تعكس الحصيلة الحكومية المعلنة مؤخرًا تحسنًا ملحوظًا في عدد من المؤشرات الاقتصادية، حيث ارتفع معدل النمو إلى 4.8% سنة 2025 مع توقع بلوغه حوالي 5% في مطلع 2026، مدفوعًا بنمو فلاحي قوي بلغ 14.8%، مقابل 3.8% للأنشطة غير الفلاحية، كما تراجع التضخم بشكل حاد من 6.6% سنة 2022 إلى 0.8% في 2025، مع تسجيل مستويات قريبة من الصفر خلال بداية 2026، في مؤشر على استعادة الاستقرار السعري.
وتبرز الحصيلة الحكومية أيضًا تحسنًا في التوازنات المالية، من خلال تقليص عجز الميزانية إلى 3.5% من الناتج الداخلي الخام سنة 2025، مع استهداف 3% في 2026، إلى جانب تراجع نسبة الدين إلى 67.2% مع توقع انخفاضها إلى 65.9%، ورغم قوة هذه الأرقام، فإنها تفتح نقاشًا حول مدى انعكاس هذا التحسن على سوق الشغل وتحقيق تحول اجتماعي متكامل.
❖ تحسن كلي
يبرز أمين سامي، المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات، أن أرقام النمو والتضخم الرسمية قوية نسبيًا، لكن سوق الشغل ما زال يرسل إشارة تحذير؛ خصوصًا لدى الشباب والنساء وحملة الشهادات، موضحًا أن ذلك يعني أننا على الأرجح أمام تحسن اقتصادي غير مكتمل التحول اجتماعيًا، وليس قصة نجاح مغلقة.
وأردف سامي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الحصيلة الحكومية تظهر تحسنًا ماكرو-اقتصاديًا حقيقيًا، لكن هذا لا يعني تلقائيًا أننا أمام تحول هيكلي مكتمل، لافتًا إلى أن الأدق هو القول إن المغرب حقق تحسنًا فعليًا في الاستقرار الكلي وتسريعًا نسبيًا للنمو، لكن الجزء الاجتماعي من التحول ما زال أبطأ من الجزء المحاسبي والمالي.
وأشار إلى أن هذه القراءة تعززها معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي ترجح نموًا بنحو 5% في الفصل الأول من 2026 بعد 4.1% في الفصل الرابع من 2025، مع تسجيل تضخم سنوي متوسط عند 0.8% خلال 2025، إلى جانب مسار نزولي لعجز الميزانية إلى 3.5% والدين إلى 67.2%، وهي مؤشرات تعكس استعادة قدر مهم من الانضباط والاستقرار الاقتصادي.
❖ محركات ظرفية
يذكر أمين سامي أنه عند تفكيك مصدر هذا التحسن، يظهر أن جزءًا معتبرًا من التسارع المسجل خلال 2026 يظل ظرفيًا، إذ يرتبط بشكل واضح بما يمكن تسميته “الصدمة المطرية الإيجابية”، أي تأثير التساقطات الاستثنائية على النشاط الفلاحي، حيث ساهم هذا العامل في إعادة التوازن للنمو، إذ أضاف القطاع الفلاحي حوالي 1.5 نقطة للنمو الإجمالي بعد تسجيل أمطار تفوق المعدل العادي بنحو 86.6%.
واستطرد أنه بلغة الاقتصاد، يمكن وصف هذا التحسن بأنه “دفعة دورية” (boost cyclical)، أي تحسن مرتبط بدورة اقتصادية مؤقتة، وليس “ترقية هيكلية” (structural upgrade)، أي تحول عميق ومستدام في بنية الاقتصاد، فلو كان التحول هيكليًا بالكامل، لكان انعكس بشكل متزامن على الإنتاجية والصناعة والبناء والتشغيل النوعي والصادرات.
وأضاف أنه في المقابل، تشير المعطيات إلى استمرار تباطؤ بعض القطاعات الثانوية، مع تراجع الأنشطة الاستخراجية، وبقاء مساهمة المبادلات الخارجية سلبية، وإن بوتيرة أقل، وهذا يعني أن الاقتصاد لا يزال يعتمد على عوامل تقليدية مثل المناخ والطلب الداخلي والإنفاق العمومي، دون تحرر كامل نحو محركات إنتاجية أكثر استدامة.
❖ تحول جزئي
بخصوص طبيعة التحول الاقتصادي، يرى سامي أنه تحقق بشكل جزئي فقط، حيث توجد مؤشرات بنيوية إيجابية، من بينها استمرار الاستثمار العمومي، وتحسن شروط التمويل، ونمو القروض الموجهة للاقتصاد، إلى جانب دعم قطاعات حيوية كالماء والطاقة واللوجستيك.
ولفت إلى أن الطلب الداخلي أظهر دينامية مهمة، حيث ارتفع استهلاك الأسر بنسبة 4.4% في نهاية 2025، ثم 4.6% في مطلع 2026، مع استمرار تكوين رأس المال الثابت، وإن بوتيرة معتدلة، حيث تبرز أيضًا قدرة بعض الصناعات، مثل الغذائية والدوائية ومعدات النقل، على الصمود والمساهمة في النشاط الاقتصادي.
ونبه إلى أنه رغم هذه المؤشرات، لا يزال الاقتصاد يواجه ثلاث عقد رئيسية تعيق اكتمال التحول، تتمثل في هشاشة سوق الشغل، وضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، واستمرار الفجوة بين نمو الناتج ونمو الدخل الشغلي المستدام، ما يجعل التحول البنيوي غير مكتمل الصلابة.
❖عدالة متعثرة
أما على مستوى التوازن بين النمو والعدالة الاجتماعية، يلفت سامي إلى أنه لم يتحقق بعد بالشكل الكافي، مبرزًا أن الحكومة أطلقت أوراشًا اجتماعية واسعة؛ من بينها الحوار الاجتماعي الذي بلغت كلفته 45.7 مليار درهم في أفق 2026، إلى جانب زيادات في الأجور واستفادة أكثر من مليون موظف وأجير.
وأردف أن انخفاض التضخم إلى 0.8%، وتسجيل مستويات قريبة من الصفر في مطلع 2026، ساهم في تخفيف الضغط على القدرة الشرائية للأسر، وهو ما وفر نوعًا من الاستقرار السعري، مبرزًا أن العدالة الاجتماعية لا تقاس فقط باستقرار الأسعار أو حجم الإنفاق العمومي.
واستطرد أنها ترتبط أساسًا بمدى تحول هذه المؤشرات إلى فرص عمل لائقة، ودخل مستقر، وإحساس فعلي بتحسن مستوى العيش، مشيرًا إلى أنه هنا تظهر الفجوة بين الأداء الماكرو-اقتصادي وتحسن الواقع اليومي، حيث إن المواطن لا يعيش المؤشرات الكبرى، بل يعيش سوق الشغل وتكاليف المعيشة واستقرار دخله.
وشدد على أن الحصيلة الحكومية تعكس تحسنًا أسرع على المستوى الكلي مقارنة بالمستوى المعيشي، حيث نجحت السياسات العمومية في تثبيت المؤشرات الكبرى، من خلال نمو أفضل، وتضخم منخفض، وتمويل أكثر تيسيرًا، وعجز ودين في مسار متحكم فيه.
وأضاف أنه في المقابل، لم يتحقق بعد التحول العميق في بنية الفرص الاقتصادية، إذ لا يزال الاقتصاد في مرحلة انتقال من “اقتصاد الصمود” إلى “اقتصاد إعادة التموضع”، وليس بعد في مرحلة “الإقلاع الهيكلي الكامل”.
وأوضح أن هذا التحسن الحالي يعتمد على خمسة محركات أساسية، تشمل الانتعاش الفلاحي، والطلب الداخلي، والاستثمار العمومي، والتيسير النقدي، وتحسن الطلب الخارجي.
واعتبر أن التحدي الحقيقي يظل في تحويل هذه الدينامية إلى إنتاجية أعلى، وصادرات أكثر تعقيدًا، وتشغيل رسمي أوسع، ومشاركة أكبر للشباب والنساء، بما يحقق إدماجًا اقتصاديًا عميقًا بدل الاكتفاء بعناوين إيجابية (Good headlines) دون أثر اجتماعي شامل (Deep inclusion).




تعليقات الزوار ( 0 )