غالبا ما يقاس النصر في الحروب التقليدية بخرائط السيطرة وعدد الاهداف المدمرة… غير أن الحروب التي تستهدف بنية النظام السياسي تغير معيار النصر نفسه، فالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى لا تدور فقط حول منشآت نووية أو قدرات صاروخية، بل يتعدى الأمر ليصبح حول بقاء النظام السياسي نفسه الذي نشأ بعد ثورة 1979، وعمل على إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط طوال أكثر من أربعة عقود وبنى عقيدته السياسية حول معادة أمريكا وإسرائيل والغرب عامة.
ومن هنا يبرز سؤال إشكالي مركزي: هل يمكن لدولة أن تعد منتصرة في حرب كبرى لمجرد بقائها السياسي، حتى لو تكبدت خسائر عسكرية جسيمة؟
تنطلق الإجابة من مفارقتين تعيدان تعريف معنى الإنتصار والهزيمة في هذا الصراع.
المفارقة الأولى: الصمود كنصر سياسي
النظام الذي أسسه روح الله الخميني عام 1979 قام على شرعية ثورية تمزج بين العقيدة الدينية والهوية القومية المقاومة، وقد تعرض هذا النظام لاختبارات وجودية متكررة: الحرب مع العراق في الثمانينيات عقود من العقوبات الاقتصادية، ثم سياسة الضغط القصوى التي انتهجتها إدارة ترامب الأولى بعد الإنسحاب من الاتفاق النووي سنة 2018، ومع ذلك بقي النظام قائما.
في الحرب الحالية لا يتحدد الحسم النهائي بعدد الضربات أو حجم الدمار، بل بقدرة النظام السياسي على البقاء كمؤسسة حكم متماسكة: استمرار مؤسسات الدولة، بقاء الحرس الثوري لاعبا مركزيا في المعادلة الأمنية، واستمرار منظومة ولاية الفقيه… كلها عناصر تعني أن النظام ما زال قائما رغم الضربات الموجعة.
اليوم، وفي سياق الحرب المباشرة، حتى بعد الضربة الإفتتاحية التي أدت إلى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خاميني وعدد من القيادات السياسية والعسكرية، لم تتفكك البنية المؤسسية للنظام، بل إن المؤسسة الدينية والسياسية سارعت إلى ملء الفراغ القيادي عبر مجلس قيادي مؤقت، تلاه بعد أسبوع إعلان تعيين نجل المرشد الراحل مجتبى خاميني قائدا للبلاد، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على استمرارية مركز السلطة داخل منظومة “ولاية الفقيه”، وسد أي فراغ في قمة الهرم السياسي ومنع الخصوم الخارجيين من استثمار لحظة الإرتباك القيادي، لذا فإن نجاح النظام في إعادة تثبيت مركز القيادة وتجاوز هذه الصدمة والحفاظ على تماسك مؤسساته جعل -فيما يبدو- أن الضربة التي استهدفت رأس النظام تتحول إلى عامل يعزز تماسكه الداخلي.
ومن هذا المنظور فان خروج إيران من الحرب دون انهيار هيكلي قد يعد شكلا من أشكال الإنتصار السياسي، حتى لو تكبدت خسائر عسكرية فادحة، ذلك لأن خصميها لا يخفون أن الهدف النهائي يتجاوز الردع التكتيكي إلى إعادة تشكيل السلوك الإيراني ودفع النظام إلى التفكك الداخلي.
ومن منظور الواقعية في العلاقات الدولية كما طرحه كنيث والتز فإن بقاء دولة متوسطة أمام تحالف قوى أكبر قد يمثل في ذاته نجاحا استراتيجيا، لأن المعادلة غير متكافئة، كما تظهر تجارب تاريخية عديدة ان اغتيال قادة كبار لا يؤدي بالضرورة إلى سقوط الأنظمة ما دامت مؤسساتها قادرة على إعادة إنتاج القيادة، لذلك فان الرهان الحقيقي لا يتعلق بالأشخاص، بل بتفكيك الشبكة المؤسسية التي تمسك بالدولة.
وفي هذا السياق قدم الأستاذ جون ميرشايمر فكرة واضحة: إيران لا تحتاج الى الإنتصار العسكري كي تربح الحرب، بل يكفيها أن يبقى النظام والدولة قائمين، فمحاولات تغيير الأنظمة من الخارج غالبا ما تفشل في فرض نظام مستقر، بل قد تدفع أي نظام جديد إلى البحث عن ردع أقوى مثل امتلاك السلاح النووي وهكذا قد يتحول مجرد الصمود الإيراني إلى شكل من أشكال الإنتصار الإستراتيجي.
المفارقة الثانية: الهزيمة لا تتحقق إلا بسقوط النظام
في المقابل لا يمكن الحديث عن هزيمة استراتيجية لإيران إلا إذا تحقق الهدف الأكبر وهو إسقاط النظام بكليته، اغتيال قادة او تدمير منشآت قد يسبب خسائر كبيرة لكنه لا يمس الهيكل السياسي للدولة.
إسرائيل ترى البرنامج النووي الايراني تهديدا وجوديا، غير أن تحويل هذا التهديد إلى نتيجة سياسية يتطلب تصدعا داخليا عميقا يؤدي الى انهيار الشرعية أو انقسام النخبة أو ثورة شعبية.
التاريخ السياسي يظهر أيضا أن التدخل الخارجي غالبا ما يعزز تماسك الأنظمة بدل إضعافها فيما يعرف بتأثير “الالتفاف حول العلم” حيث تميل المجتمعات إلى الاصطفاف خلف قيادتها عندما تواجه تهديدا خارجيا. لهذا تبقى الضربات الجوية مهما كانت كثيفة محدودة القدرة على إسقاط نظام راسخ دون تدخل بري مباشر، فالتجربة العراقية عام 2003 توضح ذلك حيث لم يسقط نظام صدام حسين بالقصف فقط، بل بالغزو البري الذي فكك مؤسسات الدولة.
إلا أن تطبيق سيناريو مماثل على إيران يطرح كلفة استراتيجية هائلة بسبب حجم الدولة، وجغرافيتها المعقدة، وعدد سكانها، واستعدادها لحرب طويلة، وهو ما يجعل التدخل البري خيارا شديد المخاطر سياسيا وعسكريا.
إعادة تعريف النصر والهزيمة
المفارقة الكبرى أن هذه الحرب لا تحسم في السماء حيث تتقاطع الصواريخ، بل في عمق البنية السياسية ذلك أن النصر في هذا النوع من الحروب لا ينتج عن التفوق العسكري وحده، بل عن نجاح أحد الأطراف في فرض نتيجته السياسية النهائية، وهي بقاء النظام أو سقوطه.
النصر الإيراني -إن تحقق- لن يكون نصرا عسكريا بالمفهوم التقليدي، نظرا للاختلال الواضح في موازين القوى، وإنما صورة صمود: مؤسسات ما تزال تعمل ونظام لم يسقط ومشروع سياسي لم يجهض، أما الهزيمة الايرانية فلن تكون مجرد دمار عسكري، بل انهيارا لبنية حكم استمرت أكثر من أربعة عقود.
من زاوية براغماتية بحتة السؤال ليس من يدمر أكثر، بل من يحقق هدفه السياسي النهائي، إذا كان الهدف الامريكي الاسرائيلي هو تحييد إيران عبر إسقاط نظامها -وهذا ما يصرحون به- فإن معيار النجاح واضح، أما إذا كان هدف إيران هو البقاء فإن مجرد البقاء قد يعادل الانتصار.
وهنا تتجلى المفارقة الحقيقية: في الحروب اللامتكافئة قد يكون الصمود أقصى درجات الفوز، أما السقوط فلا يقاس بالأشخاص، بل بانهيار الفكرة التي تمسك الدولة من جذورها.
بهذا المعنى نحن أمام حرب تعيد تعريف المفاهيم، لا غالب فيها بالضرورة بالمعنى العسكري الكلاسيكي، بل غالب بمنطق الإستمرارية السياسية.
طالب باحث بسلك الدكتوراه بكلية الحقوق بفاس






تعليقات الزوار ( 0 )