجلس إلى طور المحكمة مجرد إجراء انتقالي غير مانع من استمرار عمل المؤسسات طبقا للدستور النافذ والقوانين السارية المفعول ولو لم تنته الإجراءات الانتقالية.
– أنه وفي ظل هذا المأزق الدستوري كان يتعين التحلي باللباقة اللازمة وربط الاتصال بالقاضي الدستوري المعني بالأمر لحثه على عدم قبول المنصب تقيدا بالاحترام الواجب لجلالة الملك، ذلك أنه لا يليق التخلي عن التنصيب الملكي لفائدة مجرد تنصيب حكومي مادام التنصيب الملكي لازال قائما، ولو فعل هذا الإجراء لكان المجلس/المحكمة في غنى عن كل حرج ولاكنفى بحفظ الملف موضوع الإحالة لزوال موجبات النظر فيه.
2ـ قصر نظر المجلس/المحكمة في جوهر القضية
عطفا على الاختلالات الشكلية التي شابت قرار المجلس/المحكمة، اتضح أن ذات القرار جاء فقيرا المتن جوهرا، إذ بعد الاقتصار على ذكر انه جرى الاستماع إلى العضو المقرر تم الخوض مباشرة واختصارا مخلا ومقلا في كون السيد محمد قصري يعتبر في وضعية تناف نظير عضويته في المجلس وتعيينه وكيلا قضائيا للمملكة، وليستناج المجلس/المحكمة أنه بتعيينه لظى الحكومة يثبت أعفاؤه من عضوية المجلس مع رفع ذلكم إلى جناب جلالة الملك.
ويستناج مما ذكر قصر بعد نظر المجلس/المحكمة إلى حقيقة الملف وخباياه الظاهرة إلا على من أراد تغطية الشمس “بالغربال” على حد تشبيه المغاربة.
ومفاد ما سلف أن القرار كشف مجددا محدودية اجتهاد أعضاء المجلس إما عمدا أو جهلا بحقيقة الأمر، وكلا الأمرين أحلاهما مر للاعتبارات التالية:
– كون المجلس ضمن قراره أنه جرى الاستماع إلى العضو المقرر دون بيان ولو ملحص تقرير، وفي ذلك تبخيس لأدوار المقرر، إضافة إلى عدم تمكين الدارس والباحث من استجلاء مدى تأثير مستنتجات المقرر على مداولات المجلس وقراره النهائي.
– أن القرار وإن أحال في عناصر الاستناد على دستور 2011 وعلى القانوني التنظيمي للمحكمة الدستورية، فإنه بين ختاما أن أسس منطوق قراره على مقتضيات الدستور السابق والملغى لما أحال على المادتين 4 و10 من القانون التنظيمي للمجلس الملغى بدوره.
– أنه بتأسيس المجلس/المحكمة قراره(ا) على نصوص قانونية ملغاة بين أنه كمؤسسة دستورية أنيط بها حماية الدستور غير قادر على ذلك.
– أن ما يؤكد عدم قدرة المجلس/المحكة على حماية الدستور والسلطات والمؤسسات المنبثقة عنه عدم انتباهه عمدا أو قصدا لكون قبول عضو منه لتنصيل حكومي على حساب تنصيب ملكييشكل خرقا واضحا لبنود الدستور والأعراف الدستورية والنصوص القانونية وفق ما نفصله بعده.
– أنه وعلى فرض الارتكاز على مقاضيات المادة 4 من القانون التنظيمي للمجلس الدستور في القضية، فإن المجلس لم يطبق مقتضياتها تجبيقا سليما، ذلك أن تلك المادة تمنع الجمع بين العضوية في المجلس وممارسة أي وظيفة عامة، ومفاد ذلك أنه إذا كان شخص يمارس وظيفة عامة من قبل وعين عضوا بالمجلس فلا يمكنه الاستمرار في مزاولة تلك الوظيفة مؤقتا إلى ينتهي انتدابه كعضو رالمجلس، مما يفيد أن المجلس عكس تطبيق فلسفة تلك المادة لما سمح لشخص بالاناقال إلى منارسة وظيفة عامة رغم استمرار عضويته بالمجلس وعدم إنهاء مهامه طبقا للدستور وللقانون التنظيمي الساري المفعول.
– أنه بذلك يكون المجلس الدستور قد انتصر للسلطة التشريعية على حساب جلالة الملك الذي يبقى سلطة فوق السلط الأخرى وراعيا لحماية الدولة ومؤسساتها بما في ذلك الحكومة القضاء.
– أن المجلس ربما انساق وراء خلفية نظره في ملف يتعلق بعضو منتسب له اختار الانزياح عن دائرة التنصيب الملكي إلى مزاولة مهام حكومية أمام السلطة القضائية التي ينتسب إليها، ولعل ذلك ما سبب الحرج للمجلس في عدم النظر إلى الالتباسات الدستورية التي يطرحها الملف وآثارها الوخيمة على فسل السلط والتطاول على الاختصاص الملكي.
– عدم تبصر المجلس إلى أن الشخص موضوع حالةةالتنافي هو ابتداء وانتهاء قاض ولازال منتسبا لسلك القضاء، وبالتالي لا يمكن له ممارسة مهام لدى الحكومة خصوصا إذا علم أن تلك المهام تصب في مجملها في الدفاع عن السبطة التتفيذية لدى السلطة القضائية، حتى أصبح يصدق على قضية قول الشاعر “فيك الخصام وأنت الخصم والحكم“.
ثانيا: قرار المجلس الدستوري ومظاهر هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية
إن الناظر إلى قرار المجلس الدستوري موضوع هاته الورقة البحثية قد لا يجد حرجا بداية في القول أن المجلس وفق منتهى التوفيق لما أثبت إعفاء عضو منتسب له اختار مزاولة منصب مواز لمدير مركزي بقطاع وزاري، بيد أنه وفي تقاطع مع ما بسط أعلاه يستبين أن القرار لم يكن سديد إلى أبعد حد بعدما سمح بتطاول رئيس الحكومة على اختصاص أصيل لجلالة الملك في تعيين القضاة في مهام المسؤولية، فأرخى ذلك بظلاله على العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية بشكل أثر سلبا على مردود القضاء ولا سيما القضاء الإداري.
قرار المجلس الدستوري في سياق توزيع السلط بين جلالة الملك ورئيس الحكومة.
إذا كان دستور المملكة لسنة 2011 أرسى منظومة واضحة لتوزيع السلط بين جلالة الملك والسلطتين التنفيذية والتشريعية مؤسسا تبعا لذلك لاستقلال السلطة القضائين عن السلطتين المذكورتين بعدما ارتقى بالقضاء إلى مستوى السلطة بدوره، فإن قرار المجلس الدستوري يشكل ارتدادا على مضمون الدستور المذكور، با ويضرب في الصميم حتى مقتضيات الدستور السابق التي كانت بدورها تتيط بجلالة الملك وحده أمر تعيين القضاة في مهام المسؤولية.
وإذا كان التعيين في المناصب العليا من رتبة مدير مركزي من اختصاص رئيس الحكومة طبقا للقانون التنظيمي للتعيين في المناصب العليا، فإن قيام رئيس الحكومة بتعيين السيد محمد قصري لتولي منصب وكيل قضائي للملكة يبدو وجيها وغير خارج عن السياق مادامت الوكالة القضائية للمملكة مجرد مديرية مركزية وفق مقتضيات المرسوم المتعلق بتنظيم المصالح المركزية لوزارة الاقتصاد والمالية.
ولمناقشة الموضوع والتباساته الدستورية والقانونية من أرضية صلبة، يبدو وجيها النظر إلى الموضوع من زوايا ثلاث على الأقل:
– أن السيد محمد قصري منتسب لسلك القضاء وكان رئيسا أول لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط الحاضع لنفوذها خمس محاكم إدارية من أصل سبع محاكم إدارية وفق التنظيم القضائي الذي كان ساري المفعول وقت التعيين، وبالتالي فإن اختياره لنيل منصب تمثيل الحكومة أمام القضاء يشكل خرقا أساسيا لمبدا فصل السلط، علما أن أهم القضايا التي تدافع فيها الوكالة القضائية عن الحكومة تكون رائجة أمام القضاء الإداري، ومفاد ذلك أنه لا يجد القاضي الإداري استقلاليته للبت في القضايا وهو يرى في جلوالملفات مقالات ومذكرات ممهورة من رئيسها أو رئيس رئيسها السابق بصفته وكيلا قضائيا ولازال منتسبا لسلك القضاء ومتمتعا بعلاقات تجعله على الأقل ذا نفوذ أدبي على قضاة المادة الإدارية، على أن نعود في مقالات مستقلة وتعاليق على أحكام للقضاء الإداري لتبيان ذلك.
– أنه وبغض الطرف عن كون السيد محمد قصري منتسبا لسلك القضاء، فإن انتدابه كوكيل قضائي رغم عدم إنهاء مهامه كقاض دستوري من كل طرف جلالة الملك باعتباره سلطة التعيين لم يكن مقبولا، وتوجب على المجلس/المحكمة الدستوري(ة) عدم تسجيل إعفائه، والأصح من ذلك كان عليها القول بعدم صحة المرسوم القاضي بتعيينه ورفع أمره لجلالة الملك لإعفائه منصب قاض دستوري.
– أنه على فرض عدم عضوية السيد محمد قصري بالمجلس/المحكمة كقاض دستوري، فإن حتى تعيينه وكيلا قضائيا للمملكة رغم كونه قاضيا يحيل على تطاول رئيس الحكومة على اختصاص جلالة الملك صلة بتوزبع الاختصاص، ذلك أن تعيين القضاة في مهام المسؤولية اختصاص أصيل لجلالة الملك بمقتضى الدستور وفي نطاق الأعراف التاريخية للسلطنة باعتبار الملك سلطة فوق السلط، كما أن الدعاوى ترفع ضد الدولة المغربية في شخص رئيس الحكومة، وبالتالي فإن تعيينه لقاض للدفاع عنه أمام القضاء يحيل على تناقض خطير ومساس بين بمبدأ فصل السلط، فعوض أن يخضع رئيس الحكومة ومن معه من موظفيها لسلطة القضاء رقابة أصبح قاض خاضعا لسلطة رئيس الحكومة ومن ينتدبه للنيابة عنه من المسؤولين الإداريين.
وفي هذا السياق يكون خرق الفصل 107 من الدستور بينا بوصفه فصلا يؤكد كون السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية وأن الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية.
وصفوة القول في هذا الباب، أن النقاش غير مرتبط بالسيد محمد القصري بقدر ما هو ممتد لحالة كل قاض يشغل مهاما لدى السلطة التنفيذية خارج مهام التواصل لدى وزارة الخارجية بمصالحها الديبلوماسية بالخارج.
محام بهيئة الرباط


تعليقات الزوار ( 0 )