أعاد القرار الصادر عن الغرفة الجنائية بمحكمة النقض عدد 12/814 بتاريخ 25 يونيو 2025، بهيئتين مجتمعتين، والقاضي بقبول طلب إعادة النظر المقدم من الوكيل العام لديها، والتراجع عن قرار نقض سابق بُني على أساس خرق حقوق الدفاع في سياق مقاطعة المحامين للجلسات، إحياء نقاش قانوني ودستوري عميق يتجاوز وقائع الملف المعروض ليمس جوهر وظيفة القضاء وحدود سلطته في تدبير المحاكمة الجنائية، ومعايير ضمان حقوق الدفاع، ومفهوم الأمن القضائي، والتوازن الدستوري بين مختلف الحقوق الأساسية كما كرسها دستور 2011.
فالقرار موضوع القراءة لا يمكن اختزاله في كونه حلا إجرائيا لنزاع محدد، بل ينبغي النظر إليه باعتباره اجتهادا قضائيا صادرا عن أعلى هيئة قضائية في المملكة، يحدد من خلال منطقه التعليلي ملامح دقيقة لعلاقة القاضي بحقوق الدفاع، ولمدى تأثير الأوضاع المهنية الاستثنائية – وعلى رأسها توقف المحامين عن حضور الجلسات – على سلامة المحاكمة وعدالتها. وقد أسست محكمة النقض قناعتها على معطيات اعتبرتها حاسمة، مفادها أن المتهم كان حاضرا أمام المحكمة، وأن دفاعه تغيب رغم التوصل القانوني بسبب مقاطعة جماعية للجلسات، وأن المتهم لم يتمسك صراحة بحقه في حضور محاميه، ولم يطلب مهلة لإعداد الدفاع، في مقابل التزام المحكمة بالبت داخل أجل معقول، لتنتهي إلى أن إصدار الحكم في هذه الظروف لا يشكل خرقا لحقوق الدفاع.
غير أن القراءة المتأنية لتعليل القرار تكشف أن محكمة النقض، رغم حسمها في الطلب المعروض، اختارت عمدا أن تلتزم صمتا دالا إزاء أحد أخطر الأسئلة التي حاولت النيابة العامة إثارتها ضمنيا، والمتعلق بمشروعية مقاطعة المحامين للجلسات، وبمدى مسؤولية المحامي عن ضياع حقوق دفاع موكله عندما يكون غيابه ناتجا عن خيار مهني جماعي. فالنيابة العامة سعت، من خلال وسائل إعادة النظر، إلى دفع المحكمة نحو تبني تصور يحمل المحامي مسؤولية الغياب، ويعتبر المقاطعة فعلا لا صلة له بحقوق الدفاع ولا يصلح مبررا لعدم الحضور، بما يفتح الباب لمساءلة مهنية أو أخلاقية ضمنية لهيئة الدفاع.
إلا أن محكمة النقض لم تساير هذا المنحى، ولم تحول القرار إلى منصة لتقييم أشكال الاحتجاج المهني أو للتعليق على التوقف عن تقديم الخدمات القانونية، بل حاصرت النقاش في دائرته الإجرائية الصرفة، أي في علاقة المتهم بحقوق دفاعه، وفي كيفية تعاطي المحكمة الزجرية مع هذا الحق في ظل الوقائع المعروضة عليها. وهذا “السكوت في معرض الحاجة إلى البيان” لا يمكن اعتباره حيادا عرضيا، بل يحمل دلالة مؤسساتية عميقة مفادها أن المحكمة العليا آثرت تحييد النقاش المهني وتجنب الخوض في نزاع يتجاوز حدود الملف القضائي، لما قد يترتب عن ذلك من آثار قانونية ومؤسساتية واسعة تمس توازن العلاقات بين مكونات العدالة. وبذلك، فإن محكمة النقض لم تصدر حكما ضد مقاطعة المحامين، كما لم تمنحها مشروعية صريحة، بل التزمت موقفا حياديا واعيا، ورفضت الانخراط في منطق تحميل الدفاع تبعات نزاع مؤسساتي.
ومن زاوية أخرى، فإن القرار، وإن بدا في ظاهره وكأنه يضيق من نطاق حماية حقوق الدفاع، فإنه يتيح – بمفهوم المخالفة – استخلاص قاعدة قضائية بالغة الأهمية، مفادها أن التمسك الصريح بحق الاستعانة بمحام، أو بحضور الدفاع، يرتب على المحكمة التزاما دستوريا بعدم تجهيز الملف أو البت فيه قبل تأمين هذا الحق. فمحكمة النقض لم تقل إن حضور المحامي غير ذي أهمية، ولم تنف مركزيته في المحاكمة العادلة، وإنما علقت سلامة المسطرة على عنصر جوهري، هو موقف المتهم نفسه من حقه في الدفاع. إذ متى لم يتمسك المتهم بحضور محاميه، ولم يطلب مهلة لإعداد الدفاع، فإن المحكمة لا تكون ملزمة بإيقاف المسطرة، خاصة في ظل واجبها الدستوري في احترام الأجل المعقول.
غير أن هذا التوجه، على وجاهته الشكلية، لا يخلو من إشكالات عميقة، لأن المتقاضي، خصوصا في المادة الجنائية، لا يكون دائما على وعي كاف بأهمية التمسك بحقوقه الإجرائية، وقد يتنازل عنها جهلا أو خوفا أو تحت ضغط الواقع، رغم عدم قدرته الموضوعية على الدفاع عن نفسه دون مؤازرة قانونية. وهو ما يطرح سؤال الدور الإيجابي للقاضي في تنوير المتقاضي بحقه في الدفاع، ليس باعتباره إجراء شكليا، بل كضمانة فعلية للمحاكمة العادلة.
فالاكتفاء برصد سكوت المتهم دون مساءلة ظروفه ووعيه القانوني قد يؤدي عمليا إلى إفراغ حق الدفاع من مضمونه، وتحويله إلى حق نظري غير محمي.
كما يثير القرار إشكالية التوازن بين حق المتقاضي في البت داخل أجل معقول، وحقه في دفاع فعلي، وهما حقان دستوريان متلازمان نص عليهما الفصل 120 من الدستور. فالأجل المعقول لا يمكن أن يتحول إلى ذريعة لتقويض باقي الضمانات، ولا يجوز للقاضي، دستوريا، أن ينتصر لحق عن طريق إعدام حق آخر. بل إن واجبه، كما يستفاد من الفصول 117 و118 و120، هو تحقيق التوازن والتناسب، بما يحفظ جوهر الحقوق جميعها. وجوهر حق الدفاع لا يتحقق إلا بتوفر الوعي، والمهلة الكافية، والقدرة الفعلية على إعداد وسائل الدفاع وتقديمها في إطار احترام الشروط الشكلية والإجرائية.
وفي سياق توقف المحامين عن تقديم الخدمات المهنية، فإن المتقاضي لا يكون أمام خيار حر بين الدفاع أو عدمه، بل يكون في وضع اضطراري يحول دون حصوله على دفاع فعلي. ومن ثم، فإن إصدار حكم في ظل هذه الأوضاع الاستثنائية، دون تمكين المتهم المتمسك بحقه من الاستعانة بمحام، يشكل مساسا بحق الدفاع كما هو مكرس دستوريا، وإخلالا بواجب القاضي في حماية الأمن القضائي، وإضعافا لشروط المحاكمة العادلة التي لا تكتمل إلا بحضور دفاع فعلي وواعٍ.
إن إصرار المحاكم على تجهيز الملفات والبت فيها خلال فترات تعرف توقفا جماعيا للمحامين، وهي أوضاع خارجة عن إرادة المتقاضين، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج خطيرة، تتمثل في معاقبة المتقاضي على نزاع مؤسساتي لا دخل له فيه، وتحميله كلفة اختلالات بنيوية في تدبير العدالة. وهو ما يتعارض مع فلسفة دستور 2011، الذي لم يعد ينظر إلى القضاء كجهاز تقني لتطبيق النصوص، بل كسلطة دستورية مناط بها حماية الحقوق والحريات، وضمان الأمن القضائي، وصيانة شروط المحاكمة العادلة.
إن القاضي، في هذا الإطار، مدعو إلى لعب دور فاعل وإيجابي، لا يقتصر على مراقبة احترام الشكليات، بل يمتد إلى ضمان الفعالية الحقيقية لحقوق الدفاع، خاصة في السياقات الاستثنائية. فحياد القاضي لا يعني السلبية، بل يعني الانتصار للقيم الدستورية، وفي مقدمتها كرامة المتقاضي وحقه في دفاع فعلي. والمتقاضي، في جميع الأحوال، لا ينبغي أن يكون ضحية صراع بين السلطة التنفيذية وهيئات المحامين، ولا يجوز أن تُهدَر حقوقه أو تُختزل باسم السرعة الإجرائية أو الانضباط الشكلي.
وبهذا المعنى، فإن قرار محكمة النقض، رغم ما يثيره من نقاش وانتقاد، يظل اجتهادا قضائيا مفتوحا على قراءات متعددة، ويؤكد في عمقه أن حقوق الدفاع تظل في صلب العدالة الجنائية، وأن أي تقييد لها لا يمكن أن يكون إلا استثناءً مضبوطا، يخضع لرقابة دستورية صارمة، ويستلزم من القاضي أعلى درجات اليقظة في حماية التوازن الدقيق بين متطلبات النجاعة القضائية وضمانات المحاكمة العادلة






تعليقات الزوار ( 0 )