لم يكن استقبال حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، لحيدر شياع البراك، سفير جمهورية العراق لدى المغرب، مجرد لقاء بروتوكولي بين مسؤول أمني ودبلوماسي معتمد، بقدر ما يعكس اتجاها متزايدا في السياسة الخارجية المغربية يقوم على توظيف الدبلوماسية الأمنية كإحدى أدوات تعزيز الشراكات الاستراتيجية للمغرب في محيطه العربي والإقليمي، خصوصا في ظل التحولات التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط بعد المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
تحدث البلاغ، الصادر عن قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، عن تعزيز التعاون في مجالات الأمن والاستخبارات، وتبادل الخبرات والتكوين الشرطي، وتقييم التهديدات المرتبطة بالإرهاب الدولي، لكن طبيعة اللقاء بين مسؤول أمني مغربي ومسؤول دبلوماسي عراقي، وأيضا طبيعة الدولة المعنية به وما يجري في المنطقة وما تشهده من تحولات، كل ذلك يفتح المجال لقراءة أوسع تتجاوز التعاون التقني إلى ما يمكن وصفه بدبلوماسية أمنية مغربية تواكب إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.
ولا سيما إذا ما استحضرنا أن شخص عبد اللطيف حموشي، المدير العام لإدارة الأمن الوطني، قد تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الأمنية المغربية، ليس فقط من خلال حضوره في كبريات المحافل الأمنية الدولية، وإنما أيضا عبر نسج شبكة واسعة من اتفاقيات التعاون مع أجهزة الأمن والاستخبارات في أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.
وأصبحت المملكة، على عهد حموشي، تقدم نفسها باعتبارها شريكا موثوقا في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتطرف العنيف، مستفيدة من التجربة التي راكمتها أجهزتها الأمنية في تفكيك الخلايا الإرهابية وإحباط المشاريع التخريبية قبل تنفيذها.
ومن خلال هذا المعطى فإن الانفتاح الأمني على العراق يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة البيئة الأمنية التي يعيشها هذا البلد منذ أكثر من عقدين من الزمن، حيث راكم العراق خبرة ميدانية كبيرة في مواجهة تنظيم “داعش” والجماعات الإرهابية المسلحة، كما تحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة وإيران وتركيا، فضلا عن حضور فصائل مسلحة ذات تأثير سياسي وأمني واسع، وهنا نستحضر بالأساس الميليشيات المرتبطة بإيران.
ومن هذه الزاوية، فإن التعاون مع بغداد لا يقتصر على الاستفادة من الخبرة العراقية في مواجهة التنظيمات الإرهابية، بل يتيح أيضا للمغرب نافذة مهمة لفهم التحولات الأمنية التي يشهدها المشرق العربي، في مرحلة تعرف إعادة رسم للتحالفات وموازين القوى بعد الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل.
وهنا لا ينبغي النظر إلى العراق باعتباره مجرد ساحة لمكافحة الإرهاب، بل يمثل أيضا، وهذا هو الأهم، نموذجا معقدا للدولة التي تتعايش فيها المؤسسات الرسمية مع نفوذ فصائل مسلحة وقوى سياسية متعددة الولاءات (إيران، تركيا، أمريكا) كما تضم الساحة العراقية بعض الأحزاب والفصائل المرتبطة بمحور تقوده إيران، بعضها يتمتع بتمثيلية سياسية داخل البرلمان والحكومة، وبعضها الآخر يحتفظ بأجنحة مسلحة ذات حضور ميداني مؤثر.
ومن ثمة، فإن أي تعاون أمني مع بغداد يمر، بالضرورة، عبر مؤسسات الدولة العراقية الرسمية، مع إدراك طبيعة البيئة الأمنية والسياسية المركبة التي تعمل داخلها.
كما يأتي لقاء حموشي والبراك في سياق إقليمي حساس بالنسبة للمغرب، الذي سبق له أن أعلن، سنة 2018، قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، حيث اتهم طهران عبر “حزب الله” بتقديم دعم وتدريب لعناصر من جبهة البوليساريو الانفصالية، وهي اتهامات رفضتها إيران حينذاك، وبالرغم من ذلك فإن البعد الأمني بالنسبة للمغرب ظل حاضرا بقوة في مقاربة الرباط لعلاقاتها مع عدد من دول المنطقة، خاصة تلك التي تشهد حضورا لقوى مسلحة مرتبطة بالمحور الإيراني.
ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز التعاون مع العراق يمكن أن يندرج ضمن رؤية مغربية أوسع تقوم على توسيع شبكة الشركاء الأمنيين في العالم العربي، وتعزيز تبادل المعلومات حول التهديدات العابرة للحدود، سواء تعلق الأمر بالتنظيمات الإرهابية، أو شبكات تهريب الأسلحة، أو حركة المقاتلين الأجانب، أو الجرائم المنظمة التي تستفيد من هشاشة بعض المناطق الإقليمية.
وفي مقابل هذا البعد الأمني، تبرز ملفات إنسانية وقانونية ظلت حاضرة في العلاقات المغربية العراقية، وإن لم ترد ضمن البلاغ الرسمي. فقد سبق لعدد من المواطنين المغاربة، ممن أقاموا في العراق قبل سنة 2003، أن تحدثوا في وسائل الإعلام عن فقدان ممتلكات أو عقارات كانوا يملكونها، في سياق الاضطرابات الأمنية والسياسية التي عرفها البلد بعد سقوط النظام السابق، كما أثيرت مطالب بإيجاد آليات قانونية ودبلوماسية لمعالجة هذه الملفات واسترجاع الحقوق، حيث ترتبط بعض هذه النزاعات بظروف معقدة شهدها العراق خلال سنوات الحرب والفوضى، دون أن ننسى في هذا الإطار مصير المغاربة المعتقلين بالعراق والذين تطالب عائلات المعتقلين بالعراق بتسوية وضعيتهم الإنسانية بالسجون العراقية.
عموما، يعكس هذا اللقاء بالنسبة للمغرب اتجاها متناميا في السياسة الخارجية المغربية يجعل من الأمن أحد روافع الدبلوماسية، كما يعكس أيضا نجاح المملكة في ترسيخ موقعها كشريك أمني موثوق في إفريقيا وأوروبا، ويبدو أنها تسعى اليوم إلى توسيع هذا الدور داخل الفضاء العربي، في مرحلة يعاد فيها رسم خرائط النفوذ والتحالفات بعد الحرب في الشرق الأوسط.
ولذلك فإن لقاء حموشي بالسفير العراقي لا يمكن قراءته فقط باعتباره اجتماعا تقنيا بين جهاز أمني وسفارة أجنبية، بل باعتباره مؤشرا على حضور متزايد للدبلوماسية الأمنية المغربية في ملفات إقليمية معقدة، حيث أصبح الأمن والاستخبارات بالمغرب ولاسيما على عهد حموشي جزءً من أدوات السياسة الخارجية، إلى جانب الدبلوماسية التقليدية، في مواجهة بيئة دولية تتزايد فيها التهديدات العابرة للحدود وتتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الجيوسياسية.



تعليقات الزوار ( 0 )