أدى الترحال المستمر إلى إفراغ العمل السياسي من محتواه الإيديولوجي، حيث أصبح الانتقال من حزب إلى آخر أمرا مألوفا دون تقديم مبررات سياسية للمواطنين. وقد ساهمت هذه “البراغماتية” المفرطة في تعميق العزوف السياسي لدى الناخبين، نتيجة تحول الأحزاب إلى مجرد “دكاكين انتخابية” تفتح أبوابها للوافدين الجدد لضمان الأصوات بغض النظر عن الكفاءة أو القناعة السياسية . وللحد من هذه الظاهرة داخل المشهد السياسي بالمغرب نص الفصل 61 من دستور فاتح يوليوز 2011 على تجريد البرلمانيين من صفتهم النيابية بمجرد تخليهم عن انتمائهم السياسي الذي ترشحوا باسمه. لكن رغم هذه الترسانة القانونية، فقد استمرت هذه الظاهرة إما بسبب التكيف عبر التحايل وتأجيل تغيير الانتماء إلى الفترات القانونية المسموح بها، أو الترشح بألوان جديدة في الانتخابات المحلية والمجالس المنتخبة. كما أن حرب التزكيات بين الأحزاب زاد من تفاقمها وتكريسها تمثلات الفاعلين السياسيين سواء كانوا قياديين أو مناضلين لمفهوم التزكية الحزبية.
1-تمثلات الفاعلين السياسيين لمفهوم التزكية الحزبية
إن التزكية الحزبية في المغرب ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل هي آلية لتوزيع الموارد والسلطة والفرص السياسية داخل الحزب. لذلك تتحول في كثير من الأحيان إلى لحظة تكشف موازين القوى الحقيقية بين القيادة الحزبية والأعيان المحليين والمناضلين والمنتخبين.
-معايير وخلفيات التزكية الحزبية
تختلف تمثلات الفاعلين السياسيين للتزكية الحزبية في المغرب باختلاف مواقعهم ومصالحهم وأدوارهم داخل الحقل السياسي ، حيث يمكن التمييز بين عدة تصورات رئيسية:
-التزكية باعتبارها اعترافاً بالكفاءة والاستحقاق حيث تقدم الأحزاب رسمياً التزكية على أنها مكافأة للمناضلين الأكثر حضوراً والتزاماً وكفاءة. وذلك من خلال التأكيد على معايير مثل التاريخ النضالي، القرب من المواطنين، والقدرة على تمثيل الحزب انتخابياً. إذ تمثل التزكية مورداً رمزياً وسياسياً وتعتبر كرأسمال سياسي بالنسبة للمرشح يمنحه الشرعية الحزبية وفرصة الولوج إلى المؤسسات المنتخبة. لذلك تصبح التزكية موضوع تنافس حاد داخل التنظيمات الحزبية. حيث يعتقد بعض المناضلين أن معايير غير معلنة قد تتدخل في منح التزكيات، مثل النفوذ المحلي أو القدرة المالية أو العلاقات الشخصية. ولهذا تثار أحياناً احتجاجات واستقالات عقب الإعلان عن لوائح المرشحين داخل كل حزب.
-التزكية باعتبارها أداة لضبط النخب الحزبية حيث ينظر كثير من الفاعلين إلى التزكية كوسيلة تمارس من خلالها القيادة المركزية سلطتها على المنتخبين والمرشحين. فيصبح الحصول على التزكية رهيناً بالولاء للقيادة أو للتيار المهيمن داخل الحزب.
-التزكية كآلية لتدبير التوازنات المحلية ، حيث تخضع التزكية لحسابات التوازن بين الأعيان والعائلات والشبكات المحلية في العديد من الدوائر الانتخابية. وبالتالي تسعى الأحزاب في منح تزكياتها إلى تجنب الصراعات الداخلية أكثر من سعيها إلى اختيار “الأفضل” بالضرورة.
– التزكية كوسيلة لاستقطاب الأعيان حيث تلجأ أحزاب عديدة إلى منح التزكية لشخصيات ذات نفوذ انتخابي حتى وإن كان انتماؤها الحزبي حديثاً أو كان العضو المرشح وافدا . وهكذا تعطى الأولوية للقدرة على الفوز بالمقاعد أكثر من ترسيخ الهوية الإيديولوجية للحزب.
-المرتكزات الثقافية للتزكية الحزبية بالمغرب
تختزن التزكية الحزبية في المغرب ، بدرجات متفاوتة، بعض عناصر الثقافة السياسية التقليدية، وإن كانت تتم داخل إطار مؤسساتي حديث هو الحزب السياسي. ففي الثقافة السياسية التقليدية بالمغرب كانت البيعة والتقديم والتفويض تقوم على اعتراف سلطة أعلى بأهلية شخص ما لتولي مهمة أو تمثيل جماعة معينة. ومن هذه الزاوية قد يُنظر إلى التزكية الحزبية باعتبارها شكلاً حديثاً من منح الشرعية من طرف القيادة الحزبية للمرشح.
-التزكية والبركة السياسية
تظهر بعض هذه السمات التقليدية في حرص بعض المرشحين على إظهار قربهم من الأمين العام أو الزعيم الحزبي باعتبار ذلك مصدراً للشرعية. خاصة وأن الأمين العام للحزب يمتلك سلطة الحسم في العديد من التزكيات. إذ يرى عدد من المتابعين أن مركزية الكاتب الأول في تدبير ملف التزكيات داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خاصة في عهد إدريس لشكر أصبحت أكثر وضوحاً، مع احتفاظ الأجهزة الحزبية بدورها الشكلي أو التنظيمي. وقد أظهرت المعطيات الخاصة بالاستعدادات لانتخابات 2026 أن لشكر أعلن عن دفعات من التزكيات بناءً على مخرجات المكتب السياسي والآليات الداخلية للحزب. وفي حزب الاستقلال، كما في معظم الأحزاب المغربية الكبرى، لا يكون الأمين العام هو الجهة الوحيدة المخولة نظامياً لمنح التزكيات، إذ تتدخل المفتشيات الإقليمية والجهوية واللجنة التنفيذية وغيرها من الهياكل الحزبية. لكن عملياً يتمتع الأمين العام بنفوذ كبير في الحسم النهائي، خاصة في الدوائر التي تعرف تنافساً حاداً بين عدة مرشحين.
وفي المرحلة الحالية، تظهر تقارير صحفية أن طلبات الترشح ترفع إلى القيادة الوطنية، وأن الأسماء المقترحة تعرض على اللجنة التنفيذية للمصادقة، مع وجود دور مركزي للأمين العام نزار بركة في إدارة المشاورات والحسم في الملفات الخلافية. إذ يبقى الأمين العام هو صاحب الكلمة الحاسمة في بعض ملفات التزكية، وهو ما يفسر توجه المنتخبين والفاعلين المحليين إلى ممارسة الضغط أو تقديم الملتمسات مباشرة إليه عند التنافس على الترشيحات. فالبحث عن “البركة السياسية” للقيادة الحزبية المتمثلة في الأمين العام للحزب؛ وأهمية العلاقات الشخصية وشبكات الولاء إلى جانب المعايير التنظيمية الرسمية، و استمرار دور الأعيان والوجهاء المحليين في التأثير على قرارات التزكية داخل عدد من الأحزاب يجعل التزكية الحزبية في المغرب نتاجاً تداخل مرتكزات الثقافة السياسية التقليدية مع آليات العمل الحزبي الحديث. فهي ليست تقليدية بالكامل ولا حديثة بالكامل، بل تعكس ما يسميه بعض علماء الاجتماع السياسي “الهجانة السياسية”، حيث يتعايش منطق المؤسسة الحزبية الحديثة مع ممارسات ورموز موروثة من البنيات الاجتماعية التقليدية. ووفق هذا المنظور، فإن الصراعات والتنافسات الشخصية التي ترافق التزكيات داخل الأحزاب لا تدور فقط حول البرامج والأفكار، بل أيضاً حول المكانة والوجاهة والاعتراف والزعامة، وهي عناصر لها جذور عميقة في الثقافة السياسية المغربية.
-التزكية الحزبية وإذن الترشح
إن الحصول على التزكية لا يعني فقط “الإذن” بالترشح، بل يمثل اعترافاً بالمكانة داخل الجماعة الحزبية. فالمواطن العادي، قبل السياسي، يعرف أن «التزكية الحزبية» هي «مفتاح الترشح»، ولذلك فهي حجر الزاوية في العملية الانتخابية، إذ لا يمكن لأي مرشّح خوض الانتخابات التشريعية أو البلدية باسم حزب سياسي دون الحصول على موافقة رسمية من هيئاته التنظيمية. غير أن هذه الآلية التي يُفترض أن تكون تعبيرًا عن الديمقراطية الداخلية، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى أداة لإعادة إنتاج نفس النخب السياسية. فعملية اختيار المرشّحين في الأوساط الحزبية كثيرًا ما كانت تخضع لمنطق القرب من مراكز القرار داخل الحزب، أكثر من خضوعها لمعايير موضوعية واضحة، وهو ما أدى إلى بروز صراعات حادة حول الترشيحات في كل محطة انتخابية. بل إن بعض الحالات أظهرت تحوّل التنسيقيات المحلية إلى ما يشبه «إقطاعيات انتخابية»، حيث تقوم قيادات إقليمية باستقطاب رجال أعمال أو وجوه انتخابية نافذة، وتتفاوض معها مباشرة دون الرجوع إلى الأجهزة المركزية للحزب. وبالتالي فمنح التزكية في المنظومة الحزبية بالمغرب عادة ما يتخذ شكل “منح الاذن” الذي كان يتم العمل به في الزوايا والطرق بالمغرب .إذ يمكن اعتبار ذلك تشبيهاً سوسيولوجياً واستعارياً مفيداً لفهم بعض أبعاد التزكية الحزبية في المغرب، لكن ليس باعتباره تطابقاً كاملاً بين الظاهرتين. ففي الزوايا الصوفية كان الشيخ يمنح الإذن أو التقديم لمريد معين لتمثيل الزاوية أو تأسيس فرع لها في منطقة أخرى. وهذا الإذن لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان اعترافاً بأهلية المريد، و تفويضاً للتمثيل باسم الزاوية، و منحاً للشرعية أمام الأتباع ، و إدماجا للمريد في سلسلة من الولاءات والمراتب. وبشكل مشابه، تمنح القيادة الحزبية التزكية لمرشح معين للاعتراف بأهليته السياسية، و لتمثيل الحزب أمام الناخبين، و لاكتساب الشرعية التنظيمية ، وكذا للاستفادة من الرأسمال الرمزي للحزب وشعاره. ورغم أن هناك فروقا مهمة بين الإذن الصوفي الذي يستند أساساً إلى السلطة الروحية للشيخ، بينما التزكية الحزبية تستند نظرياً إلى قوانين الحزب ومؤسساته. و المريد لا ينافس عادة على الإذن عبر انتخابات داخلية، بينما يفترض أن تكون التزكية نتاج مساطر تنظيمية وتنافس بين المرشحين.و الشرعية الصوفية ذات طبيعة دينية وروحية، أما الشرعية الحزبية فهي سياسية وانتخابية، فمكونات الثقافة السياسية المحلية تجعل التزكية تُعاش أحياناً بطريقة قريبة من “الإذن” التقليدي؛ إذ يسعى المرشح إلى نيل رضا القيادة، ويُنظر إلى التزكية بوصفها شهادة ثقة من “الزعيم” أو “القيادة”، وليس فقط قراراً إدارياً محايداً. لهذا يمكن القول إن التزكية الحزبية في بعض تمثلات الفاعلين السياسيين المغاربة تحمل شيئاً من منطق الإجازة أو الإذن المعروف في المؤسسات التقليدية كالزوايا، حيث لا يكفي توفر الكفاءة وحدها، بل يلزم أيضاً الحصول على اعتراف السلطة المخولة بمنح الشرعية. وهذا أحد مظاهر تداخل الثقافة السياسية الحديثة مع الموروث الرمزي التقليدي في المغرب.
2-التزكيات وتفاقم ظاهرة الترحال الحزبي
شهدت الساحة السياسية المغربية احتداماً كبيراً في صراع “حرب التزكيات” داخل الأحزاب استعداداً للاستحقاقات الانتخابية، مما يعزز ظاهرة “الترحال السياسي”. إذ يعكس هذا المشهد تسابقاً محموماً بين الأعيان والسياسيين نحو المقاعد المضمونة، بعيداً عن أي برامج أو قناعات إيديولوجية. وهكذا يلهث السياسيون والمنتخبون وراء الأحزاب التي تمتلك حظوظاً أكبر للظفر بالمقاعد أو تصدر المشهد الانتخابي، مما يجعل الولاء الحزبي تكتيكاً ظرفياً. كما تتصاعد حدة التوتر بين القيادات المركزية للأحزاب التي تسعى لتجديد النخب، وبين شبكات النفوذ المحلية (الأعيان) التي تستغل شعبيتها وإمكانياتها المادية لفرض شروطها. فمع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية في 23 شتنبر 2026 ، تعيش الساحة السياسية الوطنية على وقع حراك غير مسبوق، تجاوز في كثير من الأحيان منطق التنافس الديمقراطي الطبيعي، ليدخل مرحلة توصف لدى متتبعين بـ”الفوضى السياسية” التي يغذيها سباق محموم نحو التزكيات، وترحال انتخابي متسارع، وتحالفات ظرفية لا تؤطرها قناعة سياسية ولا مشروع مجتمعي واضح. فما يجري اليوم داخل عدد من الأحزاب السياسية، لم يعد مجرد إعادة تموقع عادية تسبق الانتخابات، بل تحول إلى ما يشبه “حرب التزكيات”، حيث أصبح بعض المنتخبين والوجوه السياسية يتنقلون بين الأحزاب بسرعة لافتة، بحثا عن “المقعد المضمون” أو “اللون الانتخابي الأكثر حظا”، في مشهد يطرح أسئلة عميقة حول مصداقية الخطاب الحزبي، وجدوى الانتماء السياسي، وحدود الأخلاق في الممارسة الانتخابية. ولعل أخطر ما في هذا المشهد، ليس فقط الترحال الحزبي في حد ذاته، بل ما يرافقه من حديث متزايد عن مفاوضات سرية، وضغوط داخلية، ووعود بالتزكيات، بل وحتى شبهات توظيف المال والنفوذ لإعادة ترتيب الخرائط الانتخابية قبل أشهر من الاقتراع. وهو ما يهدد بتحويل العملية الديمقراطية من فضاء للتنافس حول البرامج والرؤى إلى “سوق انتخابي” تتحكم فيه الحسابات المالية والمصالح الشخصية أكثر مما تحكمه الكفاءة أو القرب من انتظارات المواطنين. وفي هذا السياق، تبدو مدينة الدار البيضاء نموذجا صارخا لما يجري خلف الكواليس. فالمدينة الاقتصادية للمملكة تعرف هذه الأيام حركية سياسية غير مسبوقة، عنوانها الأبرز: صراع خفي وعلني حول التزكيات، وسباق محموم لاستقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ الانتخابي، في مشهد يختلط فيه السياسي بالمالي، والحزبي بالبراغماتي، إلى درجة أصبحت معها بعض المقرات الحزبية أشبه بغرف مفاوضات انتخابية مفتوحة.ويرى متابعون أن استمرار هذا الوضع دون تدخل حازم من الجهات المختصة، ومن الهيئات المكلفة بتأطير الحياة السياسية، قد يسيء بشكل مباشر إلى صورة المؤسسات المنتخبة، ويعمق أزمة الثقة التي يعيشها المواطن تجاه الفاعل الحزبي. فحين يصبح الحزب مجرد “محطة عبور”، والتزكية مجرد “وثيقة عبور انتخابية”، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه: من يمثل المواطن فعلا الحزب أم المصالح؟
-الترحال الحزبي ومنطق الابعاد
فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، لم يعد التنافس محصورا في الصراع التقليدي بين البرامج السياسية أو الوعود الانتخابية، بل انتقل إلى كواليس التنظيمات الحزبية نفسها، حيث تدور معركة غير معلنة حول مَن يملك حق منح «التزكية» (الموافقة على الترشح) ومَن يتحكم في مفاتيح بوابة العبور إلى المؤسسات المنتخبة. و في هذا السياق، تم الكشف عن وجود ما يشبه «زلزالا تنظيميا» موَجها إلى «ديناصورات الانتخابات» الذين اعتادوا الاستفادة من «الريع الانتخابي» وفق تعبير متداول لدى الرأي العام المحلي. فقد ضرب هذا «الزلزال» المناطق التي ظل فيها بعض الأعيان والمنسقين الإقليميين يمارسون نفوذًا شبه مطلق على الترشيحات الحزبية. وقد تحوّل هذا النفوذ عبر الزمن إلى مصدر توتر دائم بين القيادة المركزية للأحزاب وبين شبكات النفوذ المحلية التي بنت قوتها على التحكم في مفاتيح الترشّح.
وفي هذا السياق يمكن إقامة مقارنة سوسيولوجية جزئية بين الترحال الحزبي والإبعاد داخل بعض الزوايا التقليدية، لكن مع ضرورة الانتباه إلى أن الظاهرتين تنتميان إلى سياقين مختلفين.ففي بعض الزوايا المغربية كان الشيخ أو القيادة الروحية قد تلجأ إلى إبعاد مريد أو مقدم من الزاوية أو من مجال نفوذها بسبب التمرد على السلطة الروحية، أو النزاع حول الخلافة والزعامة.أو مخالفة قواعد الجماعة ن بالإضافة إلى الصراع على الموارد والاتباع.وفي الحياة الحزبية المعاصرة، قد يلجأ بعض السياسيين إلى مغادرة حزبهم والانتقال إلى حزب آخر بسبب عدم الحصول على التزكية نتيجة الصراع مع القيادة الحزبية أو فقدان مواقع النفوذ أو البحث عن فرص انتخابية أفضل. وبالتالي ، يمكن القول إن الظاهرتين تتشابهان في كونهما تعكسان صراعاً حول الشرعية والمكانة والموارد داخل التنظيم. فالمريد المبعد والسياسي المرحل أو المنسحب يواجهان معاً مشكلة فقدان الاعتراف داخل الجماعة الأصلية. لكن هناك فرقاً جوهرياً بينهما:الإبعاد في الزاوية غالباً ما يكون قراراً تتخذه السلطة المركزية ضد المريد ،أما الترحال الحزبي فهو في كثير من الحالات قرار يتخذه السياسي نفسه عندما يشعر بأن الحزب لم يعد يوفر له فرص الصعود أو التمثيل. لذلك قد يكون التشبيه الأقرب هو أن عدم منح التزكية الحزبية يشبه سحب الإذن أو المكانة داخل الزاوية، بينما يشبه الترحال السياسي انتقال المريد من زاوية إلى أخرى بحثاً عن الاعتراف أو الموقع الذي فقده في زاويته الأصلية. وبالتالي ، فيمكن النظر إلى الترحال الحزبي في المغرب باعتباره أحد مظاهر استمرار ثقافة الشخصنة وضعف الارتباط الإيديولوجي؛ إذ يظل الانتماء أحياناً مرتبطاً بالموقع والزعامة أكثر من ارتباطه بالعقيدة الحزبية.
وبالتالي ، فالقطع مع التزكية والترحال الحزبي كما يمارسان أحياناً بمنطق الولاءات الشخصية والأعيان والزعامة التقليدية، يتطلب تحولات تنظيمية وثقافية ومؤسساتية متزامنة تتمثل من خلال:
أولا- دمقرطة مساطر التزكية ،فكلما كانت التزكية تصدر من القيادة المركزية وحدها، ازدادت قيمتها كـ”منحة” أو “إذن”. أما إذا تم اختيار المرشحين عبر انتخابات أولية داخلية أو تصويت المنخرطين، فإن التزكية تتحول من امتياز شخصي إلى نتيجة مسطرة جماعية.
ثانيا- تقوية الهوية الإيديولوجية للأحزاب ، فعندما تتقارب البرامج والخطابات، يصبح الانتقال من حزب إلى آخر أمراً سهلاً. أما إذا امتلكت الأحزاب هويات سياسية واضحة، فإن الترحال يصبح أكثر كلفة سياسياً وأخلاقياً.
ثالثاً- تقليص دور الأعيان الانتخابيين حيث أن الاعتماد المفرط على الأعيان يجعل الحزب يبحث عن “المرشح القادر على الفوز” أكثر من بحثه عن “المناضل الحزبي”. لذلك فإن تقوية التنظيمات الحزبية المحلية وتكوين الكوادر السياسية يقلل من هذه الظاهرة.
رابعاً- ربط المسؤولية الحزبية بالتدرج التنظيمي، ففي كثير من الديمقراطيات الحزبية، لا يصل المرشح إلى مواقع المسؤولية الانتخابية إلا بعد مسار من العمل الحزبي. مما يقلل من ظاهرة الوافدين الجدد الذين يحصلون على التزكية فور التحاقهم بالحزب.
خامساً- تعزيز الثقافة السياسية لدى الناخبين ، حيث طالما أن قسما من الناخبين يصوت للشخص أو للعائلة أو للوجاهة المحلية أكثر من تصويته للبرنامج، سيظل الترحال الحزبي مغرياً. فالناخب الذي يعاقب المنتخب المرحل انتخابياً يساهم في الحد من الظاهرة.
سادسا-الانتقال من شرعية الزعيم إلى شرعية المؤسسة. فكلما أصبحت الأحزاب مرتبطة بشخص الأمين العام أو الزعيم، اقتربت التزكية من منطق “التفويض الشخصي”. أما عندما تصبح المؤسسات الحزبية هي مصدر القرار، تتراجع الشخصنة.
لكن، بالإضافة إلى مختلف هذه العوامل، يبقى البعد الثقافي هو العنصر الأعمق في القطيعة مع هذه السلوكيات السياسية. إذ لا يتعلق الأمر فقط بتغيير القوانين، بل أيضاً بالانتقال من ثقافة سياسية تقوم على الولاء للأشخاص، والبحث عن الحماية السياسية، والوجاهة والنفوذ المحلي، إلى ثقافة تقوم على البرامج والأفكار، والمواطنة الحزبية، و المنافسة على أساس الكفاءة. لذلك فإن القطع مع المرتكزات التقليدية للتزكية والترحال ليس مسألة تقنية أو قانونية فقط، بل هو جزء من مسار أوسع لتحديث الحياة الحزبية وترسيخ منطق المؤسسة بدل منطق الزعامة والولاء الشخصي. وبالتالي ،فلقد أصبح من الضروري اليوم فتح نقاش وطني جدي حول ظاهرة الترحال الحزبي، وتشديد المراقبة على مساطر منح التزكيات، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل التنظيمات الحزبية، حماية لسمعة المسار الديمقراطي، وصونا لصورة المغرب الذي راكم تجربة سياسية ومؤسساتية لا ينبغي أن تسيء إليها ممارسات انتخابوية ضيقة. فالرهان الحقيقي في أي انتخابات ليس عدد المقاعد فقط، بل الحفاظ على ثقة المواطن في السياسة، لأن أخطر ما يمكن أن تخسره الدول ليس الانتخابات… بل إيمان الناس بجدواها سياسيا من خلال تجديد وتشببيب النخب السياسية واجتماعيا من خلال تغيير المعيش اليومي للمواطنين ودوليا من خلال اكتساب مصداقية الشركاء بالخارج.




تعليقات الزوار ( 0 )