لم تعد تسمية الحكومة المقبلة بـ “حكومة المونديال” مجرد استعارة صحفية لتسويق مرحلة سياسية، بل تتحولت في العمق إلى ما يشبه “العقيدة التدبيرية” التي ترسم ملامح الخريطة الانتخابية والتحالفات قبل أن تبدأ عملية الاقتراع أصلا.
صحيح أن هناك انتظارات ورهانات تنموية واقتصادية للحدث العالمي سواء في تحديث الإدارة والبنية التحتية، وتسريع وتيرة الاستثمار، وتطوير العرض الترابي. بيد أن الرهان التنموي الحقيقي يكمن في مدى إدماج هذه المشاريع الكبرى لتحقيق العدالة المجالية، حتى تنعكس على خدمات إدارية فعالة فكا للعزلة عن المناطق الهامشية، وتطويرا للخدمات الأساسية كالصحة، والتعليم، والرقمنة، بما يضمن استفادة الساكنة المحلية من العائد الاستثماري.
والعدالة المجالية هنا ليست مطلبا أخلاقيا، بل خيارا دستوريا صريحا: إذ ينص الفصل الأول من دستور 2011، في فقرته الرابعة، على أن التنظيم الترابي للمملكة “تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة”، وهو ما ترجمه لاحقا القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات. وحجم هذا الرهان تؤكده أرقام المندوبية السامية للتخطيط ذاتها: ففي سنة 2024، لا يزال معدل الفقر في الوسط القروي (13,1 بالمائة) يفوق نظيره الحضري (3,0 بالمائة) بأكثر من أربع مرات، وهي فجوة لا يمكن لمشاريع المونديال أن تتجاهلها دون أن تُفرغ “العدالة المجالية” من محتواها الدستوري.
من زاوية الانتظارات السياسة، يبدو المشهد مثيرا للأمل والقلق في آن واحد. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون الانتخابات محطة للتنافس بين برامج واختيارات أيديولوجية واجتماعية تخرجنا من الوضع الحالي إلى وضع أحسن، تأتي “أجندة المونديال” لتفرض ما يمكن تسميته “الحتمية التقنية العابرة للأحزاب”. هنا، لا نناقش توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية، بل نتحول إلى مراجعة “دفتر تحملات”.
علم السياسة: اشتباك العلم بالواقع
قد يتساءل القارئ: لماذا يستحق هذا الاستعمال الحادث (حكومة المونديال) التحليل من زاوية علم السياسة تحديدا، لا من زاوية اقتصادية أو هندسية بحتة؟ الجواب أن علم السياسة، منذ أن أُسس لم يكتفِ بوصف السلطة من بعيد، بل جعل من مهمته الأصلية ربط المعرفة النظرية بالقرار العمومي والمطالب الجماعية، وهذا بالضبط ما يجعله قادرا على رصد الأزمة قبل وقوعها.
إن المقارنة بين تجارب الدول المضيفة السابقة ليست تزيينا سرديا للمقال، بل أداة منهجية أساسية في علم السياسة المقارن، تتيح استخلاص أنماط متكررة يصعب على التحليل الهندسي أو المحاسبي المعزول أن يلتقطها بمفرده.
ولعل أوضح تجسيد أكاديمي لهذه الأنماط المتكررة ما خلص إليه الباحث ‘مارتن مولر’ في مفهوم “متلازمة الحدث الضخم” (Mega-Event Syndrome)، حيث رصد مجموعة أعراض تتلازم في تخطيط هذه الاستحقاقات على اختلاف سياقاتها: المبالغة في الوعود، التقليل من تقدير الكلفة، إعادة كتابة أولويات التخطيط الحضري لتلائم الحدث، وتعليق قواعد القانون العادي لفائدة استثناءات مؤقتة. وبهذا المعنى، فإن المغرب نفسه يقدم اليوم سابقة قريبة لاختبار هذه الفرضية ميدانيا، باستضافته كأس أمم إفريقيا 2025: فالسؤال الذي يستحق متابعة رصينة هو هل استفادت فعلا المناطق المجاورة للملاعب الجديدة والممرات اللوجستية المصاحبة، أم بقي الأثر مركزا في المدن المستضيفة الكبرى؟ سؤال يحول النقاش من تكهن نظري إلى مساءلة قابلة للتحقق التجريبي على أرض وطنية لا أجنبية.
ولنضرب مثالا عن هذا الاشتباك بين العلم والواقع بالنقد الأكاديمي الذي واكب تجربة جنوب إفريقيا 2010، وما تبعه من دراسات حول استدامة المنشآت الرياضية بعد انتهاء الحدث، والذي دفع لاحقا منظمي استحقاقات رياضية كبرى أخرى إلى اشتراط “مخططات ما بعد الحدث” ضمن دفاتر التحملات، تفاديا لتكرار الهدر ذاته. وحين يجد الباحث في علم السياسة نفسه اليوم مُطالِبا بصياغة توصيات بشأن “حكومة المونديال”، فإنه لا يخرج عن صلب اختصاصه، بل يمارسه في أنصع تجلياته: أن يضع معرفته في خدمة سؤال عمومي لا أن يكتفي بمراقبته من برج أكاديمي بعيد أو الانكفاء على ‘تحليل تراجعي’ (Ex-post) يقتصر على تفسير الأزمات بعد وقوعها.
إكراه الزمن الدولي وتحدي الشرعية
المأزق الأول الذي ستواجه الحكومة المقبلة، والذي على الأحزاب التنبه له، هو إمكانية تجميد النقاش السياسي العام: فعندما تصبح الأولوية القصوى هي الالتزام بآجال زمنية دولية صارمة لبناء الملاعب وتوسيع المطارات وربط المدن بالقطارات فائقة السرعة، قد يتحول الفاعل السياسي من “مشرع وصانع سياسات” إلى “مقاول تنفيذي”.
في لغة السياسة، هذا يعني إزاحة “الشرعية التمثيلية” (ما يريده الناخب) لصالح “الشرعية الإنجازية” (ما تفرضه أجندة الحدث).
وخطورة هذه الإزاحة أنها تجرد المواطن قبل كل شيء من فاعليته السياسية، لتختزل دوره من شريك في رسم الاختيارات العامة إلى متلق لخيارات تدبيرية فوقية. من هذا المنطلق يفقد الناخب معياره في المحاسبة: فبدل أن يسائل الحكومة عن مدى وفائها ببرنامج سياسي اختاره هو بنفسه أثناء تصويته، يجد نفسه مطالبا بالحكم عليها وفق سقف زمني فرضه طرف خارجي لا علاقة له بأولوياته اليومية.
ليس هذا الانزياح افتراض نظري، في عام 2013، وقبيل انطلاق بطولة كأس القارات وكأس العالم 2014 في البرازيل، اجتاحت شوارع ‘ريو دي جانيرو’ و’ساو باولو’ احتجاجات رُفعت فيها شعارات من قبيل: “نريد مستشفيات ومدارس بمعايير الفيفا، وليس فقط ملاعب!”.
تكشف هذه المحطة أن الزخم الرمزي للحدث الرياضي الضخم سرعان ما يتراجع أمام المطالب الاجتماعية، إذا ما لمس المواطن أن التموقع الدولي للبلد يتحقق على حساب أولوياته المعيشية اليومية.
وعلى النقيض من السيناريو البرازيلي، حيث شكل الاحتجاج الشعبي صمام أمان نسبيا لكونه مَثَّلَ ثِقلا مجتمعيا مضادا كبح انفراد الدوائر التقنية بالقرار، وأجبر السلطة التنفيذية على التجاوب مع الأولويات الاجتماعية مما أعاد فرض المساءلة، تكشف تجربة سوتشي 2014 ما يحدث حين تغيب الرقابة الديمقراطية كليا: فقد بلغت الكلفة الإجمالية للأولمبياد الروسي نحو 51 مليار دولار، في غياب أي معارضة سياسية أو إعلامية قادرة على كبح هذا التضخم. وهي الحالة النموذجية التي استند إليها ‘مارتن مولر’، صاحب مفهوم “متلازمة الحدث الضخم”، إذ خصص لهذه التجربة دراسة مستقلة وثق فيها كيف تتحول “الحتمية التقنية العابرة للأحزاب”، حين تُترك بلا رقابة شعبية، إلى انفلات كامل للكلفة بعيدا عن أي محاسبة.
فخ “التكنوقراطية الحزبية”: هل نحن أمام نهاية السياسة كمفهوم؟
قد تدفع الإرادة التدبيرية للأحزاب السياسية التي تطمح لقيادة الحكومة المقبلة أن تتخلى – طوعا أو كرها – عن “السياسيين التقليديين” (خطباء المنابر ومحركي الرأي العام) لصالح “التكنوقراط الحزبيين” (المهندسين، خبراء المال، ومدبري المشاريع الكبرى).
هذا التحول يُنتج مفارقة: أحزاب سياسية تقود حكومة تكنوقراطية، ذلك أن الإطار الإيديولوجي الذي تأسست عليه هذه الأحزاب تاريخيا يكاد يغيب عن خطابها العملي اليوم، فيما تتقدم “الكفاءة” وحدها معيارا للثقة.
هذا الاندفاع الحزبي نحو تقديم الكفاءات التقنية على حساب النخب السياسية التقليدية، يُجسِّد في العمق ما يصفه عالم الاجتماع السياسي ‘كولن كروتش’ بمفهوم ‘ما بعد الديمقراطية’ (Post-Democracy): ويقصد به استمرار الأشكال الديمقراطية الشكلية من انتخابات وبرلمان وأحزاب، بينما ينتقل مركز القرار الفعلي إلى دوائر تقنية ضيقة بعيدة عن المساءلة الشعبية المباشرة. أما الآلية الإجرائية التي تعتمدها الأحزاب لتبرير هذا الانتقال فتحددها أدبيات ‘نزع الطابع السياسي’ (Depoliticization)، كما طورها ‘بيتر برنهام’ و’ماثيو فلندرز’ و’كولين هاي’: إخراج قضية عمومية من حقل التنازع الديمقراطي، وإعادة صياغتها كمسألة تقنية محايدة لا تحتمل خيارات متعددة، بل حلا واحدا تحدده الكفاءة لا الإرادة الشعبية.
وبموجب هذا التحول، لن تعود المنافسة الانتخابية سجالا حول “من يملك الرؤية الاجتماعية الأعدل لتوزيع الثروة؟”؛ بقدر ما ستصبح: “من يملك الكفاءة التقنية الأفضل لإدارة الصفقات وإنجاز الأوراش بلا تأخير؟”.
وهذا الانزياح نحو نزع الطابع السياسي سيفرغ التعددية الحزبية من معناها الباقي، ويجعل البرامج الانتخابية نسخا مكررة لتقرير واحد، محورها الأساسي: كيف نكون في الموعد عام 2030؟
والمفارقة أن هذا التقارب القسري بين البرامج قد ينتج أثرا عكسيا لما هو منتظر منه: فبدل أن يطمئن الناخب إلى كفاءة الجميع، قد يفقد الثقة في جدوى التصويت أصلا، ما دامت كل البرامج تتبنى التقرير التقني نفسه، وهو ما قد يغذي الامتناع الانتخابي الواعي ويضعف فكرة التصويت العقابي في المحطات اللاحقة.
كلفة الفرصة البديلة: جدلية “المركز” و“الهامش”
في علم اقتصاد السياسة، تبرز معضلة “كلفة الفرصة البديلة” كأكبر تحد سيواجه الحكومة المقبلة. كل درهم يُستثمر في تجديد ملعب أو بناء فندق، هو درهم يُسحب – نظريا وعمليا – من ميزانيات صامتة أخرى: كصناديق الدعم، أو برامج تشغيل الشباب، أو دعم القدرة الشرائية أمام التضخم.
وما يضاعف من حدة هذا الاختيار أن الموارد العمومية محدودة بطبيعتها في سياق ضغط مزدوج: مديونية متصاعدة من جهة، وضغط اجتماعي متجدد من جهة أخرى؛ ما يعني أن كل أولوية تُمنح لمشاريع المونديال هي بالضرورة أولوية تُسحب، ولو جزئيا، من أوراش اجتماعية أخرى لا تقل إلحاحا.
وإذا تأملنا تجربة جنوب إفريقيا 2010، نجد أن بعض الملاعب العملاقة تحولت بعد رحيل المشجعين وكاميرات العالم إلى ما يُعرف بـ “الفيلة البيضاء” (White Elephants)، منشآت تكلف الملايين لصيانتها سنويا دون أن تعود بنفع مباشر على التنمية المحلية للمواطن البسيط. ولم يكن السبب نقص الإمكانات بقدر ما كان غياب تصور مندمج يربط المنشأة الرياضية، منذ التصميم، باحتياجات محيطها.
وإذا كانت تجربة جنوب إفريقيا قد كشفت عن كلفة الصيانة المهملة، فإن تجربة أثينا 2004 تذهب أبعد من ذلك: إذا ربطنا بين الإنفاق الضخم وغير المُرَشَّد على البنية الأولمبية، الذي قارب تسع مليارات دولار، وتفاقم أزمة المديونية السيادية اليونانية التي انفجرت لاحقا عام 2010. هنا لا يتعلق الأمر بمنشأة مهملة فحسب، بل بكلفة اقتصادية كلية انتقلت من ميزانية قطاع إلى ميزان الدولة ذاته، وهو ما يحول “كلفة الفرصة البديلة” من معضلة تدبيرية قطاعية إلى مخاطرة تمس الاستقرار المالي الكلي للبلد المضيف.
وإلى جانب هذه التجارب، تذكرنا تجربة قطر 2022 بدورها بأن الكلفة الاجتماعية للاستعجال التنظيمي والكلفة الاستراتيجية للأجندة الإعلامية تفرض تحديات كبرى لضمان الاستدامة، مما يؤكد ضرورة التخطيط المسبق لتفكيك البنيات أو إعادة استخدامها بطرق مرنة لتحقيق استدامة المنشآت بعد انتهاء الحدث.
والمعيار الأنسب لقياس هذا الاختيار ليس حجم الإنفاق وحده، بل ما يسميه الاقتصادي ‘أمارتيا صن’ “مقاربة القدرات”: فالتنمية الحقيقية تقاس بمدى توسيع الحريات الفعلية للأفراد، أي قدرتهم الفعلية على الوصول إلى الصحة والتعليم والشغل والتنقل، لا بحجم البنية التحتية المنجزة وحدها. وعلى سبيل المثال، فإن قطارا فائق السرعة يربط بين مدينتين كبريين دون أن يخدم القرى المجاورة لمساره يوسع قدرة فئة محدودة على التنقل، لكنه لا يضيف شيئا إلى قدرة ساكنة تلك القرى على الوصول إلى المستشفى أو المدرسة، وهو بالضبط ما تقيسه مقاربة القدرات حين تفرق بين توفر البنية وفعالية الانتفاع بها.
سد الفجوة: الرهان الحقيقي للحكومة المقبلة
المطلوب ليس الهروب من استحقاق المونديال، فهو فرصة تاريخية يحسن عدم تفويتها لتحديث البنية التحتية وتسريع الاستثمار، بل الرهان هو: كيف يمكن تحويل مشاريع المونديال إلى رافعة للعدالة المجالية؟
وهذا الرهان ليس طوباويا: فتجربة لندن 2012 تقدم نموذجا ملموسا لإمكانية تحقيقه، حين أحدثت السلطات البريطانية مؤسسة مخصصة لتدبير ما بعد الحدث، أوكلت إليها صلاحيات التخطيط الكاملة على المنطقة المضيفة، بهدف معلن هو سد فجوة الحرمان بين الأحياء الشرقية المضيفة للألعاب وباقي العاصمة. لم تكن الحصيلة كاملة ولا خالية من الانتقادات، لكنها أثبتت أن دمج “ما بعد الحدث” في التصميم منذ البداية، عبر مؤسسة محددة المهام ومحاسبة على نتائجها، يحول المنشأة من عبء محتمل إلى رافعة تنموية فعلية.
من المفيد التذكير أن الخيارات التنموية الموازية للحدث وإن كانت تتطلب اعتمادات مالية مستقلة، إلا أن كلفة استدامتها وإرثها التنموي يبرر استثمارها الاستباقي ودمجها في هندسة المشاريع الكبرى منذ البداية.
فالقطار فائق السرعة سيمد خطوط طاقته على طول مساره أيا كانت محطاته، والشبكة الرقمية ستحفر خنادقها بالقرب من قرى لم تكن لتستفيد لولا مرور المشروع من جوارها. والسؤال الحقيقي إذن ليس هل نملك الموارد، بل لمن نوجه المحطة التالية. وهذا يقتضي:
أن يعني القطار فائق السرعة فك العزلة عن القرى المجاورة للمسار عبر تبني مقاربة “النقل متعدد الوسائط”، بتصميم شبكات نقل جهوية ومحلية مدمجة (خطوط حافلات حديثة، قطارات جهوية) تعمل كشرايين مغذية تضمن ربط القرى بالمناطق المحيطة بالمنشآت الكبرى ومحطات الربط، بما يضمن فك العزلة المجالية وتحقيق الانتفاع الفعلي من العائد الهندسي والتنموي للمشروع؛
أن تعني شبكة الرقمنة الجديدة ربط المدارس العمومية البعيدة بالإنترنت لتقليص الفجوة الرقمية وتحقيق تكافؤ الفرص المعرفي؛
أن يعني المستشفى المشيد لتأمين ضيوف البطولة، إرساء صرح طبي مستدام يخدم أبناء المنطقة لعقود قادمة؛
إذا نجحت الحكومة المقبلة في الموازنة بين “دفتر الفيفا” و“دفتر مطالب الشعب”، ستكون قد حققت الانتصار السياسي الأكبر. أما إذا اكتفت بدور “مدير المشروع” الصارم، فإنها قد تكسب رضا الإشادة الدولية، لكنها ستخسر عمقها السياسي وشرعيتها الشعبية. فالنجاح الحقيقي لن يُقاس بمدى إبهار حفل الافتتاح أو جودة النقل التلفزيوني، بل بقدرة هندستها التدبيرية على تحويل هذا ‘الحدث العابر’ إلى رافعة حقيقية لاستحقاقات اجتماعية مستدامة.






تعليقات الزوار ( 0 )