أخبار ساعة

01:30 - ابلاغ: “فلترقد روحه بسلام” ليست عبارة حداثية.. بل امتداد للمسيحية والأفلوطونية01:14 - يزيد بن معاوية بين المسؤولية السياسية والحكم العقدي: قراءة نقدية في المواقف التاريخية والفقهية00:05 - جماهير المكسيك تحتشد لدعم “أسود الأطلس” في المونديال بفضل حكيمي23:31 - “حماية المستهلك” يدين جشع مقاه بتمارة تفرض زيادات خيالية لمتابعة المونديال23:05 - “نقابة البترول والغاز” تدعو لمسيرة وطنية بالبيضاء الأحد المقبل وتطالب بإحياء “سامير”22:53 - غارات أمريكية تستهدف مواقع عسكرية في إيران والحرس الثوري يتوعد برد حاسم22:46 - المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب.. أزمة الوساطة أم تجديد الديمقراطية بحلول 2035؟21:54 - التامني: إلغاء “الساعة الإضافية” اعتراف متأخر بالخطأ ويدخل في باب الدعاية الانتخابية20:48 - اليماني: حكومة أخنوش تحمي لوبيات المحروقات.. والمغاربة سيدفعون الثمن في انتخابات 202620:47 - اليماني: حكومة أخنوش تحمي لوبيات المحروقات.. وهذه الحقيقة!
الرئيسية » فكر ونقد » يزيد بن معاوية بين المسؤولية السياسية والحكم العقدي: قراءة نقدية في المواقف التاريخية والفقهية

يزيد بن معاوية بين المسؤولية السياسية والحكم العقدي: قراءة نقدية في المواقف التاريخية والفقهية

شخصية يزيد بن معاوية (ت. 64 هـ) من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي، حيث ارتبط اسمه بأحداث مفصلية ذات تداعيات عميقة على مسار الأمة الإسلامية، أبرزها مقتل الإمام الحسين بن علي في كربلاء، ووقعة الحرة في المدينة المنورة، وحصار مكة المكرمة. لقد أدت هذه الأحداث إلى تشكيل مواقف متباينة تجاه يزيد، تراوحت بين التبرئة المطلقة واللعن الصريح، مرورا بمواقف أكثر اعتدالا تتوقف في الحكم عليه أو تفوض أمره إلى الله. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل أكاديمي نقدي لهذه المواقف، مع التركيز على تعدد الاجتهادات داخل المدرسة السنية نفسها، وبيان الأسس التاريخية والفقهية التي استندت إليها كل وجهة نظر.

تعتمد هذه الدراسة منهجا تاريخيا نقديا يهدف إلى التمييز بين الروايات الصحيحة والضعيفة، مع الالتزام بالتوثيق من المصادر الأصلية كلما أمكن ذلك، مثل تاريخ الطبري، والبداية والنهاية لابن كثير، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وكتاب الرد على المتعصب العنيد لابن الجوزي. كما ستتجنب الدراسة الخطاب المذهبي والانفعالي، وتسعى للوصول إلى نتيجة متوازنة تؤكد أن تحميل يزيد المسؤولية السياسية عن الأحداث الكبرى في عهده لا يستلزم تكفيره أو الجزم بمصيره، كما لا يبرر تبرئته من كل مسؤولية أو رفعه إلى منزلة لا يستحقها.

يزيد والسلطة الأموية ومسؤوليته عن مقتل الحسين

تولى يزيد بن معاوية الخلافة عقب وفاة أبيه معاوية بن أبي سفيان سنة 60هـ/680م، بعد أن كان معاوية قد أخذ له البيعة في حياته من معظم الأقاليم الإسلامية. وقد مثل هذا الحدث نقطة تحول بارزة في التاريخ السياسي الإسلامي، إذ انتقل نظام اختيار الخليفة، الذي كان يقوم بدرجات متفاوتة على مبدأ الشورى والبيعة، إلى نظام يقوم على توريث السلطة داخل الأسرة الحاكمة. وقد نظر عدد من العلماء والمؤرخين إلى هذه الخطوة بوصفها أول تحول جوهري في بنية النظام السياسي الإسلامي. فابن خلدون يرى أن معاوية أقدم على هذا الخيار بدافع المحافظة على وحدة الدولة وتجنب تجدد الفتن التي أنهكت المسلمين خلال العقود السابقة، لكنه يقر في الوقت ذاته بأن هذا القرار غير طبيعة الخلافة وأدخل إليها عنصرا وراثيا لم يكن قائما في التجربة الراشدية. كما يؤكد الماوردي في تنظيره للإمامة أن الأصل فيها الاختيار والبيعة، وهو ما جعل كثيرا من العلماء يعتبرون استخلاف يزيد اجتهادا سياسيا فرضته ظروف المرحلة أكثر مما يمثل النموذج المثالي للحكم الإسلامي.

ورغم أن معاوية كان يسعى، بحسب كثير من التفسيرات التاريخية، إلى تجنب صراع جديد على السلطة بعد سنوات من الاضطرابات، فإن هذا الحل السياسي أفرز إشكالية أخرى تتعلق بشرعية انتقال الحكم. ولهذا اعترض عدد من كبار الصحابة وأبنائهم على البيعة ليزيد، وفي مقدمتهم الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، بينما أبدى آخرون تحفظات متفاوتة على أسلوب فرض البيعة، وإن انتهى بعضهم إلى المبايعة لاحقا حفاظا على الاستقرار العام. وهكذا أصبح الخلاف يدور حول طبيعة السلطة ومصدر مشروعيتها بقدر ما كان يدور حول شخصية يزيد نفسها.

في هذا السياق جاءت حركة الحسين بن علي، التي لا يمكن اختزالها في مجرد منافسة سياسية على الحكم. فقد كانت الكوفة تمثل منذ عهد علي بن أبي طالب مركزا رئيسيا لأنصاره، وقد تلقى الحسين رسائل كثيرة من أهلها تدعوه إلى القدوم ومبايعته خليفة للمسلمين. وللتحقق من صدق هذه الدعوات أرسل ابن عمه مسلم بن عقيل، الذي حظي في البداية بتأييد واسع، غير أن الأوضاع تغيرت سريعا بعد وصول عبيد الله بن زياد واليا على الكوفة، حيث نجح في تفكيك هذا التأييد من خلال سياسة الترهيب والضغط، فانفض الناس عن مسلم حتى قتل وحيدا. ومع ذلك واصل الحسين مسيره نحو العراق، وهو قرار اختلف المؤرخون في تفسيره فمنهم من راه موقفا مبدئيا نابعا من رفضه الاعتراف بشرعية البيعة ليزيد، ومنهم من رأى أنه كان يعتقد أن التأييد الشعبي الذي تلقاه في الكوفة ما يزال قائما ولم يدرك حجم التحول الذي حدث على الأرض. لكن المؤكد أن خروجه حمل بعدا أخلاقيا وسياسيا يتجاوز مجرد الصراع على السلطة، إذ ارتبط بفكرة رفض تحويل الخلافة إلى ملك وراثي وبالدفاع عن مبدأ البيعة الحرة.

وقد انتهت هذه الأحداث بمأساة كربلاء سنة 61هـ/680م، حيث قتل الحسين وعدد من أهل بيته وأصحابه في واحدة من أكثر الوقائع تأثيرا في التاريخ الإسلامي. ومنذ ذلك الحين أصبحت مسألة مسؤولية يزيد عن مقتل الحسين موضوعا دائما للجدل بين العلماء والمؤرخين. ففريق من علماء أهل السنة، ومن أبرزهم ابن تيمية وابن كثير، يرى أنه لا يوجد دليل صحيح يثبت أن يزيد أصدر أمرا مباشرا بقتل الحسين، ويستندون إلى أن المصادر الموثوقة لا تنقل أمرا صريحا بذلك، وأن بعض الروايات التي نسبت إليه الفرح بالمقتل أو المشاركة فيه تعاني من مشكلات إسنادية وتاريخية. غير أن هذا الاتجاه لا يذهب إلى تبرئة يزيد تبرئة مطلقة، بل يقر بأن ما وقع في عهده يمثل خطأ سياسيا كبيرا وأنه يتحمل جانبا من المسؤولية بوصفه رأس الدولة وصاحب السلطة العليا.

في المقابل، ذهب عدد من العلماء والمؤرخين إلى تحميل يزيد مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة، حتى مع عدم ثبوت الأمر المباشر بالقتل. ويبرز في هذا السياق موقف ابن الجوزي الذي انتقد بشدة محاولات الدفاع المطلق عن يزيد، كما أن الذهبي عندما قال إن يزيد (افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين واختتمها بوقعة الحرة) كان يشير إلى أن أبرز الكوارث التي وقعت في عهده ارتبطت باسمه وسلطانه. كذلك أشار ابن حجر العسقلاني إلى أن كثيرا من العلماء ذموه بسبب الفتن العظيمة التي جرت خلال فترة حكمه، وإن اختلفوا في حدود هذا الذم وطبيعته.

ويستند هذا الاتجاه إلى مفهوم معروف في الفكر السياسي الإسلامي يتمثل في التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية السياسية. فالمسؤولية الجنائية تتطلب إثباتا مباشرا بأن الحاكم أصدر أمرا بالجريمة أو شارك فيها، وهو أمر لم يثبت بصورة قطعية في حالة يزيد. أما المسؤولية السياسية فتتعلق بكون الجريمة وقعت في نطاق سلطته وتحت إدارة ولاته، وبمدى تعامله معها بعد وقوعها. ومن هذا المنظور يرى كثير من الباحثين أن يزيد يتحمل قدرا معتبرا من المسؤولية السياسية، لأنه لم يعزل عبيد الله بن زياد بعد الواقعة، ولم يقدمه للمحاسبة، بل استمر في الاعتماد عليه لإدارة العراق، كما لم تصدر عنه إجراءات حاسمة تعكس إدانة سياسية واضحة لما حدث. ووفق هذا الفهم فإن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند من باشر التنفيذ، بل تمتد إلى القيادة التي سمحت باستمرار المسؤولين عن الحادثة في مواقعهم.

وتزداد صعوبة إصدار حكم نهائي بسبب طبيعة المصادر التاريخية المتعلقة بكربلاء، إذ كتبت معظم تفاصيل الواقعة في سياق صراعات سياسية ومذهبية امتدت قرونا طويلة. ولذلك يقتضي المنهج الأكاديمي التمييز بين الوقائع الثابتة التي يكاد يجمع عليها المؤرخون، مثل خروج الحسين إلى العراق واستشهاده ودور عبيد الله بن زياد في إدارة المواجهة، وبين الروايات المختلف في صحتها، مثل بعض القصص المتعلقة بتصرفات يزيد بعد وصول رأس الحسين إليه، فضلا عن الروايات التي أضافتها النزاعات المذهبية اللاحقة سواء في اتجاه المبالغة في تبرئته أو في اتجاه تحميله كل تفاصيل الجريمة دون تمحيص. ومن ثم فإن البحث العلمي الرصين لا يبني أحكامه على الروايات الضعيفة، لكنه في الوقت نفسه لا يتجاهل الحقائق التاريخية الثابتة أو النتائج السياسية المترتبة عليها.

لقد كشفت مأساة كربلاء عن أزمة عميقة في تطور النظام السياسي الإسلامي المبكر، حيث تحول الخلاف حول شرعية السلطة وطبيعة الحكم إلى صدام دموي بين الدولة ومعارضيها. وكانت نتائج هذه الواقعة بعيدة المدى، إذ ساهمت في إضعاف الشرعية الأخلاقية للدولة الأموية في نظر فئات واسعة من المسلمين، ورسخت الانقسام السياسي والمذهبي بين أنصار آل البيت والسلطة الأموية، وأعطت لفكرة المعارضة الدينية للسلطة مكانة مركزية في الفكر السياسي الإسلامي. كما تحول استشهاد الحسين عبر القرون إلى رمز للمقاومة والتمسك بالمبدأ في مواجهة السلطة الجائرة، وهو ما منح الواقعة بعدا يتجاوز حدودها الزمنية والجغرافي .

وبناء على مجمل الروايات الثابتة وتحليلها، يصعب من منظور البحث الأكاديمي تبرئة يزيد تبرئة مطلقة، كما يصعب الجزم بأنه أصدر أمرا مباشرا بقتل الحسين لغياب الدليل القطعي. غير أن قواعد المسؤولية السياسية، وسلوكه اللاحق تجاه عبيد الله بن زياد، وعدم اتخاذه إجراءات حاسمة لمعاقبة المسؤولين عن الواقعة، تجعل نسبة قدر معتبر من المسؤولية السياسية والأخلاقية إليه أقرب إلى منطق الدولة وإلى تقييم عدد من كبار مؤرخي أهل السنة، مع بقاء التفريق المنهجي بين المسؤولية المباشرة والمسؤولية عن إدارة السلطة. وهذا التفريق يسمح بقراءة منصفة تتجنب الإفراط في التبرئة كما تتجنب الأحكام غير المثبتة تاريخيا، وتتعامل مع الواقعة بوصفها إحدى أعقد الأزمات التي واجهت التجربة السياسية الإسلامية في القرن الأول الهجري.

وقعة الحرة وحصار مكة تحليل المسؤولية السياسية والشرعية

وقعة الحرة تمثل واحدة من أكثر الوقائع التي أجمع علماء أهل السنة على استنكارها وعدها من أعظم أخطاء عهد يزيد بن معاوية، حتى إن كثيرا من المؤرخين اعتبروا أنها كانت السبب الرئيس في سقوط هيبته في نفوس المسلمين. ولم يكن غضب أهل المدينة مجرد تمرد سياسي، بل كان احتجاجا قاده عدد كبير من الصحابة وأبنائهم وكبار التابعين الذين رأوا أن سلوك السلطة الأموية قد تجاوز حدود الشرع، وأن استمرار البيعة ليزيد أصبح موضع إشكال ديني وأخلاقي.

تعود جذور الأزمة إلى السنة الثالثة والستين للهجرة عندما أرسل أهل المدينة وفدا إلى دمشق للقاء يزيد بن معاوية والاطلاع على أحواله عن قرب. وقد ضم الوفد شخصيات من أشراف المدينة وزعمائها، من أبرزهم عبد الله بن حنظلة الغسيل، والمنذر بن الزبير، وغيرهما من أبناء الصحابة. وقد حاول يزيد استمالتهم بالهدايا والأموال، إلا أن ذلك لم يغير من موقفهم بعد ما رأوه من أحواله. وعند عودتهم إلى المدينة أعلنوا أمام الناس أن ما شاهدوه لا يليق بخليفة للمسلمين. وقد نقل المؤرخون عن عبد الله بن حنظلة قوله: “والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء إنه رجل ينكح الأمهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة.” ورغم أن بعض العلماء ناقشوا أسانيد بعض هذه الروايات، فإن أصل احتجاج أهل المدينة على يزيد ثابت في المصادر السنية الكبرى، كما أثبته الطبري وابن كثير وابن الأثير والذهبي.

وكان أهل المدينة يتمتعون بمكانة دينية وسياسية خاصة فهي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومأوى كبار الصحابة، ومركز كبار فقهاء التابعين. ولذلك فإن قرارهم خلع يزيد لم يكن حدثا عاديا، بل مثّل تحديا مباشرا لشرعية السلطة الأموية. وقد بايعوا عبد الله بن حنظلة الأنصاري قائدا لهم، وطردوا والي يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان من المدينة، وأعلنوا فسخ البيعة. ولم يكن بين قادة الثورة أفراد مجهولون أو أصحاب مصالح شخصية، وإنما كان فيهم أبناء كبار الصحابة، مثل عبد الله بن مطيع العدوي، وعبد الله بن حنظلة، والمنذر بن الزبير، وغيرهم، وهو ما يعكس حجم السخط الذي بلغته النخبة الدينية والسياسية في المدينة.

واجه يزيد هذا التمرد بإرسال جيش كبير من أهل الشام بقيادة مسلم بن عقبة المري، وهو قائد مسن عرف بالشدة، حتى إن كثيرا من المؤرخين أطلقوا عليه لقب (مسرف بن عقبة) بدلا من (مسلم)، إشارة إلى ما اقترفه من تجاوزات. وقد أمره يزيد أولا بدعوة أهل المدينة إلى الطاعة، فإن رفضوا قاتلهم، ثم إذا انتصر عليهم أباح المدينة لجيشه ثلاثة أيام، وهو الأمر الذي عده علماء الإسلام من أخطر القرارات السياسية في التاريخ الإسلامي المبكر.

وقعت المعركة في منطقة الحرة شرقي المدينة، وانتهت بانتصار الجيش الأموي بعد مقاومة عنيفة من أهل المدينة. لكن الكارثة الحقيقية بدأت بعد انتهاء القتال، عندما نفذ أمر الإباحة. فقد دخل الجنود المدينة، وانتشرت أعمال القتل والنهب والاعتداء على السكان بصورة هزت الضمير الإسلامي. وتذكر المصادر السنية أن عددا كبيرا من الصحابة وأبنائهم والتابعين قتلوا في تلك الأيام، كما قتل كثير من حفاظ القرآن والفقهاء وأهل العلم. ويذكر المؤرخون أرقاما متفاوتة للقتلى، وإن كان الاتفاق قائما على أن الخسائر كانت جسيمة وغير مسبوقة في المدينة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد وصف ابن كثير الواقعة بقوله: (وأخطأ يزيد خطأ فاحشا في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام، فوقع في هذه الأيام من المفاسد العظيمة ما لا يحد ولا يوصف.)وهذا التعبير من ابن كثير لا يقتصر على نقد التنفيذ العسكري، بل يحمل يزيد المسؤولية عن أصل القرار الذي أفضى إلى تلك الكارثة. أما الذهبي فقال: (افتتح دولته بمقتل الحسين، واختتمها بوقعة الحرة، فمقته الناس.) وهي عبارة بالغة الدلالة إذ تربط بين أهم حدثين دمويين في عهده وتجعلهما سببا في سقوط مكانته عند جمهور المسلمين.

كما نقل ابن تيمية، مع حرصه المعروف على تجنب لعن الأشخاص بأعيانهم، أن أهل المدينة إنما خرجوا على يزيد لما ظهر لهم من ظلمه وفسقه، وأن ما أصابهم بعد ذلك كان من أعظم المصائب التي ابتليت بها الأمة. ولم يحاول ابن تيمية إنكار وقوع المظالم، وإنما ناقش حكم الخروج من حيث المآلات، وهو ما يدل على أن إنكار الفظائع نفسها لم يكن محل خلاف بين علماء السنة. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الواقعة وتفاصيلها في عدة مواضع من كتبه، أبرزها في كتاب (منهاج السنة النبوية) ومجموع الفتاوى.

وأما ابن حجر العسقلاني فقد ذكر أن وقعة الحرة كانت من أعظم البلايا التي وقعت في الإسلام، وأنها كانت سببا في ازدياد النفور من يزيد، كما نقل أقوال العلماء الذين ذموا تلك الحادثة وعدوها من الكبائر السياسية التي ارتبطت بعهده. هذا النقل ذكره الإمام ابن حجر العسقلاني بشكل مفصل في كتابه الشهير فتح الباري شرح صحيح البخاري، وتحديداً في (كتاب المغازي)، باب غزوة تبوك، وكذلك في (كتاب الفتن) عند شرحه للحديث النبوي الشريف الذي يتوعد من يخيف أهل المدينة.

وكان لغضب علماء المدينة أثر بالغ في الموقف من يزيد. فقد رفض كثير من كبار التابعين مبايعته، واعتبروا أن ما صدر عنه يناقض مقاصد الإمامة الشرعية القائمة على حفظ الدين والنفس والمال والعرض. ولم يكن اعتراضهم مقتصراً على الجانب السياسي، وإنما رأوا أن استعمال القوة ضد مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يمثل انتهاكا لحرمتها التي أكدتها النصوص النبوية، ومنها قال النبي صلى الله عليه وسلم: المدينة حرم ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا ولذلك رأى كثير من علماء المدينة أن توجيه السلاح إلى أهلها وإباحتها للجنود يمثل خروجا عن حرمة المدينة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم حرما امنا.

وقد تركت وقعة الحرة اثارا نفسية واجتماعية عميقة داخل المدينة. فقد فقدت المدينة عددا كبيرا من علمائها وقرائها وأبنائها، وانهارت الثقة بين أهل الحجاز والسلطة الأموية، وأصبح اسم يزيد مرتبطا في الذاكرة الإسلامية بمقتل الحسين ثم باستباحة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذلك نجد أن كثيرا من المؤرخين يجعلون الحرة نقطة تحول في العلاقة بين الدولة الأموية والرأي العام الإسلامي، إذ انتقل الخلاف السياسي إلى مرحلة أصبح فيها استعمال القوة ضد المقدسات والمدن المقدسة أمرا واقعا.

ولم يكتف الجيش الأموي بما جرى في المدينة، بل واصل سيره إلى مكة لمواجهة عبد الله بن الزبير. وبعد وفاة مسلم بن عقبة تولى القيادة الحصين بن نمير السكوني، فضرب مكة بالمنجنيق أثناء الحصار، فأصاب الكعبة المشرفة، واحترقت أجزاء منها وتهدم بعض بنائها. وقد اعتبر علماء أهل السنة هذه الواقعة امتدادا للمأساة السابقة، لأن حماية البيت الحرام من أهم واجبات الإمام، بينما انتهى الأمر في عهد يزيد إلى تعرض أقدس مقدسات المسلمين للقصف أثناء الصراع السياسي.

ومن المنظور السياسي والشرعي، فإن مسؤولية يزيد عن وقعة الحرة وحصار مكة تكاد تكون محل اتفاق بين جمهور المؤرخين، وإن اختلفوا في مقدار مسؤوليته المباشرة عن بعض التفاصيل التنفيذية. فهو الذي أصدر أوامر الحملة العسكرية، وعين قادتها، وأجاز إباحة المدينة، ولم يثبت أنه عاقب أحدا من المسؤولين عن تلك الانتهاكات، مما يجعل مسؤوليته مسؤولية القيادة العليا للدولة، حتى لو لم يشارك بنفسه في تنفيذ تلك الجرائم. ولهذا لم يتردد عدد من كبار علماء أهل السنة، كالذهبي وابن كثير وابن الجوزي، في تحميله تبعة سياسية وأخلاقية جسيمة، وعدوا وقعة الحرة وضرب الكعبة من أعظم الكوارث التي شهدها تاريخ الدولة الأموية، ومن الأسباب الرئيسة التي أضعفت شرعية حكم يزيد في الوجدان الإسلامي.

مواقف علماء أهل السنة من يزيد بن معاوية ومسألة اللعن

تعددت مواقف علماء أهل السنة والجماعة من يزيد بن معاوية، وشكلت هذه المواقف طيفا واسعا يعكس عمق الجدل الفقهي والتاريخي حول شخصيته وأفعاله. يمكن تصنيف هذه المواقف إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية: اتجاه امتنع عن اللعن مع عدم الدفاع، واتجاه أجاز اللعن أو شدد في ذمه، واتجاه توقف في المسألة وفوض أمره إلى الله.

الاتجاه الأول: الامتناع عن اللعن مع عدم الدفاع عن يزيد

يمثل هذا الاتجاه غالبية علماء أهل السنة، الذين رأوا أن يزيد كان ملكا من ملوك المسلمين، له حسنات وسيئات، وأنه لا يجوز لعن المعين. من أبرز ممثلي هذا الاتجاه ابن تيمية (ت. 728 هـ)، الذي أكد في (منهاج السنة النبوية) أن يزيد لم يكن كافرا ولا صحابيا، وأنه لا يحب ولا يسب، ويرفض اللعن المعين. وقد حمل ابن تيمية المسؤولية المباشرة عن مقتل الحسين على عبيد الله بن زياد، معتبرا أن يزيد لم يأمر بالقتل بل بالمنع.

الإمام الذهبي (ت. 748 هـ) في (سير أعلام النبلاء) و(تاريخ الإسلام)، وصف يزيد بأنه (كان ناصبيا فظا غليظا، يتناول المسكر ويفعل المنكر). ورغم هذا الذم الشديد، إلا أن الذهبي لم يصرح بلعنه، بل اكتفى بوصفه بأنه (مقدوح في عدالته وليس بأهل أن يروى عنه). وهذا يعكس موقفا وسطيا يذم أفعاله دون الخوض في مسألة اللعن.

ابن كثير (ت. 774 هـ) في (البداية والنهاية)، أقر بأن يزيد (أخطأ خطأ فاحشاً في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيام)، وذكر أن الله (قصمه) بعد مقتل الحسين ووقعة الحرة. ومع ذلك، نقل ابن كثير روايات تدافع عن التزام يزيد بالصلاة، مثل رواية محمد بن الحنفية التي نفاها ابن الحنفية نفسه في بعض السياقات. هذا التناقض في النقل يعكس محاولة ابن كثير لتقديم صورة متوازنة، وإن كانت تميل إلى ذم أفعال يزيد.

ابن حجر العسقلاني (ت. 852 هـ) في(تهذيب التهذيب) و(فتح الباري)، وصف أفعال يزيد في وقعة الحرة بأنها (أفاعيل قبيحة) و(أفحش القضية إلى الغاية)، وذكر أنه (ليست له رواية تعتمد). ورغم هذا الوصف القاسي لأفعاله، إلا أن ابن حجر لم يتجاوز ذلك إلى لعنه، بل ركز على الجانب التاريخي والروائي.

الاتجاه الثاني: إجازة اللعن أو التشدد في ذم يزيد

هذا الاتجاه يمثله قلة من العلماء الذين رأوا أن أفعال يزيد تستوجب اللعن أو التشدد في ذمه. من أبرز هؤلاء ابن الجوزي (ت. 597 هـ)، الذي ألف كتابا خاصا في ذمه بعنوان (الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد). وقد أجاز ابن الجوزي لعن يزيد بناء على أفعاله الشنيعة، مثل مقتل الحسين وإباحة المدينة، واعتبر أن هذه الأفعال دليل على فسقه وفجوره. وقد استدل ابن الجوزي بايات وأحاديث تدل على جواز لعن من يفسد في الأرض ويقتل الأبرياء.

ومن العلماء الذين مالوا إلى هذا الاتجاه أيضا القاضي أبو يعلى (ت. 458 هـ) في بعض رواياته، والعلامة التفتازاني (ت. 792 هـ) الذي صرح بجواز اللعن وقال: (لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه). كما مال الشوكاني (ت. 1250 هـ) إلى التشديد في ذمه وتخطئته، وإن لم يصرح باللعن بشكل مباشر.

الاتجاه الثالث: التوقف في المسألة وتفويض أمره إلى الله

هذا الاتجاه يرى أن الخوض في الحكم على يزيد باللعن أو التكفير أمر لا طائل من ورائه، وأن الأفضل هو التوقف في أمره وتفويض حكمه إلى الله سبحانه وتعالى. وقد مثل هذا الاتجاه بعض العلماء مثل الإمام الغزالي (ت. 505 هـ) الذي منع اللعن صيانة للسان وخوفا من الوقوع في الخطأ، مع عدم تبرئة يزيد من الظلم. وهذا الموقف يهدف إلى تجنب الفتنة والخلافات التي قد تنشأ عن الخوض في هذه المسائل الحساسة.

مناقشة مسألة اللعن بين المنع والإباحة والتوقف

إن الخلاف حول مسألة لعن يزيد بن معاوية هو خلاف فقهي واجتهادي وليس خلافا عقديا. فالأصل في أهل السنة هو عدم لعن المعين، إلا إذا ثبت كفره أو فسقه بإجماع الأمة. وفي حالة يزيد، لم ينعقد الإجماع على كفره، وإنما اختلف العلماء في فسقه ومدى استحقاقه للعن. فمن أجاز اللعن استند إلى عظم الجرائم التي ارتكبت في عهده أو بأمره، ومن منع اللعن استند إلى قاعدة عدم لعن المعين، أو إلى أن أمره مفوض إلى الله، أو إلى أن اللعن لا يفيد شيئا.

إن هذا التعدد في الاجتهادات داخل المدرسة السنية يعكس مرونة الفقه الإسلامي في التعامل مع القضايا التاريخية المعقدة، ويؤكد أن الحكم على الأشخاص في التاريخ ليس بالضرورة حكما عقديا يترتب عليه تكفير أو إيمان، بل قد يكون حكما سياسيا أو أخلاقيا أو تاريخيً. والهدف من هذه المناقشة ليس ترجيح قول على آخر، بل بيان أن هذه المسألة كانت ولا تزال محل اجتهاد وخلاف بين العلماء، وأن كل فريق استند إلى أدلته وتأويلاته.

قراءة نقدية معاصرة وخاتمة

إن دراسة شخصية يزيد بن معاوية والأحداث التي وقعت في عهده من منظور نقدي معاصر تتيح لنا استخلاص دروس وعبر تتجاوز الجدل التاريخي والفقهي إلى فهم أعمق لآليات الحكم والسلطة في التاريخ الإسلامي، وتأثيرها على مسار الأمة. تتطلب هذه القراءة التفريق بين مستويات المسؤولية، ونقد الظواهر السلبية، واستخلاص الدروس الحضارية.

التفريق بين المسؤولية التاريخية والمسؤولية العقدية

من الضروري التفريق بين المسؤولية التاريخية والسياسية ليزيد بن معاوية عن الأحداث التي وقعت في عهده، وبين الحكم العقدي عليه. فالمسؤولية التاريخية تتعلق بتحمله تبعات قراراته وأفعال ولاته، وعدم اتخاذه الإجراءات اللازمة لمنع الفظائع أو محاسبة مرتكبيها. هذه المسؤولية لا تستلزم بالضرورة الحكم عليه بالكفر أو الجزم بمصيره الأخروي، فهذا أمر مرده إلى الله وحده. إن عدم تكفير يزيد لا يعني تبرئته من أفعاله أو اعتباره إماما عادلا، بل هو إقرار بأن الحكم على الإيمان والكفر له ضوابطه الشرعية الدقيقة التي لا يجوز التوسع فيها بناء على الأحداث التاريخية وحدها.

إن الأحداث التي شهدها عهده، من مقتل الحسين إلى وقعة الحرة وحصار مكة، كلها تشير إلى نمط حكم استبدادي يعتمد على القوة وقمع المعارضة، وهو ما يتنافى مع مبادئ العدل والرحمة في الإسلام. وبالتالي، فإن عدم تكفيره هو حكم فقهي يتعلق بضوابط التكفير، بينما عدم اعتباره إماما عادلا هو حكم تاريخي وسياسي يتعلق بتقييم سيرته وسياسته.

لقد أدت بعض التفسيرات التاريخية والفقهية إلى ظهور ظاهرة تقديس الحكام، أو تبرير أفعالهم باسم (درء الفتنة) أو (طاعة ولي الأمر)، حتى لو كانت هذه الأفعال ظالمة أو مستبدة. إن دراسة شخصية يزيد تكشف خطورة هذه الظاهرة، وتؤكد على ضرورة التمييز بين طاعة ولي الأمر في المعروف، وبين السكوت عن الظلم أو تبريره. فالإسلام يدعو إلى العدل والإنصاف، ويحرم الظلم والاستبداد، ولا يجوز أن تكون طاعة الحاكم مبررا لانتهاك حرمات الله وحقوق العباد.

ومن المغالطات الشائعة محاولة إلحاق يزيد بن معاوية بمنزلة الصحابة، أو معاملته بنفس المعيار الذي يعامل به الصحابة الكرام. إن يزيد لم يكن صحابيا، ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم. وبالتالي، فإن مكانة الصحابة وفضلهم لا يمكن أن تلحق بمن جاء بعدهم، خاصة من ارتكب أفعالا تتنافى مع قيم الإسلام. إن هذا التفريق ضروري للحفاظ على مكانة الصحابة، وعدم تبرير أفعال من جاء بعدهم بالاستناد إلى مكانة لا يستحقونها.

إن الفتنة الثانية لا تمثل مجرد مرحلة من مراحل الصراع السياسي في التاريخ الإسلامي، بل تعد مختبرا تاريخيا بالغ الأهمية لفهم العلاقة بين السلطة والشرعية، وبين القوة والقيم، وبين المصلحة السياسية والمقاصد الشرعية. ومن ثم فإن دراستها لا ينبغي أن تقتصر على سرد الوقائع أو توزيع المسؤوليات، وإنما ينبغي أن تتجه إلى استخلاص السنن السياسية والحضارية التي تحكم قيام الدول واستقرارها أو سقوطها. فمقاصد الشريعة لا تنظر إلى الأحداث بوصفها وقائع منفصلة، وإنما باعتبارها تجارب تاريخية تكشف عن اثار الالتزام بمبادئ العدل والشورى والحرية وصيانة الحقوق، كما تكشف في المقابل عن نتائج الانحراف عنها.

ومن أبرز الدروس التي تكشفها هذه المرحلة أن الشرعية السياسية في التصور الإسلامي ليست مجرد واقعة قانونية أو إجراء شكلي يتمثل في البيعة أو السيطرة العسكرية، وإنما هي منظومة متكاملة تقوم على الرضا العام، وتحقيق العدل، وصيانة الحقوق، والالتزام بأحكام الشريعة. فحين تحولت الخلافة إلى نظام يقوم على التوريث السياسي، دخل الفكر السياسي الإسلامي مرحلة جديدة تغيرت فيها طبيعة السلطة، إذ أصبحت المحافظة على استقرار الحكم في كثير من الأحيان مقدمة على توسيع دائرة المشاركة السياسية، وهو ما ولد مع مرور الزمن إشكالات عميقة في مفهوم الشرعية. وقد أثبتت الفتنة الثانية أن فرض السلطة بالقوة، وإن حقق استقرارا مؤقتا، لا يزيل أسباب الاحتقان إذا افتقدت السلطة الرضا المجتمعي والقبول الأخلاقي. فالدول قد تستطيع إخضاع الناس بالسيف، لكنها لا تستطيع بناء شرعية راسخة إلا بالعدل وحسن السياسة، وهو ما ينسجم مع المقصد الشرعي في حفظ نظام الأمة على أساس الرضا والمصلحة العامة، لا على أساس الإكراه المجرد.

كما تكشف هذه الأحداث أن الاستبداد السياسي يمثل أحد أخطر أسباب انهيار العمران السياسي، لأن السلطة المطلقة تفضي غالبا إلى تعطيل اليات المحاسبة، وإقصاء النصح، واحتكار القرار، وهو ما يجعل الأخطاء السياسية تتراكم دون تصحيح. وقد أدرك علماء الإسلام منذ وقت مبكر خطورة هذا المسار، فقرروا أن الشورى ليست فضيلة أخلاقية فحسب، وإنما هي ضرورة سياسية لحماية الأمة من الانفراد بالرأي. ولذلك فإن تغييب أهل العلم والرأي والخبرة عن صناعة القرار يؤدي إلى تضييق دائرة الشرعية وإضعاف الثقة بين الحاكم والمحكوم، وهو ما ظهر بوضوح في تطورات الفتنة الثانية، حيث تحولت الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية بسبب غياب مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف سلميا.

وتبرز الفتنة كذلك المكانة المركزية لمقصد العدل في النظام السياسي الإسلامي. فالعدل في التصور القرآني ليس مجرد قيمة أخلاقية، وإنما هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة والمجتمع، ولذلك قرر القرآن الكريم أن إقامة العدل مقصد من مقاصد الرسالات جميعا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. وتؤكد التجربة التاريخية أن غياب العدل لا يهدد الأفراد فحسب، بل يهدد استقرار الدولة ذاتها، لأن الظلم يولد الشعور بالاغتراب السياسي، ويقوض الثقة بالمؤسسات، ويدفع قطاعات من المجتمع إلى البحث عن وسائل بديلة لتحقيق العدالة، بما في ذلك اللجوء إلى العنف. ولهذا قرر علماء السياسة الشرعية أن الدولة قد تستمر مع بعض أوجه القصور الإداري، لكنها لا تستمر طويلا مع الظلم المنهجي، لأن الظلم يقوض الأساس الأخلاقي الذي تستند إليه السلطة.

ومن أهم ما تكشفه هذه المرحلة أيضا أن حفظ النفس يمثل أحد المقاصد الكلية للشريعة، وأن أي صراع سياسي يفقد هذا المقصد يتحول إلى مصدر فساد عظيم مهما كانت الشعارات المرفوعة. فقد أظهرت أحداث كربلاء ووقعة الحرة وحصار مكة أن الدماء إذا أصبحت وسيلة لحسم الخلافات السياسية فإن المجتمع يدخل في دائرة من الانتقام والانقسام يصعب الخروج منها. ولذلك جاءت النصوص الشرعية بالتشديد البالغ في تحريم الدماء، وعد قتل النفس بغير حق من أعظم الكبائر، لأن استباحة الدماء تؤدي إلى انهيار الأمن، وتعطيل المصالح، وإفساد العمران، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والدين والمجتمع.

كما تؤكد الفتنة الثانية أن حرمة المقدسات ليست مسألة رمزية، بل هي جزء من حفظ الدين وهيبة الأمة. فالمدينة المنورة ومكة المكرمة ليستا مجرد مدينتين، وإنما تمثلان مركز الهوية الإسلامية ووحدة المسلمين، ولذلك فإن تعرضهما للعنف أو انتهاك حرمتهما يترك اثارا نفسية وسياسية عميقة تتجاوز حدود الحدث نفسه. ومن هنا فإن مقاصد الشريعة تجعل حماية المقدسات جزءاً من حماية النظام العام للأمة، لأن الاعتداء عليها يضعف الثقة بالسلطة ويحدث صدمة حضارية في الوعي الجمعي للمسلمين.

وتبرز هذه الأحداث كذلك أهمية التمييز بين قداسة الدين وبشرية الممارسة السياسية. فالصحابة والتابعون ومن جاء بعدهم اجتهدوا في ظروف سياسية معقدة، وأصاب بعضهم وأخطأ بعضهم، ولا يجوز أن يتحول الخلاف السياسي بينهم إلى خلاف عقدي دائم، كما لا يجوز أن يؤدي احترام الشخصيات التاريخية إلى تعطيل النقد العلمي. فالمقصد الشرعي من دراسة التاريخ ليس إحياء الخصومات، وإنما الاعتبار واستخلاص السنن. ولذلك فإن المنهج العلمي يقتضي التفريق بين النصوص القطعية وبين الاجتهادات البشرية، وبين المبادئ الإسلامية الثابتة وبين التطبيقات التاريخية التي قد يشوبها الخطأ أو القصور.

ومن الدروس المهمة أيضا أن إدارة الاختلاف السياسي تحتاج إلى مؤسسات وآليات تمنع تحوله إلى صراع صفري. فقد أظهرت الفتنة الثانية أن غياب المؤسسات القادرة على استيعاب المعارضة السلمية، وضعف اليات الحوار والتفاوض، يؤديان إلى عسكرة الخلافات وتحويلها إلى مواجهات دامية. وهذا ينسجم مع مقاصد الشريعة التي تقوم على تحقيق السلم الاجتماعي، وإصلاح ذات البين، ومنع أسباب الفتنة، وتقديم الوسائل السلمية في معالجة النزاعات قبل اللجوء إلى القوة.

كما تكشف التجربة أن طاعة ولي الأمر ليست قيمة مطلقة منفصلة عن بقية مقاصد الشريعة، وإنما هي وسيلة لحفظ النظام العام ومنع الفوضى. ولذلك قرر أهل السنة والجماعة أن الأصل هو السمع والطاعة في المعروف، وتحريم الخروج المسلح إذا أدى إلى مفسدة أعظم، لكنهم في الوقت نفسه لم يجعلوا الطاعة مبررا لتبرير الظلم أو تعطيل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو إسقاط واجب النصيحة للحاكم. ومن ثم فإن العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الفقه الإسلامي تقوم على معادلة دقيقة تجمع بين حفظ الاستقرار ومنع الفوضى، وبين مقاومة الظلم بالوسائل المشروعة، بحيث لا يؤدي السعي إلى إزالة منكر إلى وقوع منكر أكبر، ولا يتحول الحفاظ على الأمن إلى ذريعة لإضفاء الشرعية على كل صور الاستبداد.

وتؤكد الفتنة الثانية كذلك أن بقاء الدولة لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما يعتمد على الرصيد الأخلاقي الذي تتمتع به السلطة. فالتاريخ الإسلامي، كما هو الحال في تجارب الأمم الأخرى، يثبت أن الدول التي تعتمد على القوة وحدها قد تحقق انتصارات عسكرية، لكنها إذا فقدت ثقة المجتمع وعدالة الحكم فإن عوامل التاكل تبدأ من داخلها قبل أن تظهر اثارها الخارجية. ولذلك فإن القوة في التصور الإسلامي ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لحماية العدل وتحقيق الأمن، فإذا انفصلت القوة عن القيم تحولت إلى أداة لإنتاج أزمات جديدة بدلا من حلها.

كما تدعو هذه الأحداث إلى ضرورة ترسيخ ثقافة النقد التاريخي الرصين، بعيدا عن التوظيف المذهبي أو السياسي. فالروايات المتعلقة بالفتنة الثانية تتفاوت في درجات الصحة، وقد تأثر بعضها بالاستقطابات المذهبية اللاحقة، مما يجعل من الواجب إخضاعها لمناهج التحقيق الحديثي والنقد التاريخي والمقارنة بين المصادر. وهذا المنهج لا يهدف إلى تبرئة طرف أو إدانة اخر بصورة مسبقة، وإنما يسعى إلى بناء معرفة تاريخية أقرب إلى الحقيقة، لأن العدالة في الحكم على الماضي جزء من العدالة الفكرية التي تدعو إليها الشريعة.

وفي ضوء مقاصد الشريعة يمكن القول إن الرسالة الكبرى التي تقدمها الفتنة الثانية تتمثل في أن الشرعية السياسية الحقيقية لا تقوم على مجرد التغلب أو الوراثة أو القوة، وإنما على اجتماع العدل والشورى وحفظ الحقوق وصيانة الدماء وتحقيق المصلحة العامة. كما أن استقرار الدولة لا يتحقق بإسكات الأصوات المعارضة بالقوة، بل ببناء عقد سياسي وأخلاقي يضمن مشاركة الأمة، ويخضع السلطة للمساءلة، ويجعل المقصد الأعلى للحكم هو تحقيق مصالح الناس وحفظ كرامتهم. وعندما تهمل هذه المبادئ، تتحول الدولة إلى سلطة قادرة على فرض النظام مؤقتا، لكنها تعجز عن إنتاج الاستقرار المستدام، لأن السنن التي تحكم العمران البشري لا تحابي أمة ولا دولة، بل تجري وفق قاعدة قرآنية عامة مفادها أن العدل سبب البقاء، وأن الظلم والاقتتال الداخلي من أعظم أسباب الضعف والانهيار الحضاري.

في الختام، تظل شخصية يزيد بن معاوية وأحداث عهده نقطة تحول مفصلية في التاريخ الإسلامي. إن المقاربة الأكاديمية النقدية لهذه الشخصية، بعيدا عن التشنجات المذهبية والانفعالات العاطفية، تمكننا من فهم تعقيدات التاريخ الإسلامي، واستخلاص الدروس والعبر التي تخدم حاضر الأمة ومستقبلها. إن الهدف ليس إصدار أحكام قطعية على الماضي، بل فهمه بعمق للاستفادة منه في بناء مستقبل أفضل، يقوم على العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان وحرمة المقدسات.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

ابلاغ: “فلترقد روحه بسلام” ليست عبارة حداثية.. بل امتداد للمسيحية والأفلوطونية

27 يونيو 2026 - 1:30 ص

قال الدكتور محمد إبلاغ، أستاذ الفلسفة بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إن عبارة “فلترقد روحه بسلام” لا تمت بصلة إلى الحداثة

المغاربة بين الشغف الرياضي والادمان الكروي

26 يونيو 2026 - 7:29 م

إن شغف المغاربة بكرة القدم لا يختلف كثيرا عما نجده في بلدان متوسطية وأمريكية لاتينية عديدة، حيث تشكل اللعبة أكثر

الواقعية الريفية بين زيد مطيع دماج وخوان رولفو

26 يونيو 2026 - 7:14 م

     حِين تتَّجه القصةُ إلى الريف لا تفعل ذلك بوصفه فضاءً جُغرافيًّا فَحَسْب، بلْ أيضًا باعتباره مُستودَعًا للذاكرة الإنسانية، ومسرحًا

عبد الله الجباري يحذر من “التصوف الزائف” ويدعو إلى العودة إلى التصوف المغربي الأصيل

26 يونيو 2026 - 2:56 م

قال الباحث الدكتور عبد الله الجباري إن التصوف المغربي الأصيل يشكل مكونا رئيسيا من مكونات التدين المغربي، وجزء مهما من

هل يفوز “العدالة والتنمية” في الانتخابات المقبلة؟

26 يونيو 2026 - 2:22 م

اتخذت إحدى المجلات المغربية عنوانا طريفا في تعليقها على تحركات حزب العدالة والتنمية قبل أقل من ثلاثة أشهر عن موعد

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°