أبرز والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، خلال ندوة صحافية عقب الاجتماع الفصلي لمجلس إدارة البنك، على مجموعة من المواقف الحازمة بشأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية في المملكة، موضحا أن التقرير السنوي لعام 2025 الذي سيرفعه إلى الملك محمد السادس سيركز بشكل خاص على ملف الدعم الاجتماعي المباشر والتحديات الجيوسياسية الراهنة.
وشدد الجواهري على أن هذا الدعم الموجه للأسر يجب أن يظل إجراء ظرفيا واستثنائيا مرتبطا بسياقات معينة، وليس سياسة هيكلية دائمة، معلقا بأسلوبه العفوي بأنه لا يمكن للدولة أن تواصل تقديم الدعم “إلى أن تقوم الساعة”، مؤكدا في الوقت ذاته على ضرورة تحقيق نسب نمو مستدامة بمشاركة قوية من القطاع الخاص لمعالجة معضلة البطالة.
وفي تفاعله مع الوعود السياسية لحزب التجمع الوطني للأحرار بشأن زيادة قيم الدعم في حال قيادة الحكومة المقبلة، آثر والي بنك المغرب التريث مستشهدا بالمثل الشعبي “حتى يخلاق ونسميوه عبد الرزاق”، حيث اعتبر أنه من الضروري انتظار تشكيل الحكومة الجديدة والاطلاع على برنامجها المتكامل وأولوياتها لمعرفة هوامش التحرك المالي الفعلي.
وأشار في هذا السياق إلى أن إصلاح صندوق المقاصة يسير خطوة بخطوة بعد أن واجه تعثرات سابقة بسبب الجائحة وغياب آليات الاستهداف، مؤكدا أن العدالة الاجتماعية تفرض توجيه الدعم لمستحقيه الفعليين عبر أدوات السجل الاجتماعي الموحد، مستدلا بتجربة نقلها عن سفير البرازيل تفيد بأنه لا يمكن للسفير وسائقه أن يقتنيا الخبز بنفس السعر.
وعلى مستوى المؤشرات القطاعية، أوضح الجواهري أن الاقتصاد الوطني لا يزال محكوما بشكل كبير بتقلبات وتأثيرات الموسم الفلاحي؛ إذ إن تراجع إنتاج الحبوب من 90 مليون قنطار إلى 50 مليون قنطار كفيل بإفقاد الاقتصاد الوطني نقطتين كاملتين من نسبة النمو، وهو ما يعكس حساسية القطاع الشديدة، رغم أن وفرة منتجات أخرى كصناعة الزيتون في الموسم الماضي (والتي ارتفعت بنحو 49%) ساهمت بشكل إيجابي في كبح جماح التضخم.
وفي المقابل، طمأن الوالي بشأن قطاع السيارات باعتباره ركيزة أساسية للتوازن الخارجي، مشيرا إلى أنه بعد تراجع طفيف وتخوف من ارتدادات الأزمة الأوروبية، تلقى بنك المغرب تطمينات من الشركات الفاعلة تؤكد استقرار الآفاق الإيجابية للقطاع لعامي 2026 و2027.
وعلاوة على ذلك، توقف والي بنك المغرب عند الانعكاسات العميقة للتوترات الجيوسياسية الدولية، لاسيما المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، محذرا من أن استمرار هذه الأزمة من شأنه أن يؤدي إلى إرباك سلاسل التوريد العالمية، مما ينعكس مباشرة على كلفة المواد المستوردة ويسهم في رفع عجز الميزان التجاري للمملكة، والذي يبلغ حاليا حوالي 4% بفعل زيادة واردات معدات التجهيز والفعاليات الاقتصادية.
وفي تحليله لظاهرة التضخم، ميز الجواهري بين “التضخم المحسوب” الذي تقيسه المؤشرات الإحصائية الرسمية ويعكس استقرارا نسبيا، و”التضخم المحسوس” الذي يعيشه المواطن ويشعر به في الأسواق يوميا خاصة في المواد الغذائية الأساسية، موضحا أن السياسة النقدية تسعى أساسا لترسيخ التوقعات لأن السعر إذا ارتفع فمن الصعب جدا عودته لمستوياته السابقة.
وفيما يخص ملف تقنين “العملات الرقمية”، كشف الجواهري عن أن مشروع القانون الذي جرى إعداده ونشره سابقا عبر الأمانة العامة للحكومة لاستطلاع الآراء، يمر حاليا بمرحلة نقاش وتدقيق متقدمة بين بنك المغرب والأمانة العامة لدراسة التعديلات والملاحظات المقترحة قبل إخراجه إلى حيز الوجود.



تعليقات الزوار ( 0 )