تتوقف طبيعة التداعيات الجيوسياسية لأي حرب على نتائجها، وخاصة على من يخرج منتصرا عسكريا وسياسيا. حتى الآن، يظهر أن التأثيرات المباشرة للحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران على المنطقة المغاربية ستكون محدودة، بغض النظر عن صمود النظام الإيراني أو ضعفه، أو حتى سقوطه. ذلك لأن إيران لم تكن قوة فاعلة في شؤون هذه المنطقة، وما يقال عن دورها الكبير في دعم الأطروحة الانفصالية في المغرب مبالغ فيه ولا يعكس وزنها الحقيقي في معادلات المنطقة. وبالتالي، من المرجح ألا يترتب على نتيجة هذه الحرب تأثير جيوسياسي مباشر على المنطقة المغاربية.
ولعل التأثير الاقتصادي المباشر هو الأبرز منذ الأيام الأولى لهذه الحرب، لأن دول الخليج تعد من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، كما أن مضيق هرمز يعد شريانا رئيسيا لتجارة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره أكثر من 20٪ من صادرات النفط والغاز في العالم. وقد انعكس ذلك سريعا على الأسعار الدولية للطاقة، مما قد فرض أعباء مالية إضافية على ميزانيات الدول المغاربية. غير أن هذا التأثير يظل مرحليا، ومن المرجح أن يتراجع تدريجيا مع نهاية هذه الحرب.
غير أن الخطر الحقيقي يكمن في التأثيرات غير المباشرة للحرب، والتي قد تكون أكثر عمقا واستدامة. فمن أبرز هذه التأثيرات، أن تداعيات الحرب قد تجبر الدول المغاربية على إعادة النظر في سياسات التسلح، ليس فقط من حيث الكمية، بل خصوصا من حيث النوعية، حيث سيكون التركيز على الحصول وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري، وأنظمة الرادار المتطورة، والأقمار الاصطناعية لأغراض استخباراتية، والصواريخ بمختلف أنواعها، والطائرات المسيرة المتنوعة. وهذا من شأنه أن يدخل المنطقة في مرحلة جديدة من سباق التسلح، مما سيؤدي إلى ارتفاع الإنفاق العسكري وتحميل الدول تكاليف اقتصادية واجتماعية إضافية، في وقت تواجه فيه هذه الدول أصلا تحديات تنموية كبيرة.
وفي سياق التأثيرات غير المباشرة، قد تدفع الخسائر الثقيلة للحرب وتراجع إيرادات النفط والغاز في دول الخليج، إلى إعادة تقييم شراكاتها مع الدول المغاربية. ويتعزز هذا التوجه بشعور بعض هذه الدول بأنها لم تحظ بالتضامن الرسمي والشعبي الذي يليق بعلاقاتها مع دول المنطقة. وقد تجد بعض دول الخليج اليوم مبررات لإعادة النظر في علاقاتها مع الدول المغاربية سواء من خلال إيقاف بعض المبادرات الاجتماعية أو سحب أو تجميد بعض المشاريع الاستثمارية، مع تبرير ذلك بالضغوط الاقتصادية الداخلية الناتجة عن تداعيات هذه الحرب.
وأما إذا خرجت إسرائيل من الحرب أكثر قوة سياسيا، أو ترسخ لدى دول المنطقة هذا التصور، فمن المرجح أن نشهد زخما جديدا لمسار التطبيع، قد يمتد إلى مجالات مؤثرة في تشكيل الرأي العام مثل التعليم والثقافة والإعلام والرياضة. وإذا تجاوبت بعض دول المنطقة مع هذا الواقع الجديد بطريقة تثير حساسيات الرأي العام، فقد تتصاعد الحركات المناهضة لإسرائيل ولمسار التطبيع داخل المجتمعات المغاربية، ما قد يؤدي إلى بروز توترات سياسية واجتماعية تمس الاستقرار والسلم الاجتماعي.
وفيما يتعلق بالعلاقات البينية المغاربية، خاصة استمرار الأزمة بين المغرب والجزائر وبقاء الخلافات العميقة مع غياب قنوات التواصل، يشكل هذا الوضع نقطة ضعف خطيرة قد تستغلها قوى خارجية، بما في ذلك إسرائيل، لتفاقم التوترات الإقليمية، وربما يصل الأمر إلى مخاطر صدام عسكري بين البلدين نتيجة سوء تقدير. لذلك، فإن الاستفادة من دروس هذه الحرب والعمل على إعادة بناء الثقة المتبادلة بين المغرب والجزائر يمثلان صمام الأمان الحقيقي لاستقرار المنطقة المغاربية. ومن الضروري التفكير المشترك في آليات عملية لتعزيز هذه الثقة، بما في ذلك العمل على بناء منظومة أمنية مغاربية تحمي المنطقة من تداعيات صراعات الآخرين.
خلاصة القول إن تداعيات الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران لن تظهر في المنطقة المغاربية عبر تأثيرات مباشرة كبيرة، بقدر ما ستنعكس من خلال تأثيرات غير مباشرة يمكن أن تتجلى في تصاعد سباق التسلح، واحتمال إعادة تقييم بعض الشراكات بين دول الخليج والبلدان المغاربية، بالإضافة إلى إمكانية توظيف الخلافات المغاربية من قبل قوى خارجية.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي أمام دول المنطقة المغاربية يتمثل في إعادة بناء الثقة بين دولها، بما يسمح بتحصين المنطقة من مخاطر الصدامات العسكرية المباشرة، والتخفيف من تداعيات صراعات لا تشكل طرفا مباشرا فيها. ولعل بناء منظومة أمنية مغاربية يظل، في هذا السياق، خيارا ضروريا لتحقيق هذا الهدف، وإن كان يبدو في الظرف الراهن بعيد المنال.
أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله ـ فاس



تعليقات الزوار ( 0 )