أخبار ساعة

22:35 - الوداد يمدد آجال الترشح للرئاسة وطلبات الانخراط22:32 - استشهاد رضيع فلسطيني عمره 7 أشهر برصاص الجيش الإسرائيلي في الخليل وإصابة والديه وسط تصاعد الاعتداءات بالضفة الغربية21:37 - الدعاء للملك في منظومة الحكم بالمغرب21:19 - سلاح المسيرات المغربي يحبط تحركات مشبوهة للبوليساريو بالمنطقة العازلة21:00 - حموشي يترأس الاجتماع الاستراتيجي الثاني لتحديث مخطط مكافحة الشغب وتعزيز الأمن الرياضي20:31 - الشرقاوي السموني يستنكر إقصاء جمعيات حقوقية من ورشة دولية بالرباط20:11 - بقيمة 500 مليون أورو.. المغرب والاتحاد الأوروبي يوقعان الشطر الثاني لإعادة إعمار الحوز20:02 - زلزال سياسي بالرباط.. العمدة فتيحة المودني ورئيس مقاطعة السويسي يعلنان اعتزال العمل السياسي بـ”الأحرار”18:58 - المغرب وليبيريا يبحثان بالرباط سبل تعزيز التعاون في الصيد البحري وتربية الأحياء المائية18:34 - سباق مع الزمن لتأهيل الطرقات وتحديث البنية التحتية بمقاطعة الحي الحسني بالدار البيضاء
الرئيسية » مقالات الرأي » الدعاء للملك في منظومة الحكم بالمغرب

الدعاء للملك في منظومة الحكم بالمغرب

ارتبط الدعاء للسلطان تاريخياً بطبيعة النظام السياسي المغربي، حيث لم تكن الشرعية تقوم فقط على القوة العسكرية، بل أيضاً على الشرعية الدينية التي تزكيها البيعة التي يصادق عليها العلماء، وتكرس من خلال الخطب التي تلقى من أعلى منابر المساجد يوم الجمعة وفي الأعياد الدينية ، بالإضافة إلى الدعوات للسلطان في أضرحة الأولياء ووالزوايا الدينية. ولهذا كان الصراع أحياناً يدور حول من يملك حق “الخطبة والدعاء”، لأن الخطبة في الثقافة السياسية الإسلامية التقليدية كانت بمثابة إعلان سيادة، مثل سك العملة أو رفع الراية. لذا كان السلاطين بالمغرب يولون أهمية كبيرة للسيطرة على المساجد الكبرى والعلماء المؤثرين، لأن أي تحول في الدعاء أو الخطبة قد يشجع مناطق وأقاليم بالسلطة على التمرد أو إعلان الولاء لمنافس سياسي.

1-صراع السلاطين بالمغرب حول الدعاء لهم من منابر المساجد بالمغرب

كان الدعاء للسلاطين من فوق منابر المساجد في المغرب أحد أهم رموز الشرعية السياسية والدينية، ولذلك ارتبط عبر التاريخ بصراعات حقيقية حول الحكم والسيادة. فذكر اسم السلطان في خطبة الجمعة والدعاء له لم يكن مجرد طقس ديني، بل إعلاناً رسمياً بالاعتراف بسلطته وبيعته. ولهذا كان تغيير اسم السلطان في الدعاء يعني عملياً انتقال الشرعية من حاكم إلى آخر. ففي التاريخ المغربي الوسيط والحديث، ظهرت عدة حالات ارتبط فيها الصراع السياسي بالتحكم في المنابر والدعاء. فخلال الصراعات بين الأسر والسلالات المتعاقبة (المرابطين، الموحدين، المرينيين، السعديين، العلويين)، كان كل سلطان يسعى إلى فرض الدعاء باسمه في المساجد الكبرى مثل جامع القرويين بفاس أو مساجد مراكش، لأن ذلك يعني الاعتراف الفعلي بسلطته على المجال السياسي والديني. ففي فترات الفتن أو التمردات القبلية، كان بعض القواد أو الزوايا يوقفون الدعاء للسلطان أو يستبدلونه باسم منافس له، وهو ما كانت تعتبره السلطة المركزية شكلاً من أشكال العصيان السياسي. ولم يرتبط هذا الصراع السياسي حول الدعاء على الصعيد الداخلي ، بل شكل مصدر صراع حتى على الصعيد الخارجي .

وقد مثل الصراع بين الدولة في عهد السلاطين السعديين مع سلاطين الإمبراطورية العثمانية نموذجاً واضحاً لهذا البعد الرمزي. إذ رفض السلاطين السعديون الدعاء للسلاطين العثمانيين على منابر المغرب حفاظاً على استقلال المملكة المغربية عن النفوذ العثماني. كما أن المنبر ظل وسيلة لإظهار السيادة المغربية حتى في المناطق الخاضعة للاستعمار أو النفوذ الأجنبي. فقد اعتُبر استمرار الدعاء للسلطان المغربي في بعض المساجد تعبيراً عن الارتباط السياسي والديني بالمغرب.

وهكذا فبعد نفي محمد الخامس في غشت 1953 وتنصيب محمد بن عرفة سلطانا بدعم من سلطات الحماية الفرنسية والقياد الموالين لها ، جرى رسميا الدعاء لابن عرفة في المساجد والخطب والطقوس المخزنية باعتباره السلطان الذي اعترفت به الإدارة الاستعمارية آنذاك. لكن هذه المسألة حملت دلالة سياسية عميقة، لأن الدعاء للسلطان في التقليد المغربي كان يعد من أبرز علامات الشرعية والاعتراف بالحكم. لذلك أصبح موضوع الدعاء نفسه ساحة صراع سياسي ورمزي بين السلطة الاستعمارية التي أرادت إظهار أن ابن عرفة هو السلطان الشرعي و مكونات الحركة الوطنية وجزء واسع من العلماء والمغاربة الذين ظلوا يعتبرون محمد الخامس السلطان الشرعي الحقيقي للبلاد.

لذا ، فقد امتنع بعض الأئمة والعلماء عن الدعاء لابن عرفة. كما جرى أحيانا التهرب من ذكر اسمه في الخطب. حيث وقعت لأجل ذلك احتجاجات وتوترات بسبب فرض الدعاء له. وكانت سلطات الحماية تعتبر استمرار الدعاء لمحمد الخامس أو رفض الدعاء لابن عرفة نوعا من العصيان السياسي. وبالتالي فقد أظهرت هذه الفترة من تاريخ المغرب السياسي أن الدعاء للسلطان لم يكن مجرد طقس ديني، بل مؤشر ولاء سياسي ، وعلامة اعتراف بالشرعية وأداة لقياس نفوذ الدولة داخل المجال الديني. ولهذا ارتبطت عودة محمد الخامس من المنفى سنة 1955 بعودة الدعاء باسمه في المساجد باعتبارها لحظة استرجاع للشرعية الوطنية والدينية معا. ومنذ ذلك الحين أصبح الدعاء للملك جزءاً من التنظيم الرسمي للحقل الديني تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، باعتباره امتداداً لمؤسسة إمارة المؤمنين التي يتولاها الملك.

2-الصياغة الرسمية للدعاء الملك على الصعيد التنظيمي واللغوي

تخضع صياغة الدعاء للملك في المغرب لمنطقين متداخلين: منطق تنظيمي بروتوكولي تشرف عليه المؤسسة الدينية الرسمية ، ومنطق لغوي رمزي يستمد عناصره من التراث الدعائي والبلاغة المخزنية التقليدية.

-فعلى على الصعيد التنظيمي فعادة ما يشرف على ضبط الصيغ الرسمية للدعاء وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتنسيق مع المؤسسة الملكية، خصوصا في خطب الجمعة ، وخطب صلوات الأعياد الدينية ، وكذا في الدروس الحسنية. وحفلات ختم القرآن أو صحيح البخاري. حيث يتميز هذا التنظيم بعدة خصائص منها توحيد الصيغة حيث غالبا ما تكون الصيغة موحدة على الصعيد الوطني، لتفادي أية اختلافات قد تحمل دلالات سياسية أو تأويلات مذهبية غير مرغوبة. وعادة ما تأتي صيغة الدعاء وفق تسلسل بروتوكولي ديني حيث يأتي الدعاء عادة بعد الصلاة على النبي ، ثم الدعاء العام للمسلمين ، ثم الدعاء للملك والأسرة الملكية. حيث يعكس هذا الترتيب يعكس مكانة الملك باعتباره رئيس الدولة وأمير المؤمنين.

-أما على الصعيد اللغوي والبلاغي ، فتتميز صياغة الدعاء للملك بخصائص لغوية مستمدة من اللغة العربية الكلاسيكية والبلاغة الدعائية الإسلامية والتقاليد المخزنية المغربية التي تنعكس في كثافة الألقاب التشريفية مثل ( (أمير المؤمنين و حامي حمى الملة والدين أو عبارات نصره الله وأيده الله وحفظه الله…) وهي ألقاب تؤدي وظائف دينية وسيادية ورمزية. كما تُصاغ الأدعية غالبا بلغة موزونة قريبة من السجع، مثل: “اللهم احفظ مولانا أمير المؤمنين، وأدم عليه نعمة الصحة والعافية، وانصره نصرا تعز به الدين والبلاد. حيث يكون الهدف من ذلك ليس فقط المعنى، بل أيضا إضفاء الهيبة والوقع السمعي والطابع الاحتفالي. لأن الدعاء للملك يرتبط رمزيا بفكرة استقرار الدولة واستمرار الإمامة ووحدة الجماعة. بالتالي ، فعادة ما تمزج اللغة المستعملة في الدعاء للملك بين: مفردات دينية (اللهم، الملة، الدين) ومفردات سيادية (العرش، الرعية، البلاد). وهو ما يعكس خصوصية النظام المغربي حيث تتداخل الشرعية الدينية والسياسية.

3 -وظيفة الدعاء للملك في منظومة الحكم بالمغرب

يشكل الدعاء في المغرب أكثر من مجرد ممارسة دينية أو طقس بروتوكولي، إذ ظل تاريخياً جزءاً من منظومة الشرعية السياسية والرمزية داخل الدولة المغربية. فالدعاء للسلطان ثم للملك كان دائماً مرتبطاً بفكرة البيعة وإمارة المؤمنين واستمرارية الدولة. ففي التاريخ السياسي المغربي، كان الدعاء يُتلى في المساجد والزوايا والمناسبات الرسمية باعتباره إعلاناً رمزياً للاعتراف بشرعية الحاكم. ولذلك كان قطع الدعاء أو الامتناع عنه يُفهم أحياناً كإشارة سياسية إلى التمرد أو رفض السلطة المركزية، خاصة خلال فترات الصراع بين المخزن وبعض القبائل أو الزوايا. وترتبط هذه الوظيفة التاريخية بمؤسسة إمارة المؤمنين التي يتولاها الملك، حيث يجمع النظام المغربي بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية. ولهذا يحضر الدعاء في خطب الجمعة التي تلقى بمساجد المملكة ، وفي المناسبات الدينية الرسمية كعيد الأضحى وعيد الفطر ،وحفلات البيعة، وباقي الأنشطة المرتبطة بالمؤسسة الملكية. وبالتالي ، يؤدي الدعاء عدة وظائف داخل منظومة الحكم:

*الوظيفة الدينية :حيث باعتبار الملك أمير المؤمنين، يصبح الدعاء له جزءاً من حماية الدين ووحدة المرجعية الدينية الرسمية بالمغرب، خاصة في مواجهة التطرف أو الانقسامات المذهبية. كما أن حضور الدعاء داخل المجال الديني الرسمي يعكس خصوصية النموذج المغربي مقارنة بأنظمة ملكية أو جمهورية أخرى، حيث يحتفظ الدين بمكانة مركزية داخل بنية الشرعية السياسية.

*الوظيفة الرمزية : حيث يعكس الدعاء للملك وحدة الدولة واستمرارية المؤسسة الملكية، ويؤكد الارتباط الرمزي بين الدين والسلطة السياسية.

*الوظيفة السياسية :حيث يشكل الدعاء شكلاً من أشكال التعبير عن الولاء السياسي والمؤسساتي، خصوصاً في المناسبات الوطنية الكبرى مثل عيد العرش أو افتتاح البرلمان. فمن الناحية الدستورية، فدستور المملكة بما فيه دستور فاتح يوليوز 2011 كرّس هذا البعد عبر التنصيص على أن الملك هو: أمير المؤمنين، وحامي حمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية. وهو ما يجعل الدعاء جزءاً من الثقافة السياسية والمؤسساتية المرتبطة بهذه المكانة.

*الوظيفة الاجتماعية :حيث يساهم الدعاء في ترسيخ صورة الملك باعتباره ضامناً للاستقرار والوحدة الوطنية، وليس فقط رئيساً للدولة بالمعنى السياسي الضيق.

4-تقديم الهبات الملكية والدعاء للملك

يشكل ظهور الحاجب الملكي في المغرب خلال المناسبات الدينية والروحية، خاصة أثناء التنقل بين الأضرحة والزوايا لتقديم الهبات الملكية وقراءة الدعاء للملك، جزءاً من تقاليد المخزن العريقة التي تمزج بين الرمزية الدينية والشرعية السياسية. ويرتبط هذا الدور تاريخياً بمؤسسة القصر الملكي حيث لا يكون الحاجب مجرد موظف بروتوكولي، بل حاملًا لرمزية “الحضور الملكي غير المباشر”. فعندما يتنقل الحاجب الملكي إلى ضريح أو زاوية، يُنظر إليه وكأنه يمثل شخص الملك نفسه، خاصة في المناسبات الدينية الكبرى مثل: المولد النبوي، وشهر رمضان، والمواسم الدينية، ومناسبات إحياء ذكرى أولياء وصلحاء محليين. حيث تكتسي عملية تقديم الهبات الملكية لمحافظي ومقدمي الزوايا والأضرحة عدة دلالات من أبرزها:

– تأكيد رعاية الملك الدينية لمنظومة الزوايا والأضرحة وكل ما يرتبط بها من شبكة بشرية من المقدمين والحفدة والخدام…..فبحكم أن ملك المغرب يحمل صفة أمير المؤمنين، فإن دعمه للأضرحة والزوايا يفهم كامتداد لدوره الديني، وليس فقط السياسي. فالهبة الملكية التي قد تكون مالية، أو عينية من مواد غذائية، أو ترميمات…،تشكل في عمقها دعما للطلبة والمريدين والفقراء المرتبطين بالزاوية أو الضريح.

– تجديد البيعة الرمزية حيث خلال هذه الزيارات يُرفع الدعاء للملك، وهو عنصر ذو حمولة سياسية وروحية قوية في الثقافة المخزنية المغربية. فالدعاء العلني للملك داخل فضاء ديني يرمز إلى الشرعية، ويجدد الولاء، ويؤكد الارتباط بين السلطان/الملك والمجال الديني المحلي.

– الحفاظ على شبكة الزوايا والأضرحة حيث لعبت الزوايا تاريخياً دور الوسيط بين السلطة المركزية والقبائل والمجتمعات المحلية، خصوصاً في المناطق القروية والجبلية. لذلك فإن استمرار هذا التقليد يعكس المحافظة على الذاكرة المخزنية، وربط المركز بالأطراف، واستمرار الاعتراف الرمزي بالمكانة الاجتماعية للزوايا.

– البعد الاحتفالي والبصري حيث ترافق هذه الجولات عادة مظاهر بروتوكولية دقيقة كاللباس التقليدي،

والمواكب الرسمية، وتلاوة الأمداح والدعاء، واستقبال الشرفاء ومقدمي الزوايا، وقراءة الرسائل الملكية أحياناً.و كل هذه الطقوس تمنح الحدث بعداً احتفالياً يعزز صورة الاستمرارية التاريخية للدولة والسلطة الملكية بالمغرب.

-البعد السياسي ، حيث رغم الطابع الديني الظاهر، فإن هذه التنقلات تؤدي أيضاً وظيفة سياسية هادئة تتمثل في إبقاء الصلة مع النخب الدينية التقليدية، وتقوية الشرعية الرمزية للملك وتأكيد مركزية المؤسسة الملكية في الحقل الديني المغربي. بالإضافة إلى إظهار حضور الدولة داخل الفضاءات الروحية المحلية . حيث تحضر إلى جانب الحاجب الملكي في مناسبات تقديم الهبات الملكية للأضرحة والزوايا وقراءة الدعاء للملك، شخصيات رسمية ودينية ومحلية تعكس تداخل البعدين المخزني والديني في المغرب خصوصاً في القرى والمناطق ذات التقاليد المترسخة و القوية، حيث تتحول المناسبة إلى حدث اجتماعي وسياسي محلي. وبالرغم من اختلاف مستوى هذا الحضور حسب أهمية المناسبة والمكانة الرمزية للضريح أو الزاوية، إلا أنه غالباً ما تضم الوفود الرسمية ممثلين عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، خصوصاً المندوبين الجهويين والإقليميين، باعتبار أن الوزارة تشرف على الحقل الديني والزوايا والمساجد. كما يحضر العامل أو الوالي باعتباره ممثل السلطة المركزية في الإقليم أو الجهة، ورؤساء المجالس المنتخبة كرئيس الجهة، ورئيس المجلس الإقليمي، ورئيس الجماعة الترابية المعنية. وكذا شخصيات من أسرة أو شرفاء الزاوية أو الضريح، وهم عنصر أساسي في الطقوس الاستقبالية ، بحكم مكانتهم الروحية والرمزية. بالاضافة إلى أعيان المنطقة ووجهاؤها وعلماء الدين وأعضاء المجالس العلمية المحلية، خاصة عند إقامة الدروس الدينية أو ختم صحيح البخاري أو تلاوة الأدعية الرسمية .و ممثلين عن الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية كالباشا، والقائد، ورؤساء المصالح الأمنية، و أحياناً عناصر من القوات المساعدة لتنظيم الاستقبال والمواكب.

وبالتالي ، فإن اختيار بعض الأضرحة أو الزوايا دون غيرها قد يعكس أحياناً اعتبارات تاريخية أو مجالية أو رمزية مرتبطة بمكانة تلك الزاوية داخل المجتمع المحلي .ففي بعض المناسبات الكبرى، قد يحضر وزراء أو مستشارون ملكيون، خاصة إذا كانت الزاوية ذات ثقل تاريخي أو سياسي كبير، مثل الزاوية التيجانية،أو الزاوية البودشيشية، أو موسم ضريح مولاي إدريس الأزهر. حيث يلاحظ أن ترتيب الجلوس، وطريقة الاستقبال، وأسبقية السلام على الحاجب الملكي، كلها تخضع لبروتوكول دقيق يعكس تراتبية الدولة المخزنية وموازين الرمزية داخل المجال الديني المغربي.

5-رمزية الدعاء للملك قبيل حلول اية مناسبة دينية او احتفال بعيد ديني

يحمل الدعاء للملك قبيل المناسبات الدينية أو الأعياد الدينية في المغرب دلالات رمزية وسياسية وروحية متشابكة، ترتبط بطبيعة المؤسسة الملكية ومكانتها التاريخية والدينية داخل المجتمع المغربي. وتتخذ هذه الرمزية بعدا دينيا وروحيا . حيث لا ينظر للملك في المغرب كرئيس للدولة فقط ، بل يحمل أيضا صفة أمير المؤمنين، وهي صفة دستورية وتاريخية تمنحه شرعية دينية إلى جانب الشرعية السياسية. لذلك يصبح الدعاء له في المناسبات الدينية تعبيرا عن التماس البركة والاستقرار للأمة، وربطا بين الدين ووحدة الجماعة السياسية . بالإضافة إلى استحضار فكرة أن صلاح الحاكم واستقراره ينعكس على استقرار المجتمع. ويبرز هذا خصوصا في:

خطب الجمعة ، وكذا في حفل ختم صحيح البخاري ، وخلال الدروس الحسنية الرمضانية، و مراسيم الاحتفال بالمولد النبوي. كما يبطن الدعاء للملك قبيل الأعياد الدينية تكريس استمرارية الدولة عبر التاريخ ، و تلاحم المؤسسة الدينية مع المؤسسة الملكية، وتجديد البيعة المعنوية والرمزية بشكل غير مباشر. حيث تتحول المناسبة الدينية إلى لحظة تُستعاد فيها رموز الدولة التقليدية، ويظهر الملك باعتباره ضامنا للاستقرار الديني والسياسي.

أما على مستوى البعد الاجتماعي والثقافي، فالدعاء للحاكم يدخل ضمن أدبيات الجماعة والزوايا والطقوس المخزنية القديمة. ففي الموروث الثقافي المغربي ، فالدعاء الجماعي يحمل معنى التوافق ووحدة الصف ، إذ أن استحضار اسم الملك في المناسبات الدينية يعزز الشعور بالانتماء الوطني. بينما تنظر بعض الفئات إليه باعتباره امتدادا لثقافة “البركة” و”الشرعية الشريفة”. وقد ارتبط هذا تاريخيا بالأضرحة والزوايا الكبرى مثل ضريح مولاي إدريس الأزهر وضريح محمد الخامس حيث تمتزج الرمزية الدينية بالرمزية السيادية. كما يؤدي الدعاء الرسمي للملك قبل الأعياد أو بعدها وظيفة بروتوكولية تتمثل في إبراز مركزية المؤسسة الملكية في الحياة العامة ، و توحيد الخطاب الرسمي في المناسبات الجامعة خاصة في المناسبات الدينية ليست شأنا دينيا صرفا بل أيضا مناسبة وطنية وسيادية.

6-رمزية دعاء للملك في قرارات العفو الملكي على المسجونين

يحمل الدعاء للملك في بلاغات وقرارات العفو الملكي بالمغرب حمولة رمزية وسياسية ودينية قوية. لأنه لا يُنظر إلى العفو فقط كإجراء قانوني، بل أيضا كفعل سيادي ذي بعد أخلاقي وإنساني مرتبط بشخص الملك. وترتبط هذه الرمزية خصوصا بكون العفو يصدر باسم محمد الملك باعتباره رئيس الدولة وأمير المؤمنين والضامن لسلطة الرحمة والإنصاف داخل النظام الرمزي المغربي. فعندما تُختتم البلاغات المرتبطة بالعفو بالدعاء للملك، فإن ذلك يؤدي عدة وظائف رمزية:

-ربط قرار العفو بالرحمة الملكية حيث يُقدم العفو في المخيال السياسي المغربي باعتباره مظهرا من مظاهر العطف السلطاني ،وتجليا لرحمة الملك بالرعية ، وفرصة لإعادة الإدماج والتسامح. ولهذا تأتي الأدعية غالبا بلغة: الحفظ. والتمكين. وجزاء الإحسان.

-تحويل القرار القانوني إلى طقس سيادي ، فعلى الرغم من أن العفو من الناحية القانونية إجراء تنظمه الدولة، لكن الدعاء المصاحب له يمنحه بعدا احتفاليا وسياديا، خاصة عندما يصدر بمناسبة عيد الفطر أو عيد الأضحى أو عيد العرش أو عيد المولد النبوي. فتتحول المناسبة إلى لحظة تجمع بين مظاهر الرحمة والسيادة والوحدة الوطنية. أما لغة الدعاء في هذا السياق فتميل إلى: التبجيل والدعاء بطول العمر والنصر وربط الملك بقيم العدل والرأفة.حيث تتكرر عبارات مثل “حفظ الله مولانا الإمام”.”وأقر عينه بولي عهده”.”وأدام على جلالته نعمة الصحة والعافية”. و كل هذه الصياغات تنتمي إلى بلاغة القاموس المخزني الرسمية التي تمزج بيناللغة الدينية والبروتوكول السياسي.

-البعد الاجتماعي للقرار حيث يُستقبل العفو الملكي غالبا باعتباره مبادرة إنسانية، ومظهرا لقرب الملك من المواطنين خاصة لدى عائلات السجناء. لذلك يصبح الدعاء هنا أيضا نوعا من الامتنان الرمزي ، والتعبير الجماعي عن الولاء والدعاء باستمرار الخير والاستقرار. فتاريخيا ارتبط العفو السلطاني في المغرب، كما في كثير من الأنظمة الملكية الإسلامية، بفكرة:”العفوعند المقدرة” وربط السلطان بالعدل والرحمة. ولهذا ظل الدعاء جزءا من الطقس المصاحب لأعمال الإحسان السلطاني ، والرعاية الاجتماعية ذات الطابع الملكي.

7-الدعاء للملك من طرف الطائفة اليهودية بالمغرب

يحمل الدعاء للملك من طرف الطائفة اليهودية في المغرب دلالة خاصة تتجاوز البعد الديني الضيق، لأنه يرتبط بتاريخ طويل من علاقة اليهود المغاربة بالمؤسسة الملكية وبفكرة الحماية والولاء للدولة.ففي المناسبات الدينية اليهودية أو الاحتفالات الرسمية، جرت العادة داخل عدد من المعابد اليهودية المغربية على رفع الدعاء للملك، سواء في المغرب أو أحيانا داخل أوساط يهودية مغربية بالخارج مرتبطة بالتراث المغربي. فتاريخيا كان سلاطين المغرب يُنظر إليهم من طرف جزء مهم من اليهود المغاربة باعتبارهم ضامنين للأمن والحماية ورمزا للاستقرار. فخلال فترات مختلفة من تاريخ المغرب ، ارتبطت علاقة اليهود بالعرش بفكرة “الرعاية السلطانية”، خاصة في المدن التاريخية مثل: فاس ومراكش والصويرة و تطوان .

وكان الدعاء للسلطان داخل بعض الطقوس الدينية اليهودية يُعد تعبيرا عن الوفاء للدولة ، والاعتراف بالحماية.والانتماء الوطني. حيث اكتسب هذا الدعاء حمولة أقوى خلال عهد محمد الخامس، خصوصا بعد الموقف الرمزي المنسوب إليه برفض التمييز ضد اليهود المغاربة خلال فترة حكومة فيشي. ولهذا بقي الملك محمد الخامس يحظى بمكانة خاصة داخل الذاكرة اليهودية المغربية، واستمر الدعاء للعرش باعتباره: رمزا للحماية وضمانة للاستقرار والتعايش. وقد تعزز هذا البعد في عهد الملك محمد السادس حيث تم اتخاذ عدة إجراءات تتمثل في ترميم المعابد والمقابر اليهودية وإدماج المكون العبري في الهوية المغربية ضمن دستور المملكة وتشجيع الحفاظ على التراث اليهودي المغربي. لذلك يظهر الدعاء للملك أحيانا في الاحتفالات الدينية اليهودية المغربية والأنشطة الرسمية للطائفة. و المناسبات المرتبطة بالتراث اليهودي المغربي. حيث يحمل هذا الدعاء عدة رسائل رمزية تتمثل في:

-التأكيد على الارتباط الوطني لليهود المغاربة.

-إبراز خصوصية النموذج المغربي في التعايش الديني.

-تجديد الولاء الرمزي للمؤسسة الملكية.

كما يُستعمل أحيانا دبلوماسيا وثقافيا لإبراز صورة المغرب كفضاء للتعدد الديني والثقافي في مناخ دولي يتميز بالتطرف والديني والعقدي واستعداء الأقليات. أما صيغة الدعاء فعادة ما يرفع سواء باللغة العربية.أو باللغة العبرية. أو بصيغ مزدوجة. حيث يتضمن الدعاء عبارات تؤكد على حفظ الملك. ودوام الأمن والاستقرار للمغرب والسلام والبركة للشعب المغربي.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

أمهات يصنعن أجمل صور العالم

4 يونيو 2026 - 10:04 م

منذ شهر شتنبر، وإلى غاية شهر يونيو، ظل مشهد صغير يوقفني في شارع أعبره كل يوم تقريبا وأنا أتوجه إلى

الكهنة الجدد والحنين المفضوح لزمن الاستعمار والحماية الجديدة

4 يونيو 2026 - 6:04 م

لقد ابتلينا في السنوات الأخيرة بنقاش عمومي  واستقطاب حاد، بين طرفين يراد لنا أن نتصورهم كنقيضين، الخونة والوطنيين، يوصف المدافعون

سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية وأثره في تكريس الأمن العقاري

4 يونيو 2026 - 2:24 م

شكل دخول سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يونيو 2026 إحدى أبرز المحطات التشريعية والتنظيمية

حزب العدالة والتنمية بين مسطرة التزكيات والحسم المبكر في الترشيحات

4 يونيو 2026 - 1:59 م

شهد حزب العدالة والتنمية، مثل باقي الأحزاب المغربية الكبرى، تنافساً واضحاً حول تزكية مرشحي ومرشحات الحزب استعداداً للانتخابات التشريعية ل

المغرب والإمارات: تحالف الدولة الهادئة في زمن الفوضى العربية

3 يونيو 2026 - 7:39 م

لم يكن اللقاء الذي جمع جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان،

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°