تقف المنطقة اليوم أمام “لحظة الحقيقة” الكبرى؛ حيث تتبدد الأدخنة لتكشف عن مشهد لم يكن يوما صراعا وجوديا بين أضداد، بقدر ما كان توزيعا للأدوار في غرف عمليات دولية وإقليمية. اليوم، تجد إيران نفسها وحيدة في مواجهة مصيرها، بعد أن استنفذ الغرب غرضه منها كأداة لتفتيت النسيج العربي. لقد انتهت “الصفقة”، والبرنامج النووي الذي قُدّمت من أجله رقاب المسلمين في بغداد ودمشق وصنعاء، استُهدف في ساعات، ليترك النظام يواجه تبعات خياناته المتكررة لإخوانه في الدين من أجل أوهام إمبراطورية زائفة.
حين اندلعت الثورة عام 1979، لم يرحب بها المسلمون عبثا، بل كان مبعث التفاؤل هو التأثر بأفكار علي شريعتي، الذي قدم إسلاما حركيا، إنسانيا، عابرا للمذاهب والقوميات. ظن التيار الإسلامي الرئيسي أن تلامذة شريعتي هم من يقودون الدفة، وهم من استحال عليهم أن يكونوا عنصريين أو شعوبيين. لكن الصدمة كانت سريعة؛ فقد أقصى نظام “ولاية الفقيه” فكر شريعتي، ورفض الخميني مبايعة وفد “حزب التحرير” له كخليفة للمسلمين، مفضلاً الانحباس في “إطار مذهبي شعوبي” ضيق. ومنذ تلك اللحظة، أدرك المستبصرون -من سلفيي الحجاز وإخوان العراق وسوريا- أننا لسنا أمام “ثورة إسلامية”، بل أمام محاولة لاستعادة أمجاد “كسرى” تحت دثار الدين، وهو ما تأكد بدعم طهران لحافظ الأسد بعد مجزرة حماة 1982، وبدء حملات “التشييع السياسي” لاختراق المجتمعات السنية وتحويلها إلى كانتونات تابعة.
يكشف التاريخ أن إيران كانت “المحلل” الشرعي للتدخلات الغربية في أقدس قضايا الأمة. تواطأت مع “الناتو” في غزو أفغانستان 2002، وباركت الغزو الأمريكي للعراق 2003، واصفة دمار البوابة الشرقية للأمة بـ “التحرير”. لقد كانت العلاقة مع واشنطن وتل أبيب قائمة على “سمنة وعسل” خلف الكواليس؛ فانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 لم يكن إلا “نصرا مزيفا” منحته تل أبيب لطهران لتلميع صورتها وتسهيل تغلغلها في الوجدان العربي، مقابل تأمين الغطاء للمشاريع الأمريكية اللاحقة. حتى أن المعارضة العراقية التابعة لطهران وافقت في “مؤتمر لندن” قبيل الغزو على مبدأ التطبيع، مما يثبت أن شعارات “الموت لأمريكا” لم تكن سوى مادة لتنويم الشعوب بينما الخناجر تُغرس في ظهورها.
عندما اندلع الربيع العربي عام 2011، سقط القناع الأخير. فبينما انحاز الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي بصدق لإرادة الشعوب، اختار النظام الاصطفاف في خندق “الثورة المضادة”. هنا تلاقت مصالح طهران وتل أبيب مع عواصم إقليمية (بما فيها دول خليجية تتظاهر بالعداء لإيران) عند هدف واحد: سحق إرادة الإنسان العربي.
في اليمن، نسقت بريطانيا وصول الحوثيين لصنعاء لتدمير “جامعة الإيمان” والتيار الإسلامي، بمباركة إيرانية وتواطؤ إقليمي كامل. وفي سوريا، منح “أوباما” الضوء الأخضر لإيران لسحق الثورة، بل وحرضت طهران روسيا على التدخل لمنع سقوط الأسد، وهو التدخل الذي باركته إسرائيل ضمناً لضمان بقاء “حارس الحدود” وضمان تفتيت النسيج الوطني لبلاد الشام. إن ما تفعله الإمارات اليوم في السودان عبر دعم ميليشيات “الدعم السريع” لتدمير الدولة، هو نسخة كربونية لما فعلته إيران عبر ميليشياتها في العراق وسوريا؛ كلاهما أذرع لمشروع واحد يحارب نهضة الشعوب واستقلالها.
لقد اتخذ النظام الإيراني من القضية الفلسطينية “قميص عثمان” لتبرير جرائمه؛ لكن الحقيقة المرة هي أن المتاجرة بفلسطين لن تنظف تاريخ نظام ولغ في دماء العرب. لا يمكن لرايات “القدس” أن تغسل عار التآمر لضرب بغداد وكابل، ولا يمكن لشعارات “الممانعة” أن تستر عورة التخادم مع الثورة المضادة. إن استغلال مآسي أهل غزة كأوراق تفاوضية في الملف النووي هو قمة الخسة؛ فمن يقتل الشعوب في دمشق وصنعاء لا يمكن أن يكون صادقاً في تحرير القدس.
يتسم هذا النظام بنزعة “برغماتية” تجعله يبيع أقرب من خدموه؛ فمن ساعدوها في الالتفاف على العقوبات، كتركيا، قوبلوا بتسريب معلومات “بنك خلق” للأمريكان. والدول الخليجية التي كانت رئتها الاقتصادية لسنوات، يضربها “الحرس” اليوم بدون رحمة، وكأن لسان حالهم يقول: “آخر خدمة العجمي.. علقة”.
لقد كان بإمكان إيران أن تتجنب هذه الحرب المدمرة لو أنها انحازت للشعوب ولم تتآمر عليها. لكنها اختارت طريق الغدر، واليوم ستخرج من هذه المواجهة محطمة، حتى لو ادعت الانتصار.
خلاصة القول: لن تذرف الشعوب العربية الدموع على نظام بنى أمجاده على جثث الأبرياء وتخادم مع أعداء الأمة. إن الثورة المضادة، سواء كانت بوجه إيراني أو صهيوني أو بتمويل إقليمي، هي عدو واحد يهدف لإنتاج أنظمة أكثر تبعية وخسة، ولن ينتهي هذا الكابوس إلا بوعي الشعوب بحقيقة هذا “الخندق الواحد” الذي باع الأرض والعرض من أجل أوهام السلطة والتمكين الزائف.
كاتب وطبيب من السودان





تعليقات الزوار ( 0 )