بدأت مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أوائل يوليوز 2026، بعد أن كانت قد أُجلت في وقت سابق بسبب ظروف الحرب. وتتضمن هذه المراسيم، وفق البرنامج المعلن:
* 4 و5 يوليوز2026: استقبال المشيعين وإقامة مراسم العزاء في مصلى الإمام الخميني بطهران، مع إتاحة المجال أمام الجمهور لإلقاء النظرة الأخيرة على الجثمان.
*6 يوليوز2026: موكب تشييع رسمي وشعبي كبير في العاصمة طهران، بمشاركة كبار المسؤولين الإيرانيين ووفود أجنبية.
*7 يوليو2026: مراسم تشييع في مدينة قم، ذات المكانة الدينية البارزة في إيران.
*9 يوليوز/2026: نقل الجثمان إلى مدينة مشهد ودفنه في محيط مرقد الإمام الرضا وفق ما أعلنته السلطات الإيرانية.
وللاشارة ، فقد اتخذت السلطات الإيرانية ترتيبات أمنية وتنظيمية واسعة، مع توقع مشاركة أعداد كبيرة من المشيعين من داخل إيران وخارجها، حيث اعتبرت هذه المراسيم الجنائزية حدثاً وطنياً ودينياً ذا رمزية سياسية كبيرة. ويمكن تفسير اهتمام السلطات الإيرانية بتنظيم جنازة ضخمة لعلي خامنئي باعتباره جزءًا من استراتيجية سياسية ورمزية، وليس مجرد إجراء بروتوكولي لتشييع قائد دولة سابق.
1-الدلالات السياسية لمراسيم جنازة المرشد العام المغتال
إن اهتمام السلطات الإيرانية بتنظيم جنازة سياسية ضخمة لعلي خامنئي يمكن فهمه في إطار الوظائف السياسية والرمزية التي تؤديها جنازات قادة الدول والأنظمة الثورية، وليس بوصفه مجرد حدث ديني أو بروتوكولي. إذ من أبرز الدوافع التي تفسر هذا الاهتمام تكريس استمرارية النظام الإيراني وتكريس شرعيته السياسية بالإضافة إلى إظهار قدرته التنظيمية والتسييرية:
-تكريس استمرارية النظام الايراني
يمكن اعتبار تنظيم جنازة سياسية وشعبية واسعة لعلي خامنئي جزءاً من استراتيجية هدفت إلى إظهار أن اغتيال المرشد العام لم يؤثر في استمرارية النظام الإيراني، وأن مؤسسات الدولة ما تزال قادرة على إدارة انتقال السلطة والمحافظة على تماسكها، مع توجيه رسالة إلى الداخل والخارج بأن النظام لا يرتبط ببقاء شخص واحد، مهما بلغت مكانته الدينية و السياسية . وفي ذلك إشارة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بأن استهدافهما للمرشد بهدف القضاء على النظام والسعي لانهياره لم يحل دون بقاء النظام واستمراريته .وبالتالي ، فقد حرصت السلطات الإيرانية برئاسة ابن المرشد المغتال على تنظيم مراسيم واسعة ومنظمة لإبراز أن مؤسساتها ما زالت تعمل بصورة طبيعية، وأن انتقال القيادة يجري في إطار من الاستقرار والانضباط. وهكذا أكدت السلطات الإيرانية، عبر مسؤولين ووسائل إعلام رسمية وشبه رسمية، أنها تتوقع مشاركة نحو 30 إلى 35 مليون شخص في مختلف مراحل مراسيم تشييع علي خامنئي الممتدة على عدة أيام وفي أكثر من مدينة، وليس في موكب واحد فقط. وبالتالي يرى عدد من المحللين أن الإعلان عن رقم بهذا الحجم يخدم عدة أهداف سياسية ورمزية، منها:
*إظهار أن اغتيال المرشد لم يضعف تماسك النظام الداخلي.
*إبراز استمرار قدرة الدولة على التعبئة الجماهيرية.
*الإيحاء بأن خامنئي ما زال يحظى بتأييد شعبي واسع.
*توجيه رسالة إلى الخصوم الخارجيين بأن النظام لا يزال متماسكاً وقادراً على الحشد الشعبي والسياسي.
* الربط بين جنازة خامنئي و جنازة روح الله الخميني في سنة1989 التي تُعد من أضخم الجنازات في التاريخ إيران الحديث. حيث قدرت السلطات الإيرانية عدد المشاركين فيها بأكثر من عشرة ملايين شخص، حيث شهدت مراسيمها تدافعاً كبيراً أدى إلى تأجيل الدفن وإعادة تنظيمه. وهكذا يمكن القول بأن هناك محاولة واضحة من السلطات الإيرانية لربط جنازة علي خامنئي بجنازتي روح الله الخميني و كذا جنازة قاسم سليماني في سنة 2020 سواء على المستوى الرمزي والإعلامي والسياسي، لكن دون إعلان رسمي بأن الهدف هو “محاكاة” هاتين الجنازتين. حيث تتجلى أوجه هذا الربط في عدة عناصر:
*الاستمرار في سردية “الشهادة والثورة” حيث حرصت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية على وضع خامنئي في السياق نفسه الذي وضع فيه مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، ولاحقاً قاسم سليماني، باعتبارهم رموزاً لاستمرار الثورة الإسلامية و”محور المقاومة”. وبذلك تصبح الجنازات حلقات متتابعة في السردية الرسمية للدولة، لا أحداثاً منفصلة.
*إعادة إنتاج مشهد “الملايين” فكما رُوج لجنازة الخميني باعتبارها من أكبر الجنازات في التاريخ، ولجنازة سليماني باعتبارها الأكبر منذ جنازة الخميني، سعت السلطات الإيرانية إلى إظهار جنازة خامنئي باعتبارها امتداداً لهذا التقليد الجماهيري، مع الحديث عن مشاركة عشرات الملايين في مختلف مراحل التشييع.
*الاستفادة من دروس جنازتي الخميني وسليماني حيث شهدت جنازتا الخميني وسليماني حوادث تدافع أسفرت عن سقوط ضحايا، ولذلك أولت السلطات في جنازة خامنئي اهتماماً خاصاً بإدارة الحشود والتخطيط الأمني حتى لا تتكرر تلك الحوادث، في محاولة لأن يُنظر إلى الجنازة بوصفها نجاحاً تنظيمياً أيضاً.
*الرسالة السياسية نفسها حيث تشترك الجنازات الثلاث في أنها حملت رسالة مفادها أن رحيل الشخصية القيادية لا يعني ضعف الجمهورية الإسلامية. ففي عام 1989 كان المطلوب إثبات استمرار النظام بعد وفاة الخميني، وفي عام 2020 كان الهدف إظهار أن اغتيال سليماني لن يضعف نفوذ إيران الإقليمي، أما في جنازة خامنئي فبرزت رسالة أن اغتيال المرشد لم يؤد إلى انهيار النظام أو تعطيل مؤسساته، وأن الدولة قادرة على إدارة انتقال القيادة والتعبئة الشعبية.
*الرمزية الدينية والجغرافية ، فعلى غرار جنازتي الخميني وسليماني، امتدت مراسم خامنئي إلى مدن دينية رئيسية مثل طهران وقم ومشهد، وربطت بين التشييع الرسمي والرمزية الشيعية، بما يعزز البعد العقائدي إلى جانب البعد السياسي. وبالتالي، فإن كثيراً من المحللين يرون أن جنازة خامنئي لم تكن مجرد مراسيم وداع، بل كانت محاولة لإدراجه في التسلسل الرمزي نفسه الذي يبدأ بالخميني ويمر بسليماني. فالخميني يمثل مؤسس النظام، وسليماني يمثل رمز القوة الإقليمية والعسكرية، بينما يُراد لخامنئي أن يُجسد استمرارية النظام وصموده رغم الاغتيال والحرب. ومن هذا المنظور، فإن الربط بين الجنازات الثلاث يخدم بناء رواية رسمية متواصلة تؤكد أن الجمهورية الإسلامية تتجاوز الأفراد، وأن مؤسساتها وسرديتها الثورية تستمر رغم فقدان أبرز قادتها.





تعليقات الزوار ( 0 )