أخبار ساعة

20:48 - اليماني: حكومة أخنوش تحمي لوبيات المحروقات.. والمغاربة سيدفعون الثمن في انتخابات 202620:47 - اليماني: حكومة أخنوش تحمي لوبيات المحروقات.. وهذه الحقيقة!20:02 - حكيمي يطعن بالنقض ضد محاكمته بتهمة الاغتصاب تزامنا مع تألقه في المونديال19:47 - قرار الحكومة بإلغاء الساعة الإضافية بين العرائض الشعبية والخلفيات الانتخابية19:35 - اتفاق إطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية وتوتر متصاعد في مضيق هرمز19:29 - المغاربة بين الشغف الرياضي والادمان الكروي19:14 - الواقعية الريفية بين زيد مطيع دماج وخوان رولفو18:59 - ولاية أمن أكادير تعثر على قاصر شكل موضوع بلاغ بحث وتدوينات “فيسبوكية”18:47 - بركة: استدامة التغطية الصحية مهددة دون مستشفى عمومي قوي18:36 - توقيف “قراصنة الحسابات البنكية” بالناظور
الرئيسية » رياضة » المغاربة بين الشغف الرياضي والادمان الكروي

المغاربة بين الشغف الرياضي والادمان الكروي

إن شغف المغاربة بكرة القدم لا يختلف كثيرا عما نجده في بلدان متوسطية وأمريكية لاتينية عديدة، حيث تشكل اللعبة أكثر من مجرد رياضة، بل ظاهرة اجتماعية وثقافية واسعة التأثير. وهكذا يعد الشغف بالرياضة من الظواهر الاجتماعية البارزة في المغرب، غير أن هذا الشغف يتجه أساسا نحو كرة القدم التي تظل الرياضة الأكثر شعبية بفارق كبير عن باقي الرياضات. فقد أظهرت إحدى الدراسات أن كرة القدم هي الرياضة المفضلة لدى أغلبية المغاربة بنسبة بلغت 72%، متقدمة على الجري والمشي والسباحة وغيرها من الرياضات. ويرتبط هذا الشغف بعدة عوامل:

*البعد التاريخي: حيث دخلت كرة القدم إلى المغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وتحولت تدريجيا إلى جزء من الثقافة الشعبية المغربية.

*سهولة الممارسة: حيث لا تتطلب كرة القدم تجهيزات رياضية أو مادية مكلفة، ويمكن ممارستها في الأحياء والدواوير والشواطئ.

*الانتماء المحلي والجهوي: حيث تشكل الأندية مثل نادي الوداد البيضاوي أو الرجاء البيضاوي أو الفتح الرباطي أو الجيش الملكي …. رموزا للانتماء المحلي والجهوي لدى جماهير واسعة.

*البعد الوطني: حيث أن نجاحات المنتخب المغربي خاصة تأهله للأدوار النهائية في كأس قطر2022 عززت الشعور بالفخر الجماعي وزادت من الاهتمام بالرياضة.

*التغطية الإعلامية المكثفة: حيث تستحوذ كرة القدم على الجزء الأكبر من التغطية الإعلامية والنقاشات في المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكن إضافة لمختلف هذه العوامل فهناك عامل سياسي زاد من حدة هذا الشغف والمتمثل في تكريس السلطة لانتشار هذه الرياضة داخل المغرب.

-السلطة وسياسة التكوير الرياضي

إن العلاقة بين السلطة والرياضة ليست خاصة بالمغرب، بل هي ظاهرة عالمية نجدها في دول ديمقراطية وغير ديمقراطية على السواء. فقد أصبحت الرياضة، وخاصة كرة القدم، أحد أهم أدوات التعبئة الرمزية وبناء الصورة الوطنية في العصر الحديث. لذا يمكن فهم “سياسة التكوير الرياضي” بوصفها توظيف السلطة للرياضة، وخاصة كرة القدم، لتحقيق أهداف تتجاوز المجال الرياضي نفسه، لتشمل تعزيز الاندماج الاجتماعي، وتقوية الشعور الوطني، وتحسين الصورة الخارجية للدولة. وقد برز هذا التوجه السياسي بالمغرب بشكل أوضح خلال العقدين الأخيرين من خلال:

*دعم البنيات التحتية الرياضية (الملاعب، مراكز التكوين، القاعات الرياضية).
*إعادة هيكلة المؤسسات الرياضية وعلى رأسها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

*الاستثمار في التظاهرات الرياضية الكبرى واستضافة المنافسات القارية والدولية.

*توظيف الإنجازات الرياضية، خاصة إنجاز المنتخب المغربي لكرة القدم في كأس العالم 2022، لتعزيز مشاعر الوحدة الوطنية.

وهكذا فإذا كان يرى بعض الباحثين في علم الاجتماع السياسي أن الرياضة تؤدي وظائف متعددة بالنسبة للدولة من خلال تكريس نوع من الإجماع الوطني، حيث تخلق المباريات الكبرى لحظات تعبئة جماعية تتجاوز الانقسامات الاجتماعية والسياسية. كما تعمل على تعزيز الشرعية الرمزية من خلال ارتباط النجاحات الرياضية بصورة الدولة ومؤسساتها. كما تحولت الرياضة خاصة كرة القدم أداة لتحسين صورة البلاد خارجيا وجذب الاستثمارات والسياحة. إلى جانب تأطير الشباب عبر توجيه جزء من طاقاتهم نحو المنافسة الرياضية والأنشطة الترفيهية.في المقابل، ينتقد بعض الباحثين المبالغة في التركيز على كرة القدم على حساب قطاعات أخرى، أو تحويل النجاح الرياضي إلى موضوع سياسي بصورة مفرطة. ويشير هؤلاء إلى أن الرياضة يمكن أن تكون عاملا للتنمية والتماسك الاجتماعي، لكنها لا تعوض معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية الأساسية. وبالتالي ، يطرح السؤال الحارق هل كانت كرة القدم أداة سياسية خالصة؟ فالملك الحسن الثاني لم يخلق الشغف الشعبي بكرة القدم؛ فقد كان موجوداً منذ فترة الحماية. لكنه أدرك مبكراً القوة التعبوية لهذه الرياضة، وعمل على توظيفها ضمن منظومة أوسع تشمل الإعلام والاحتفالات الوطنية والرموز الملكية. حيث وظفت السلطة في عهد الملك الحسن الثاني كرة القدم ضمن أدوات السياسة الرمزية والتعبئة الوطنية، لكن ليس بالمعنى الحزبي المباشر، بل باعتبارها وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية والشرعية السياسية وصورة الدولة. فقد كان من أبرز مظاهر هذه السياسية الكروية الحسنية:

1- ربط الانتصارات الرياضية بالوحدة الوطنية ، حيث كان النظام يحرص على تقديم نجاحات المنتخب الوطني بوصفها نجاحات للأمة والدولة معاً. وقد تحولت بعض المباريات الكبرى إلى لحظات تعبئة وطنية تتجاوز الانتماءات السياسية والجهوية.

2- الحضور الملكي في المجال الكروي ن حيث اهتم الملك الحسن الثاني شخصياً بكرة القدم، وكان يتابع نتائج المنتخب والأندية، ويستقبل اللاعبين بعد الإنجازات الكبرى، ما أعطى للرياضة بعداً سياسياً ورمزياً يتجاوز الترفيه.

3- استثمار مونديال 1986 ، حيث شكل تأهل المنتخب المغربي إلى الدور الثاني من كأس العالم 1986، كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، حدثاً استثنائياً استثمرته الدولة لتعزيز صورة المغرب داخلياً وخارجياً.

وبالتالي ، فخلال فترات الأزمات الاقتصادية والتقويم الهيكلي في الثمانينيات، كانت المباريات الكبرى والإنجازات الرياضية توفر متنفساً جماعياً للرأي العام، وهو ما لاحظه عدد من الباحثين في علم الاجتماع السياسي.حيث لعبت كرة القدم وظيفة سياسية رمزية كانت تخدم استقرار النظام وتعزيز شرعيته. لذلك يمكن القول أن الملك الحسن الثاني لم يجعل كرة القدم بديلاً عن السياسة، لكنه استعملها كأحد الموارد الرمزية التي تساعد الدولة على إنتاج التوافق والالتفاف الوطني حول المؤسسة الملكية. وقد استمر هذا التوظيف منذ تولي الملك الملك محمد السادس خاصة بعد الاستثمار المكثف في البنية التحتية الرياضية .فقد شهد عهد الملك محمد السادس بناء وتجديد عدد من الملاعب ومراكز التكوين، وعلى رأسها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ومركب محمد السادس لكرة القدم، ما جعل الرياضة جزءاً من استراتيجية أوسع لتسويق صورة الدولة ، حيث كان من أبرز مظاهر ذلك:

1. ربط النجاحات الكروية بصورة المغرب الصاعد حيث أصبحت الإنجازات الرياضية تتقدم باعتبارها دليلاً على جاح النموذج المغربي في التنمية والتحديث. وقد برز ذلك بشكل خاص بعد الإنجاز التاريخي للمنتخب المغربي في كأس العالم 2022 عندما بلغ نصف النهائي لأول مرة عربياً وإفريقياً.

2. تعزيز الالتفاف الوطني حول المؤسسة الملكية حيث بعد الإنجازات الكبرى للمنتخب الوطني ، غالباً ما كانت تظهر صور استقبال الملك للاعبين أو توجيه رسائل التهنئة لهم، مما يربط النجاح الرياضي رمزياً بالمؤسسة الملكية وبالدولة.

3. إبراز نموذج المغرب المتعدد ، فخلال مونديال 2022 تم تسليط الضوء على عناصر الهوية المغربية المختلفة: العلم، الأسرة، اللغة، والانتماء الإفريقي والعربي والمتوسطي، وهو ما انسجم مع الخطاب الرسمي حول خصوصية النموذج المغربي.

4.تزايد العنصر النسوي بمتبعة مباريات كرة القدم ، حيث شهدت السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في المجتمع المغربي. فقد انتقل اهتمام النساء بكرة القدم من مجرد متابعة عابرة للمباريات الكبرى إلى شغف حقيقي، ومتابعة يومية دقيقة، وحضور قوي في المدرجات. إذ لم يعد هذا الاهتمام النسوي مقتصراً على تشجيع المنتخب الوطني فحسب، بل امتد لبطولات الدوري المحلي والأوروبي . فقد أسهم إنجاز مونديال قطر 2022 في خلق موجة عارمة من الفخر الوطني، جمعت كل فئات المجتمع وجذبت ملايين النساء لعالم المستديرة. كما شكل تأهل المنتخب الوطني النسوي إلى نهائي كأس أمم إفريقيا 2022 وبلوغه ثمن نهائي كأس العالم للسيدات 2023 نقطة تحول حاسمة، حيث وجدت الفتيات المغربيات “قدوة” حقيقية تمثلهن على المستطيل الأخضر.

في حين أسهم تحديث الملاعب المغربية وتطوير المنظومة الأمنية في تحويل المدرجات إلى فضاءات آمنة ومرحبة بالنساء والعائلات، بعيداً عن الصور النمطية القديمة. وهكذا برزت مشجعات ينتمين لفصائل المشجعين (الألتراس) للأندية الكبرى مثل الوداد، الرجاء، والجيش الملكي، ويشاركن في صناعة “التيفوهات” والتشجيع الحماسي. كما ظهرت صانعات محتوى ومحللات رياضيات مغربيات عبر منصات (TikTok وInstagram، )يقدمن تحليلات تكتيكية ومتابعة لأخبار اللاعبين بأسلوب عصري وقريب من الجيل الجديد. بينما أتاحت الهواتف الذكية للنساء متابعة تفاصيل المباريات، الانتقالات، والخطط الفنية بكل سهولة، مما عمّق معرفتهن الرياضية. إضافة لذلك ، فاستثمار الدولة في كرة القدم النسوية الاحترافية المحلية من خلال إطلاق الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لبطولة احترافية نسوية وتوفير الدعم المالي للأندية، جعل اللعبة خياراً مهنياً ومستقبلاً رياضياً واعداً للكثير من الفتيات، مما انعكس على نسب المتابعة الجماهيرية.

ولهذا يرى بعض الباحثين أن كرة القدم في عهد محمد السادس تحولت من مجرد وسيلة تعبئة وطنية، و تعزيز الشعور الوطني لدى المغاربة بما فيهم مغاربة العالم ، فهي تساهم في لحظات إجماع عابرة للخلافات السياسية والاجتماعية بين مكونات الكيان المغربي. بالإضافة إلى تدعيم الشرعية الرمزية للمؤسسات وعلى رأسها المؤسسة الملكية.ونتيجة لهذه السياسة ، فعادة ما يثير بعض الباحثين مسألة ما يسمونه “التكوير المفرط للمجال العمومي”، أي هيمنة الأخبار والمناقشات الكروية على حساب قضايا أخرى ثقافية أو علمية أو سياسية. ويرون أن ساعات طويلة من المتابعة الأسبوعية قد تؤدي أحيانا إلى استهلاك سلبي للوقت. خصوصا عندما تتحول فضاءات عمومية كالمقاهي إلى ملاعب مصغرة لمشاهدة ومتابعة مباريات كرة القدم .

– المقاهي والادمان الكروي

يمكن الحديث عن إدمان جماهيري على متابعة كرة القدم في المغرب، وإن كان المصطلح الأدق علميا هو “الاستهلاك المكثف للمضامين الكروية”. فالكثير من المغاربة لا يكتفون بمشاهدة مباريات فرقهم المفضلة، بل يتابعون أيضا البطولات الأوروبية والعربية والقارية، إضافة إلى البرامج التحليلية والنقاشات الرياضية على مدار الأسبوع. وتفسر هذه الظاهرة بعدة عوامل:

-الحضور القوي لكرة القدم في الثقافة الشعبية؛ إذ أصبحت جزءا من الحياة اليومية في الأحياء والمقاهي ووسائل الإعلام.

-سهولة الوصول إلى المباريات عبر القنوات التلفزيونية والهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.

-البحث عن الترفيه والهروب من ضغوط الحياة اليومية في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

-الانتماء العاطفي للفرق مثل الوداد الرياضي والرجاء الرياضي والجيش الملكي، أو للأندية الأوروبية الكبرى.

-نجاحات المنتخب الوطني، خاصة منذ إنجاز كأس العالم 2022، التي رفعت منسوب الاهتمام الشعبي بكرة القدم بما ذلك تزايد الاهتمام النسوي بمتابعة مباريات كرة القدم.

– تحول كرة القدم لدى شرائح واسعة من المغاربة إلى فضاء لإنتاج الهوية والانتماء والتعبير الجماعي، حيث تتحول المباريات إلى موضوع يومي للنقاش في المقاهي وأماكن العمل والأسرة ووسائل التواصل الاجتماعي.

وبالتالي ، فقد أصبحت المقاهي في العديد من المدن المغربية خلال المباريات الكبرى أشبه بـ”ملاعب مصغرة” أو “مدرجات جماهيرية” أكثر منها فضاءات تقليدية لاحتساء القهوة. ويتجلى ذلك بشكل خاص أثناء مباريات المنتخب المغربي لكرة القدم أو مباريات الأندية الكبرى والبطولات الأوروبية. فمن مظاهر هذه الظاهرة:

-تركيب شاشات عملاقة داخل المقاهي وخارجها.

-امتلاء المقاهي قبل ساعات من انطلاق المباريات المهمة.

-تحول التشجيع الجماعي إلى طقوس اجتماعية تتخللها الهتافات والأهازيج والتصفيق.

-تشكل جماعات مشجعين منتظمة تلتقي في المقهى نفسه لمتابعة المباريات.

-ارتفاع رقم معاملات المقاهي خلال الأمسيات الكروية مقارنة بالأيام العادية.

ففي العقود السابقة ,وإلى حدود منتصف ثمانينيات القرن الماضي ، كانت المقاهي تشكل فضاء عموميا شعبيا للنقاش حيث كان فيه النقاش السياسي أو الثقافي يحتل مكانة بارزة داخل المقاهي. بينما أصبحت كرة القدم اليوم أحد أهم المواضيع الجامعة بين مختلف الفئات الاجتماعية. فالعامل والطالب والتاجر والموظف يجلسون حول الشاشة نفسها ويتفاعلون مع الحدث نفسه داخل المقاهي التي تكاثرت بشكل سريع وملفت للنظر خاصة بعدما تم الاستثمار في بناء المقاهي الفخمة والتنافس حول جذب الزبائن بتجهيزها بشاشات بلازما كبرى. فقد ساهم صدور قانون مكافحة غسل الأموال (القانون رقم 43.05 والمعدل بالقانون رقم 12.18) بشكل غير مباشر في زيادة الإقبال على الاستثمار في فتح المقاهي بالمدن المغربية الكبرى.. حيث دفع هذا الأمر ببعض أصحاب الأموال غير المشروعة ، خاصة تلك المتأتية من عائدات الاتجار في المخدرات ، إلى توجيه رساميلهم نحو قطاع المقاهي، لكونه يعتمد أساساً على “الكاش” اليومي و يتيح إمكانية التصريح بمداخيل وأرباح يومية مبالغ فيها يصعب على لجان المراقبة الجبائية تتبعها بدقة رقمية.

وبالتالي ، يرى بعض الباحثين أن هذا التحول يعكس ما يمكن تسميته “تمدد المجال الكروي داخل الحياة اليومية”، حيث لم تعد المباراة مجرد تسعين دقيقة من اللعب، بل مناسبة اجتماعية تخلق أشكالا من التضامن والانتماء الجماعي داخل المدينة.حيث أدى ذلك إلى هيمنة الفرجة الكروية على المقاهي التي أصبحت في بعض الفترات رهينة للبرنامج الكروي الأسبوعي، خصوصا مع تتابع مباريات البطولة الوطنية والدوريات الأوروبية ودوري أبطال أوروبا. فالمقهى في المغرب أصبح أحد أهم فضاءات استهلاك كرة القدم، إلى درجة أن بعض المباريات الكبرى للمنتخب الوطني تحول أحياء ومدنا بأكملها إلى ما يشبه ملعبا مفتوحا تتقاسم فيه الجماهير مشاعر الفرح أو الإحباط بشكل جماعي. ولعل هذا ما أصبح يطرح التساؤل حول ما إذا كان الإفراط في متابعة كرة القدم يؤثر سلبا على التحصيل الدراسي والثقافة العامة لدى الشباب. فإذا تحولت المتابعة الرياضية إلى سلوك مفرط، فقد تظهر بعض الآثار الجانبية والسلبية على المستوى الفكري والتعليمي لشرائح واسعة من الشبيبة المغربية تتمثل في أن استهلاك ساعات طويلة في مشاهدة المباريات والبرامج الرياضية ومتابعة أخبار الانتقالات، قد يزيد من تراجع الوقت المخصص للقراءة والمطالعة والأنشطة الثقافية. وكذا هيمنة النقاشات الكروية على حساب الاهتمامات العلمية والفكرية. و بناء المعرفة حول اللاعبين والأندية أكثر من بناء المعرفة حول التاريخ أو العلوم أو الأدب. إذ يلاحظ بعض الباحثين أن بعض الشباب قد يحفظون تفاصيل دقيقة عن أندية مثل ريال مدريد أو برشلونة أو الوداد الرياضي، بينما تكون معارفهم أضعف في مجالات ثقافية أخرى. فقد يحفظ الشباب أسماء اللاعبين المحليين خاصة الدوليين و تحديد تواريخ تسجيلهم لأهدافهم وتواريخ انتقالهم من نادي لاخر ومبالغ انتقالهم…في الوقت الذي يتعذر عليه تحديد أسماء شخصيات علمية أو سياسية أو ثقافية تتعلق بتاريخ بلده ووطنه.

وهكذا ، يمكن القول إن هيمنة كرة القدم على الفضاء الإعلامي والمدرسي والمقاهي ووسائل التواصل قد تسهم في ما يسميه بعض الباحثين “تضييق مجال الاهتمامات العامة”، عندما تصبح القضايا الرياضية تستحوذ على جزء كبير من وقت الشباب واهتمامهم مقارنة بالثقافة والعلوم والشأن العام. لكن هذا العامل يبقى واحدا ضمن عوامل أخرى كثيرة تؤثر في مستوى الثقافة العامة، مثل جودة التعليم، وانتشار القراءة، والسياسات الثقافية، ودور الأسرة والإعلام. فقد يؤدي تتبع الشباب المغربي لمختلف البطولات الاوربية إلى نوع من الاستلاب الفكري. إذ يرى بعض الباحثين أن المتابعة المكثفة للدوريات الأوروبية قد تساهم في نوع من الاستلاب الرمزي عندما يصبح الشباب أكثر ارتباطا بأندية ومدن ورموز أجنبية من ارتباطه بمحيطه المحلي. ويظهر ذلك أحيانا في معرفة دقيقة بتاريخ أندية مثل ريال مدريد أو مانشستر يونايتد أو برشلونة مقابل معرفة محدودة بتاريخ المؤسسات أو الشخصيات الوطنية. فبعض الشباب يستطيعون سرد تفاصيل دقيقة عن حياة لاعبين مثل كريستيانو رونالدو أو ليونيل ميسي أو أشرف حكيمي، وعدد أهدافهم وأنديتهم ورواتبهم وعلاقاتهم الشخصية، بينما قد يجدون صعوبة في التعرف على شخصيات تاريخية مغربية مثل محمد بن عبد الكريم الخطابي أو علال الفاسي أو المختار السوسي….بالإضافة إلى هيمنة النقاشات المرتبطة بالبطولات الأوروبية على حساب الاهتمام بالشأن المحلي أو الثقافي.، و تراجع الاهتمام بالبطولة الوطنية لصالح مسابقات أجنبية أكثر جاذبية إعلاميا. الشيء الذي أصبح يعكس خللا في التوازن الثقافي؛ إذ يصبح الشاب قادرا على تذكر تاريخ انتقال لاعب من ناد إلى آخر، لكنه لا يعرف الكثير عن أحداث كبرى مثل معركة أنوال أو عن أدوار شخصيات سياسية وفكرية ساهمت في بناء المغرب الحديث. كما يمكن أن يؤدي الإدمان على متابعة كرة القدم إذا بلغ درجة مفرطة، إلى ما يسميه بعض الباحثين الاستلاب الجسدي والذهني، أي أن يصبح الفرد خاضعا لعادات وسلوكيات تؤثر في وقته وجسده وصحته أكثر مما يتحكم هو فيها.ففي حالة الإدمان الكروي، قد يظهر ذلك من خلال:

-الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات أو في المقاهي، مع قلة الحركة والنشاط البدني.

-اضطراب النوم بسبب متابعة المباريات المتأخرة ليلا.

-الإجهاد النفسي الناتج عن التوتر والانفعال المفرط أثناء المباريات.

-إهمال بعض الحاجات الأساسية مثل الدراسة أو العمل أو ممارسة الرياضة الفعلية.

-تحول الجسد إلى مجرد متلقٍّ للفرجة بدل أن يكون مشاركا في النشاط الرياضي نفسه.

وهكذا يرى بعض علماء الاجتماع أن مجتمعات الفرجة الحديثة قد تدفع الأفراد إلى استهلاك الرياضة كمشاهدين أكثر من ممارستها كرياضيين، فينشأ نوع من المفارقة الرياضية تتمثل في الاهتمام الشديد بالرياضة الذي يقابله أحيانا ضعف في الممارسة الرياضية اليومية. خصوصا عندما تتحول كرة القدم من هواية وترفيه إلى انشغال دائم. فعندما تصبح المتابعة المفرطة لمباريات كرة القدم سببا في الخمول وقلة النشاط وإهمال جوانب أخرى من الحياة، يمكن الحديث عن آثار قريبة مما يسميه بعض الباحثين “الاستلاب الجسدي” أو “الاغتراب الجسدي” داخل ثقافة الفرجة الرياضية. إذ يمكن القول إن الإدمان الكروي، إذا تحول إلى فرجة مفرطة وخمول بدني، قد يتعارض جزئيا مع روح مقولة “العقل السليم في الجسم السليم”. فهذه المقولة تفترض نوعا من التوازن بين تنمية القدرات العقلية والمحافظة على الصحة الجسدية من خلال النشاط والممارسة. أما في حالة بعض المشجعين المفرطين في المتابعة، فإن المفارقة تكمن في أنهم يستهلكون الرياضة كمشاهدين لساعات طويلة دون ممارستها فعليا.ومن هذه الزاوية، يطرح بعض الباحثين مفارقة مفادها أن: الاهتمام بالرياضة لا يعني بالضرورة ممارسة الرياضة. وأن متابعة المباريات لساعات طويلة قد تقترن بقلة الحركة والجلوس المطول. وان المعرفة التفصيلية بالفرق واللاعبين لا تعني بالضرورة تنمية المعرفة العامة أو القدرات الفكرية الأخرى. فبدل أن يكون المواطن رياضيا، يصبح في كثير من الأحيان متفرجا رياضيا. وبدل أن يمارس الجسد الرياضة، يراقب أجساد الرياضيين وهي تمارسها. وهنا يظهر نوع من التناقض بين الانتشار الواسع للثقافة الرياضية وبين محدودية الممارسة الرياضية الفعلية لدى جزء كبير من الساكنة بما فيها الشباب. كما يمكن اعتبار الإدمان الكروي أو التماهي المفرط مع أي فريق أحد العوامل المساهمة في بعض مظاهر العنف بين الشباب المتفرجين. ففي علم الاجتماع الرياضي، عادة ما يلاحظ أن بعض المشجعين ، خاصة من الشباب واليافعين والقاصرين ،لا ينظرون إلى الفريق المفضل باعتباره مجرد نادٍ رياضي، بل باعتباره جزءا من هويتهم الشخصية والجماعية. وعندما يخسر الفريق أو يتعرض للاستفزاز من جماهير منافسة، قد يشعر بعض الأفراد وكأنهم هم أنفسهم تعرضوا للإهانة، فتزداد احتمالات السلوك العدواني.

وإجمالا ، فيمكن أن يتحول الشغف الكروي لدى المغاربة إلى هوس كروي ورياضي لدى بعض الأفراد أو الفئات، عندما تتجاوز كرة القدم حدود الترفيه والاهتمام الطبيعي لتصبح محور الحياة اليومية ومصدرا أساسيا للهوية والانفعالات. وتظهر بعض مؤشرات هذا التحول في:

-قضاء ساعات طويلة يوميا في متابعة الأخبار الرياضية والتحليلات والانتقالات.

-ربط المزاج الشخصي بنتائج الفريق المفضل بشكل مبالغ فيه.

-إهمال الدراسة أو العمل أو العلاقات الاجتماعية بسبب متابعة المباريات.
-الانخراط المستمر في النقاشات والصراعات الكروية داخل الواقع أو على مواقع التواصل.

-الاهتمام المفرط بحياة اللاعبين وأخبارهم الخاصة.

وبالتالي ، فبالاضافة إلى انتشار المقاهي الرياضية والشاشات العمومية، فقد ساعدت عدة عوامل على توسع الحضور الكروي في الحياة اليومية لعموم المغاربة من خلال كثافة البث الرياضي على مدار الأسبوع ، والحضور القوي لكرة القدم في وسائل التواصل الاجتماعي ، والمكانة الرمزية التي تحتلها أندية مثل الرجاء الرياضي والوداد الرياضي والجيش الملكي. وكذا النجاحات الأخيرة التي حققها المنتخب المغربي لكرة القدم في تظاهرات عالمية كالتأهل للأدوار النهائية في كأس قطر ، والفوز بكاس العالم للشباب ، والفوز بكاس العرب وإمكانية الفوز بكاس افريقيا التي نظمت بالمغرب برسم سنة 2025 إذا ما أكدت الأجهزة القضائية الدولية هذا الفوز بعدما سلم للمنتخب السنغالي في ظروف غير طبيعية وسليمة رياضيا.

لكن ينبغي التمييز بين الشغف والهوس: فالشغف يعني الاستمتاع بالرياضة مع الحفاظ على التوازن بين مختلف جوانب الحياة. أما الهوس فيعني أن تصبح الرياضة مهيمنة على التفكير والوقت والاهتمامات الأخرى.

ويرى بعض الباحثين أن المغرب، مثل كثير من المجتمعات المتوسطية والعربية وأمريكا اللاتينية، يشهد نوعا من “التكوير الاجتماعي”؛ أي اتساع حضور كرة القدم في الإعلام والمقاهي والمدرسة والأسرة ووسائل التواصل. غير أن هذا لا يعني أن المجتمع كله يعيش حالة هوس، بل إن درجات الاهتمام تختلف من شخص إلى آخر.

لذا ، فإن الخطر لا يكمن في حب كرة القدم بحد ذاته، وإنما في تحولها إلى الاهتمام الوحيد أو المهيمن على حساب القراءة والثقافة والتكوين المهني والمشاركة المدنية. فعندما تصبح الكرة نافذة من بين نوافذ الاهتمام بالحياة، تبقى ظاهرة صحية وترفيهية؛ أما عندما تبتلع باقي الاهتمامات، فإنها قد تتحول بالفعل إلى شكل من أشكال الهوس الجماعي أو الفردي. فالهوس، عندما يقترن بالتعصب الشديد والإحباط الاجتماعي والاندماج في جماعات تتبنى ثقافة المواجهة، قد يتحول إلى عامل من عوامل تأجيج السلوك العنيف.

وبالتالي، لمعالجة هذا الادمان الكروي لدى فئات واسعة من المغاربة وبالأخص الشباب ، فينبغي العمل على تشجيع الممارسة الرياضية بدل الاكتفاء بالفرجة الرياضية، بحيث ينتقل الشباب من دور المتفرج إلى دور الممارس وذلك من خلال وضع سياسية تقوم على تعميم ملاعب القرب ، وتشجيع مسابقات فرق كرة القدم بالأحياء الشعبية والدواوير القروية، بالإضافة إلى التركيز على الفرق الدراسية من خلال فرض أن تتوفر كل مؤسسة تعليمية على فرق خاصة بها سواء من الاناث أو الذكور وربط ذلك بالتنسيق مع النوادي في كل إقليم. وبالنظر ، لأن كرة القدم تملأ أحيانا فراغات اجتماعية وثقافية وترفيهية بالمغرب ، فمعالجة الإفراط في الاهتمام بها لا تكون بتقليص كرة القدم، بل بخلق بدائل جذابة ومنافسة لها في مجالات الثقافة والفنون والرياضة الأخرى. وذلك من خلال تنويع اهتمامات الشباب وعدم اختزالها في كرة القدم فقط وذلك بتعزيز القراءة والأنشطة الثقافية داخل المدرسة والجامعة، وتوسيع حضور العلوم والفنون والتاريخ في الإعلام ، ودعم المكتبات ودور الثقافة والنوادي العلمية. وكذا تشجيع النقاشات العامة حول قضايا المجتمع والثقافة والاقتصاد إلى جانب الرياضة. فالمجتمع لا يتخلص من ظاهرة “الهوس الجماعي” بمنعها، بل بإيجاد توازن بينها وبين مجالات أخرى. فالمجتمع الذي يقرأ ويبدع ويمارس الرياضة ويناقش قضاياه العامة يمكنه أن يحتفظ بشغفه الكروي دون أن يتحول هذا الشغف إلى هيمنة كاملة على الحياة اليومية.لذلك، فالأقرب إلى الواقع ليس الحديث عن “علاج المغاربة من كرة القدم”، وإنما عن إعادة التوازن بين الثقافة الرياضية والثقافة العامة، بحيث تبقى كرة القدم جزءا من الحياة الاجتماعية لا مركزها الوحيد.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

حكيمي يطعن بالنقض ضد محاكمته بتهمة الاغتصاب تزامنا مع تألقه في المونديال

26 يونيو 2026 - 8:02 م

تقدم الدولي المغربي أشرف حكيمي بطعن رسمي أمام محكمة النقض الفرنسية، أعلى هيئة قضائية في البلاد، وذلك عقب تأييد محكمة الاستئناف بفرساي قرار إحالته إلى محكمة الجنايات بتهمة الاغتصاب.

طائرة خاصة تنقل “الأسود” إلى المكسيك لمواجهة هولندا

26 يونيو 2026 - 5:47 م

تتوجه بعثة المنتخب الوطني المغربي، مساء اليوم الجمعة، في رحلة جوية خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية صوب المكسيك، وذلك استعدادا لخوض مباراة دور الـ32 من نهائيات كأس العالم 2026 ضد المنتخب الهولندي.

عبد الله الجباري يحذر من “التصوف الزائف” ويدعو إلى العودة إلى التصوف المغربي الأصيل

26 يونيو 2026 - 2:56 م

قال الباحث الدكتور عبد الله الجباري إن التصوف المغربي الأصيل يشكل مكونا رئيسيا من مكونات التدين المغربي، وجزء مهما من

مدرب هولندا يحذر من أسود الأطلس قبل موقعة ثمن النهائي: لست متأكدا أننا المرشحون للفوز أمام المغرب

26 يونيو 2026 - 2:44 م

أطلق رونالد كومان، مدرب المنتخب الهولندي، تحذيرا واضحا قبل المواجهة المرتقبة أمام المنتخب المغربي في دور ثمن نهائي كأس العالم

لقاء حموشي والسفير العراقي.. المغرب يعزز دبلوماسيته الأمنية في زمن تداعيات الحرب وإعادة تشكيل التحالفات بالمنطقة

26 يونيو 2026 - 1:32 م

لم يكن استقبال حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، لحيدر شياع البراك، سفير جمهورية العراق لدى المغرب، مجرد

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°