قال الباحث في الفكر الإسلامي والتاريخ الدكتور عبد الله الجباري إن الإشكال الحقيقي الذي يواجه الحقل الديني في المغرب والعالم الإسلامي لا يتعلق بالخلافات المذهبية أو بالجدل الدائر حول بعض كتب التراث، وإنما يرتبط أساسا بحالة الركود العلمي التي أصابت المؤسسات الدينية وأفرغت الاجتهاد من مضمونه، محولا كثيرا من العلماء إلى مجرد حراس للموروث بدل أن يكونوا منتجين للمعرفة الدينية.
وخلال حلوله ضيفا على بودكاست “معهم حيث هم” الذي تبثه جريدة الشعاع الجديد، أوضح الجباري أن الثقافة العلمية السائدة في المغرب كرست عبر عقود طويلة منطق التقليد والالتزام الحرفي بالأقوال المتوارثة، في وقت يحتاج فيه الواقع المتغير إلى فقه قادر على استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وأكد أن تأثره المبكر بالحس النقدي الذي ورثه عن والده، إضافة إلى احتكاكه بتراث الأسرة الصديقية بطنجة، جعله أكثر ميلا إلى مساءلة المسلمات وإعادة النظر في كثير من القضايا التي تعتبر محسومة داخل الفضاء الديني.

وفي معرض حديثه عن الاتهامات التي طالت بعض علماء الأسرة الصديقية بالتشيع، شدد الجباري على أن التشيع المذهبي لم يكن جزءا من البناء العقدي للمغرب، غير أن محبة أهل البيت ظلت عنصرا مركزيا في التدين المغربي. واعتبر أن المواقف النقدية التي تبناها بعض علماء الأسرة تجاه شخصيات تاريخية مثل معاوية بن أبي سفيان لا تعني بالضرورة الانتماء إلى المذهب الشيعي، بقدر ما تعبر عن قراءة تاريخية وأخلاقية لأحداث الفتنة الكبرى. وأضاف أن التراث السني نفسه عرف شخصيات وعلماء اتخذوا مواقف مشابهة دون أن يخرجوا من دائرة أهل السنة.
وأشار إلى أن دراسة التدين المغربي تكشف عن وجود آثار تاريخية وثقافية مرتبطة ببعض مظاهر التشيع، خاصة في عدد من المناطق الجنوبية، حيث ما تزال بعض الطقوس والعادات المرتبطة بعاشوراء أو بأسماء معينة تعكس امتدادات تاريخية قديمة، غير أن ذلك لا يرقى إلى وجود تشيع مذهبي منظم أو مؤثر في البنية الدينية للمجتمع المغربي.
وعن الجدل الذي أثاره موقفه من الاشتراك في الأضحية، أكد الجباري أن ما قدمه يدخل في إطار الاجتهاد الفقهي المشروع، نافيا وجود فرق حقيقي بين الرأي والفتوى من الناحية العلمية. وأوضح أن الفتوى هي في جوهرها رأي فقهي مؤسس على النظر والاستدلال، معتبرا أن الخلط الحاصل في المغرب يعود إلى فهم غير دقيق للمقتضيات الدستورية المتعلقة بالإفتاء.
وأضاف أن الدستور منح المجلس العلمي الأعلى اختصاص الفتوى في القضايا المرتبطة بالشأن العام، لكنه لم يمنع العلماء والفقهاء من إبداء آرائهم واجتهاداتهم في المسائل الفقهية الأخرى. ولذلك يرى أن ما قدمه بخصوص جواز الاشتراك في الأضحية لا يمثل خروجا عن المذهب المالكي، بل محاولة لتأصيل حل فقهي انطلاقا من أصول المذهب نفسه لمواجهة أوضاع اقتصادية استثنائية تعرفها البلاد.

وانتقد الجباري ما اعتبره غيابا للاجتهاد المؤسساتي في التعامل مع الأزمات المرتبطة بعيد الأضحى، معتبرا أن استيراد الأضاحي بالعملة الصعبة في ظروف اقتصادية صعبة يمثل مفسدة كبرى كان ينبغي أن تثير نقاشا فقهيا حقيقيا. كما دعا إلى الانتقال من مجرد تكرار الأقوال القديمة إلى إنتاج فقه جديد قادر على الاستجابة لحاجات المجتمع.
وفي هذا السياق، أثار الجباري سؤالا وصفه بالحساس حول مدى حاجة المغرب اليوم إلى المذهب المالكي بصيغته التقليدية. وأوضح أن المجتمع المغربي نفسه تجاوز في عدد من المجالات اختيارات فقهية مالكية كانت تعد في الماضي من الثوابت، سواء على مستوى التشريع أو الممارسة الاجتماعية، وهو ما يدفع إلى إعادة النظر في العلاقة بين المذهب والاجتهاد.
واعتبر أن المذهب المالكي لا ينبغي أن يتحول إلى إطار مغلق يمنع التفكير والتجديد، مذكرا بأن تاريخ المذهب نفسه عرف تعددا في الآراء والاجتهادات. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي للمذهب، في نظره، لا يكون بتقديس الأقوال المتأخرة، وإنما بإحياء روحه الاجتهادية التي أنتجت تلك الأقوال في سياقاتها التاريخية المختلفة.
وفي محور آخر من الحوار، تناول الجباري الجدل المتجدد حول صحيح البخاري، معتبرا أن كثيرا من النقاشات المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي تفتقر إلى الحد الأدنى من المعرفة بتاريخ العلوم الإسلامية ومناهج نقل الحديث.
وأوضح أن اختزال المسألة في كون البخاري عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم بقرنين أو في غياب النسخة الأصلية للكتاب يمثل تبسيطا مخلا لمسار علمي معقد امتد عبر أجيال متعاقبة من العلماء.
وأشار إلى أن السنة النبوية مرت بمراحل متعددة بدأت بالكتابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة، ثم مرحلة التدوين الرسمي في العصر الأموي، قبل أن تصل إلى مرحلة التصنيف المنهجي التي يمثل البخاري أحد أبرز أعلامها. ولذلك فإن صحيح البخاري لم يظهر من فراغ، وإنما جاء ثمرة لتراكم علمي طويل سبق الإمام البخاري نفسه.
كما شدد على أن غياب النسخ الأصلية لا يخص صحيح البخاري وحده، بل يشمل غالبية كتب التراث الإسلامي الكبرى، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى طبيعة الثقافة العلمية السائدة آنذاك. وأكد أن العلماء لم يعتمدوا فقط على النسخ المكتوبة، بل طوروا منظومة دقيقة لنقل المعرفة تقوم على السماع والعرض والإجازة، وهي وسائل اعتبرها أكثر موثوقية من مجرد امتلاك نسخة ورقية.

وردا على من يطعنون في مكانة صحيح البخاري، أوضح الجباري أن عبارة “أصح كتاب بعد كتاب الله” لا تعني العصمة أو الكمال المطلق، وإنما تعني أن الكتاب حاز أعلى درجات التوثيق مقارنة ببقية كتب الحديث. وذكر أن الكتاب تعرض منذ قرون للنقد والمراجعة من طرف كبار العلماء، وفي مقدمتهم الدارقطني وغيره، ما يؤكد أن التراث الإسلامي نفسه لم يعرف أي قداسة بشرية للجهد العلمي.
لمتابعة الحوار كاملا يمكن متابعة المقابلة الكاملة بالصوت والصورة أسفله





تعليقات الزوار ( 0 )