أخبار ساعة

20:48 - اليماني: حكومة أخنوش تحمي لوبيات المحروقات.. والمغاربة سيدفعون الثمن في انتخابات 202620:47 - اليماني: حكومة أخنوش تحمي لوبيات المحروقات.. وهذه الحقيقة!20:02 - حكيمي يطعن بالنقض ضد محاكمته بتهمة الاغتصاب تزامنا مع تألقه في المونديال19:47 - قرار الحكومة بإلغاء الساعة الإضافية بين العرائض الشعبية والخلفيات الانتخابية19:35 - اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية وتوتر متصاعد في مضيق هرمز19:29 - المغاربة بين الشغف الرياضي والادمان الكروي19:14 - الواقعية الريفية بين زيد مطيع دماج وخوان رولفو18:59 - ولاية أمن أكادير تعثر على قاصر شكل موضوع بلاغ بحث وتدوينات “فيسبوكية”18:47 - بركة: استدامة التغطية الصحية مهددة دون مستشفى عمومي قوي18:36 - توقيف “قراصنة الحسابات البنكية” بالناظور
الرئيسية » مقالات الرأي » الواقعية الريفية بين زيد مطيع دماج وخوان رولفو

الواقعية الريفية بين زيد مطيع دماج وخوان رولفو

     حِين تتَّجه القصةُ إلى الريف لا تفعل ذلك بوصفه فضاءً جُغرافيًّا فَحَسْب، بلْ أيضًا باعتباره مُستودَعًا للذاكرة الإنسانية، ومسرحًا للصراع بين الإنسانِ وحياته، وبَين الفقرِ والحُلْم، وبَين السُّلطةِ والهامش. وقد استطاع عدد مِن الكُتَّاب في أنحاء العالَم أنْ يُحوِّلوا القريةَ إلى كَون إنساني كامل تتجلى فيه أسئلة الوجود والعدالة والموت والحُب. ومِن بَين هؤلاء يبرز الكاتبُ اليمني زيد مطيع دماج ( 1943_ 2000 ) والكاتب المكسيكي خوان رولفو ( 1917_ 1986 ) بوصفهما نموذجَيْن فريدَيْن للواقعية الريفية التي تجاوزتْ حدودَ المحلية لتبلغ أفقًا إنسانيًّا عالميًّا.

     وعلى الرغم من التباعد الجُغرافي والثقافي بين اليمن والمكسيك، فإنَّ قراءة أعمال الكاتبَيْن تكشف عن تقاطعات عميقة في الرؤية الفنية والوعي الاجتماعي. لقد انطلقا من بيئة ريفية فقيرة ومُهمَّشة، وجَعَلا مِن الإنسان البسيط مِحورًا للسرد، وكَشَفَا البنى العميقة للقهر والاستغلال التي تَحكم حياةَ الفلاحين والمُعْدَمين. غَير أنَّ كُلَّ واحد مِنهما صاغَ هذه التجربة بأسلوبه الخاص، فكانت الواقعية عند دماج مُشبَعة بالبُعد التاريخي والاجتماعي، بَينما امتزجتْ عند رولفو بالشعرية والأسطورة وأجواء العزلة الوجودية.

     لا يظهر الريفُ في أعمال دماج خلفيةً للأحداث فَحَسْب، بلْ أيضًا يتجسد ككائن حَي يَحمل ذاكرةَ المجتمع اليمني وتقاليده وصراعاته. القريةُ اليمنية عنده فضاءٌ تتقاطع فيه علاقاتُ السُّلطة والعادات والأعراف، وتتشكل داخله مصائرُ الأفراد. ومِن خِلال تصويره الدقيق للحياة اليومية، استطاعَ أن يكشف البنيةَ الاجتماعية التي حكمت اليمنَ في مراحل طويلة من تاريخه، حيث كانت السُّلطة التقليدية تمتد إلى أدق تفاصيل الحياة.

     أمَّا رولفو فقدْ جعل من الريف المكسيكي عَالَمًا مُثْقَلًا بالصمت والخراب. في أعماله يبدو الريفُ وكأنه يعيش بَعد الكارثة، أراضٍ قاحلة، وقُرى مهجورة، وأُناس يطاردهم الفقر والذكريات.

     والريفُ عند رولفو لَيس مكانًا فَحَسْب، بلْ هو أيضًا ذاكرة جريحة خلَّفتها الثورات والحروب والنزاعات الاجتماعية. لذلك تبدو شخصياته وكأنها تعيش بين الماضي والحاضر، بين الحياة والموت، في حالة دائمة من الضياع والانتظار.

     يلتقي الكاتبان في النظر إلى الريف باعتباره مُستودَعًا للتجربة الجَماعية، لكنَّه عند دماج يظلُّ محتفظًا بحيوية اجتماعية واضحة، بَينما يتحوَّل عند رولفو إلى فضاء وجودي يُسيطر عليه الشعورُ بالفقد والانكسار.

     مِن أبرز سِمات الواقعية الريفية لدى الكاتبَيْن انحيازهما العميق إلى الإنسان البسيط. الشخصياتُ الرئيسية لَيست مِن النُّخَب السياسية أو الثقافية، بلْ مِن الفلاحين والرُّعاة والخدم والفقراء الذين يعيشون على هامش التاريخ.

     يَمنح دماج هؤلاء المُهمَّشين صَوتًا إنسانيًّا قويًّا، فيجعل القارئَ يَرى العالَمَ مِن خِلال أعينهم. لا يُقَدِّمهم كضحايا سلبيين، بلْ كأشخاص يمتلكون أحلامًا ورغبات وكرامة إنسانية، حتى وإنْ كانوا واقعين تحت وطأة الاستبداد أو الفقر. لذلك تَحمل شخصياته بُعدًا نقديًّا يكشف اختلالات المجتمع، ويُعرِّي أشكالَ الظلم الاجتماعي.

     أمَّا عند رولفو فإنَّ المُهمَّشين يعيشون غالبًا في عُزلة قاسية. إنهم أفراد مُطارَدون بالجوع والخسارة والخِذلان، لكنهم يحتفظون بعُمق إنساني مؤثِّر. وتنبع قوةُ هذه الشخصيات من قُدرتها على التعبير عن الألم بأقل قَدْر مِن الكلمات، حتى يُصبح الصمتُ لغةً سردية تَحمل معاني الفاجعة.

     وهكذا تتحوَّل الواقعية الريفية عند الكاتبَيْن إلى دفاع عن الإنسان المنسي، ومحاولةِ إعادة الاعتبار لأولئك الذين لَم يكتب التاريخُ أسماءهم.

     تحتلُّ السُّلطةُ موقعًا مِحوريًّا في التجربة السردية عند دماج. الريفُ اليمني الذي يُصوِّره يَخضع لهيمنة قوى اجتماعية وسياسية تستثمر الجهلَ والفقر لإدامة نفوذها. وتنعكس هذه الهيمنة في العلاقات اليومية بين الأفراد، وتوزيعِ المكانة الاجتماعية، وفُرصِ التعليم والعمل والحياة.

    لا يكتفي دماج بتسجيل هذه الظواهر،بلْ يُحوِّلها إلى موضوع نقدي يكشف آلِيَّات الاستغلال، ويدعو ضمنيًّا إلى التغيير. لذلك تكتسب أعمالُه بُعدًا إصلاحيًّا واضحًا، إذْ تنبع مِن وعي حاد بضرورة التحرر من البنى التقليدية التي تعيق تطورَ المجتمع.

     أمَّا رولفو فيتناول السُّلطةَ بصورة أكثر رمزية، وأقل مباشرة. السُّلطةُ عنده تبدو قوة غامضة تترك آثارَها المُدمِّرة على حياة الناس دُون أن تظهر دائمًا في صورة مؤسسات واضحة. إنَّها سُلطة التاريخ والحرب والإقطاع والعُنف المتوارث. ولهذا يشعر القارئُ بأنَّ شخصياته مُحاصَرة بقوى أكبر مِنها، قوى لا تستطيع مواجهتها إلا بالصبر أو الاستسلام.

     تميَّزتْ لغة دماج بقدرتها على الجمع بين الوضوح الفني والعُمق الدلالي، فهو يقترب مِن لغة الحياة اليومية دون أن يفقد جماليات السرد، ويستثمر التفاصيلَ المحلية لإضفاء صِدقية على عالَمه الروائي. كما أنَّ لغته تَحمل نبرة نقدية هادئة تَجعل القارئَ شريكًا في اكتشاف التناقضات الاجتماعية.

     في المقابل، تبدو لغة رولفو أكثر تكثيفًا وإيحاءً، فهو يكتب بِجُمل قصيرة، لكنها مشحونة بالمعاني والظلال النفسية، وتتحوَّل الطبيعةُ في نُصوصه إلى عُنصر شِعري يشارك في تشكيل الدَّلالة، فتغدو الرياحُ والغبار والصمت جُزءًا من البنية السردية.

     ومِن هُنا يمكن القول إنَّ الواقعية عند دماج أقرب إلى الواقعية الاجتماعية التي تعتمد الوصفَ والتحليل، بَينما تَميل عند رولفو إلى الواقعية الشعرية التي تستثمر الرمزَ والإيحاء والصمت.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

هل يفوز “العدالة والتنمية” في الانتخابات المقبلة؟

26 يونيو 2026 - 2:22 م

اتخذت إحدى المجلات المغربية عنوانا طريفا في تعليقها على تحركات حزب العدالة والتنمية قبل أقل من ثلاثة أشهر عن موعد

من الانحراف إلى الشرعية: سوسيولوجيا صعود “الفراقشية” في الفضاء العمومي

25 يونيو 2026 - 2:05 م

من منظور سوسيولوجي نقدي ومن منظور علم السياسة، يمكن التعامل مع مصطلح “الفراقشية” ليس بوصفه مجرد لفظة متداولة في السجال

التزكية الحزبية بين البركة والترحال بالمغرب

25 يونيو 2026 - 12:14 م

أدى الترحال المستمر إلى إفراغ العمل السياسي من محتواه الإيديولوجي، حيث أصبح الانتقال من حزب إلى آخر أمرا مألوفا دون

صمت النخبة: لمن سيكتب الأكاديميون؟

25 يونيو 2026 - 11:15 ص

يعيش الباحث المعاصر حالة من الاغتراب الوجودي والمعرفي، تفرضها عليه ثنائية حادة ومربكة: لمن يكتب؟ هل يكتب لزملائه في اللجان

رواد الأغنية الاجتماعية بالمغرب

24 يونيو 2026 - 12:17 م

حظيت وما زالت تحظى أغاني الحب والرومانسية بهيمنة واضحة على المشهد الموسيقي والغنائي في المغرب. ورغم قوة الأغنية الاجتماعية والسياسية

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°