لم يعد مفهوم التنمية في القرن الحادي والعشرين يقتصر على تحقيق معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي أو تشييد الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، بل أصبح يقاس بقدرة الدول على بناء الإنسان، باعتباره الفاعل الرئيسي في إنتاج الثروة وصناعة المستقبل. فالاقتصاد الحديث لم يعد قائماً على وفرة الموارد الطبيعية بقدر ما أصبح يعتمد على المعرفة والابتكار ورأس المال البشري، وهو ما يجعل الثقافة في صميم أي مشروع تنموي. فالثقافة ليست نشاطاً نخبوياً ولا ترفاً فكرياً يُمارس على هامش الحياة الاقتصادية، وإنما هي منظومة متكاملة من القيم والمعارف والرموز والسلوكيات التي تحدد علاقة الفرد بالعمل، وبالمؤسسة، وبالقانون، وبالوطن. لذلك، فإن الحديث عن التنمية دون الحديث عن الثقافة يشبه محاولة تشييد بناء ضخم فوق أرض هشة؛ إذ سرعان ما تتلاشى نتائج المشاريع الاقتصادية إذا لم تسندها ثقافة المسؤولية والإبداع والإنتاج. وقد أدركت الأمم التي حققت نهضتها هذه الحقيقة مبكراً، فجعلت من الثقافة استثماراً استراتيجياً يسبق الاستثمار في الاقتصاد، لأن الإنسان المثقف هو وحده القادر على تحويل الموارد إلى ثروة، والأفكار إلى مشاريع، والطموحات إلى إنجازات مستدامة.
ولعل هذا ما ذهب إليه المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي، الذي اعتبر أن معضلة المجتمعات العربية ليست نقصاً في الإمكانات أو الموارد، وإنما تكمن أساساً في غياب الوعي التاريخي القادر على فهم منطق تطور الأمم. ففي مشروعه الفكري، يؤكد العروي أن الحداثة ليست مجرد اقتناء للتكنولوجيا أو تقليد للنماذج الغربية، بل هي تحول عميق في الذهنيات، وفي طرق التفكير، وفي العلاقة مع الزمن والعمل والمعرفة. فالنهضة، في نظره، تبدأ من تغيير الثقافة قبل تغيير الاقتصاد، لأن المؤسسات الحديثة لا يمكن أن تؤدي وظائفها داخل مجتمع ما تزال تحكمه العقليات التقليدية وقيم الاتكال وضعف المبادرة. ومن هنا، فإن التنمية ليست مجرد برامج حكومية أو مخططات استثمارية، وإنما هي مشروع حضاري يقتضي إعادة بناء الإنسان فكرياً وأخلاقياً، حتى يصبح قادراً على التفاعل مع متطلبات العصر. فالثقافة، وفق تصور العروي، هي المدخل الحقيقي للحداثة، والحداثة هي الشرط الضروري لتحقيق التنمية المستدامة.
ويُظهر الواقع المغربي أن المملكة قطعت، خلال العقدين الأخيرين، أشواطاً مهمة في تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى غيّرت ملامح الاقتصاد الوطني وعززت مكانته الإقليمية والدولية. فقد استثمر المغرب بشكل مكثف في تحديث بنياته التحتية من خلال توسعة شبكة الطرق السيارة، وإنجاز القطار فائق السرعة، وتطوير الموانئ الكبرى، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح منصة لوجستية عالمية، فضلاً عن تعزيز الاستثمار في الطاقات المتجددة عبر مشاريع رائدة مثل مجمع “نور” للطاقة الشمسية، إلى جانب إنشاء مناطق صناعية متخصصة في صناعات السيارات والطيران، وإطلاق ورش الحماية الاجتماعية، وتنزيل مضامين النموذج التنموي الجديد. وتعكس هذه الإنجازات رؤية استراتيجية تجعل من الاقتصاد الوطني أكثر تنافسية وانفتاحاً على الأسواق العالمية. غير أن التجارب الدولية تؤكد أن نجاح المشاريع المادية لا يتحقق فقط بجودة البنية التحتية أو بحجم الاستثمارات، بل يتوقف أيضاً على وجود رأسمال بشري يمتلك المعرفة والكفاءة، ورأسمال ثقافي يرسخ قيم المسؤولية والإنتاج والانضباط. ولذلك، فإن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على بناء الطرق أو المصانع، وإنما أصبح يتمثل في بناء الإنسان القادر على استثمار هذه المنجزات وتحويلها إلى قيمة مضافة مستدامة. وهذا ما أكده النموذج التنموي الجديد عندما جعل من تنمية الرأسمال البشري والرأسمال اللامادي مدخلاً أساسياً لتحقيق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي، باعتبار أن التنمية ليست مجرد نمو في المؤشرات الاقتصادية، وإنما هي توسيع لقدرات الإنسان وإمكاناته، وتعزيز مشاركته في إنتاج المعرفة والثروة.
ومن هذا المنطلق، تبرز الثقافة باعتبارها المكون الجوهري للرأسمال اللامادي الذي يشمل منظومة القيم، وجودة التعليم، والثقة في المؤسسات، والقدرة على الابتكار، والوعي بالمصلحة العامة. فالعديد من التقارير الوطنية والدولية تؤكد أن الاقتصادات الأكثر تنافسية هي تلك التي استثمرت في المعرفة والبحث العلمي والصناعات الثقافية والإبداعية، وليس فقط في الأصول المادية. وفي المقابل، ما تزال المملكة تواجه تحديات ترتبط بضعف معدلات القراءة، ومحدودية الإنفاق على البحث العلمي، وتراجع الإقبال على الكتاب، وضعف مساهمة الصناعات الثقافية والإبداعية في الناتج الاقتصادي، وهي مؤشرات تعكس الحاجة إلى إعادة الاعتبار للثقافة باعتبارها استثماراً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنيات التحتية. وفي هذا السياق، يكتسب تحليل المفكر المغربي عبد الله العروي راهنية خاصة، إذ يرى أن التخلف لا يرتبط أساساً بندرة الموارد، بل بغياب الوعي التاريخي القادر على استيعاب شروط التقدم والحداثة. فالمجتمع الذي لا يجعل من الثقافة والمعرفة أساساً لمشروعه التنموي يظل عاجزاً عن تحقيق تحول حضاري مستدام، لأن التنمية الاقتصادية تفقد معناها إذا لم تُترجم إلى تنمية في الإنسان، وفي قدرته على التفكير النقدي، والإبداع، والمبادرة، والمشاركة الواعية في الشأن العام. لذلك، فإن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار في الإسمنت والحديد، بل إن نجاح هذا الأخير يظل رهيناً بجودة الأول، لأن التنمية التي لا تنتج مواطناً مثقفاً، واعياً ومسؤولاً، سرعان ما تفقد قدرتها على الاستمرار، بينما تظل الثقافة الضامن الحقيقي لاستدامة التنمية وتعزيز مناعة المجتمع في مواجهة مختلف التحديات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
وتبقى المدرسة والجامعة الركيزتين الأساسيتين لبناء هذا الرأسمال الثقافي. فالمؤسسة التعليمية ليست مجرد فضاء لنقل المعارف، بل هي المكان الذي تتشكل فيه شخصية المواطن، وتُبنى فيه قيم الانضباط، وروح المبادرة، واحترام القانون، والقدرة على التفكير النقدي. وقد نبه عبد الله العروي إلى أن أزمة التعليم في العالم العربي ليست أزمة مناهج فحسب، بل هي أزمة مشروع ثقافي، لأن المدرسة التي تكتفي بتلقين المعلومات دون تكوين العقل النقدي لا تستطيع إنتاج مجتمع المعرفة. واليوم، وفي ظل الثورة الرقمية والانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المدرسة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإعادة الاعتبار للقراءة، والكتاب، والفنون، والأنشطة الثقافية، حتى يتمكن الشباب المغربي من امتلاك أدوات التحليل والتمييز بين المعرفة الحقيقية وسيل المعلومات المتدفقة عبر الفضاء الرقمي. فالمجتمع الذي يقرأ هو مجتمع ينتج المعرفة، ويبتكر الحلول، ويقاوم التطرف والشائعات، ويؤمن بالحوار والعقلانية، وهي كلها شروط لا غنى عنها لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.





تعليقات الزوار ( 0 )