يكشف تقرير استشرافي جديد صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن المشهد الحزبي والانتخابي المغربي يقف أمام منعطف حاسم في أفق سنة 2035، في ظل استمرار أزمة الثقة بين المواطن والأحزاب السياسية، واتساع دائرة العزوف الانتخابي، مقابل بروز تحديات جديدة تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية، حيث يعتبر أن مستقبل الديمقراطية المغربية بات رهينًا بقدرة مختلف الفاعلين على إعادة بناء الوساطة السياسية واسترجاع ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
ويرصد التقرير، الممتد على أكثر من خمسة عقود من التطور السياسي والانتخابي، جملة من المؤشرات الرقمية التي تعكس حجم التحديات المطروحة، من أبرزها استمرار اتساع ما يسميه بـ”الفئة الصامتة”، وتراجع الثقة في الأحزاب السياسية، مقابل تقديم خارطة طريق إصلاحية تمتد بين سنتي 2026 و2035، ترتكز على الإصلاح الحزبي، والعدالة الاقتصادية والرقمنة والذكاء الاصطناعي باعتبارها أدوات داعمة لتعزيز المشاركة والشفافية، وليس بديلا عن الديمقراطية التمثيلية.
أزمة الوساطة
يرى التقرير أن الإشكال الرئيسي الذي يواجه الحياة السياسية المغربية لا يرتبط فقط بانخفاض نسب المشاركة الانتخابية، وإنما يتجاوز ذلك إلى أزمة بنيوية تمس وظيفة الأحزاب باعتبارها وسيطًا بين المجتمع والدولة.
ويعتبر أن ما يسميه بـ”الفئة الصامتة” لم يعد مجرد مؤشر انتخابي، بل أصبح يعكس حجم التآكل الذي أصاب الثقة في العمل الحزبي وفي قدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.
وبحسب التقرير، فإن الانتخابات التشريعية خلال العقود الستة الماضية أظهرت منحى تنازليًا في نسب المشاركة، بعدما انتقلت من مستويات مرتفعة خلال سبعينيات القرن الماضي إلى أدنى نسبة بلغت 37 في المائة سنة 2007، قبل أن ترتفع إلى 50.35 في المائة خلال انتخابات 2021.
وغير أن التقرير ينبه إلى أن هذه النسبة تخص المسجلين في اللوائح الانتخابية فقط، في حين أن عدد المصوتين الفعليين لم يتجاوز 8.8 ملايين ناخب من أصل أكثر من 25.23 مليون مواطن بلغوا سن التصويت، وهو ما يعني أن ما يفوق 16 مليون شخص ظلوا خارج العملية الانتخابية.
ويعتبر معدو هذه الدراسة أن هذا المعطى يجعل “الامتناع عن التصويت” أكبر قوة انتخابية في البلاد، بما يفوق من حيث الحجم جميع الأحزاب السياسية، وهو ما يفرض بحسب التقرير، مراجعة عميقة لطبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية.
أرقام مقلقة
يبرز التقرير عددا من المؤشرات التي اعتبرها مفاتيح لفهم المشهد السياسي الحالي؛ إذ يشير إلى أن نحو 65 في المائة من المؤهلين للتصويت يمثلون ما يعرف بالفئة الصامتة، مقابل هدف يتمثل في تقليص هذه النسبة إلى 40 في المائة بحلول سنة 2035، مع رفع معدل المشاركة الانتخابية من حوالي 45 في المائة إلى 65 في المائة خلال الفترة نفسها.
كما يقترح خفض معدل البطالة الوطني من 13 إلى 5 في المائة، ورفع معدل النمو الاقتصادي إلى 6 في المائة باعتبارها أهدافًا مرتبطة باستعادة الثقة السياسية.
وفي المقابل، يؤكد التقرير أن المغرب يتوفر على مؤهلات مهمة لإنجاح هذا التحول، من بينها الإطار الدستوري، والدينامية الاقتصادية، واتساع استخدام الوسائط الرقمية، غير أن نجاح هذه المؤهلات يظل مرتبطًا بإحداث ما يصفه التقرير بـ”هندسة ديمقراطية جديدة” تعيد الاعتبار للوساطة السياسية وتوظف الرقمنة والذكاء الاصطناعي لخدمة الشفافية والمشاركة.
تطور انتخابي
يستعرض التقرير المسار التاريخي للمشهد السياسي المغربي منذ الاستقلال، مقسمًا إياه إلى أربع مراحل رئيسية، تبدأ بمرحلة التأسيس التي اتسمت بسيطرة الدولة على الحياة السياسية، مرورًا بمرحلة التوتر التي شهدت تراجعًا في نسب المشاركة،
وتأتي بعد ذلك؛ مرحلة الانفتاح السياسي خلال تسعينيات القرن الماضي، وصولا إلى مرحلة دستور 2011 التي عززت اختصاصات المؤسسات المنتخبة، دون أن تتمكن، بحسب التقرير، من القضاء على فجوة الثقة القائمة بين المواطن والعمل السياسي.
ويشير المصدر ذاته، إلى أن منحنى المشاركة الانتخابية يعكس بشكل مباشر طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، موضحًا أن ارتفاع نسب المشاركة ارتبط تاريخيًا بفترات الأمل والإصلاح، في حين سجلت أدنى المستويات خلال فترات اتساع الإحباط السياسي والاجتماعي، الأمر الذي يجعل المشاركة الانتخابية، وفق معدي الدراسة، مؤشرًا على جودة العقد الاجتماعي أكثر من كونها مجرد رقم انتخابي.
“تطاير حزبي”
يتوقف التقرير عند ما يسميه “التطاير الانتخابي”، مستدلا بالتحولات الكبيرة التي عرفتها نتائج انتخابات 2021، حيث انتقل الحزب الذي تصدر انتخابات 2016 من 125 مقعدًا إلى 13 مقعدًا فقط، مقابل صعود حزب آخر من 37 إلى 102 مقاعد خلال دورة انتخابية واحدة.
وترى الدراسة أن هذه التحولات لا تعكس بالضرورة استقرارًا في الولاءات الحزبية، بقدر ما تعبر عن تصويت عقابي وظرفي يعكس هشاشة الوساطة السياسية وضعف الانتماء البرامجي لدى الناخبين.
ولفتت إلى أن تعديل طريقة احتساب القاسم الانتخابي سنة 2021 ساهم بدوره في إعادة توزيع المقاعد بين الأحزاب، وهو ما يستوجب قراءة النتائج في سياقها القانوني والسياسي، وليس من خلال الأرقام المجردة فقط.
الفئة الصامتة
يخصص التقرير حيزًا مهمًا لتحليل ما يسميه بـ”الفئة الصامتة”، وهي مجموع المواطنين المؤهلين للتصويت الذين لا يشاركون في العملية الانتخابية، سواء بسبب عدم التسجيل في اللوائح أو الامتناع عن التصويت رغم تسجيلهم.
ويعتبر أن هذه الفئة لم تعد مجرد ظاهرة انتخابية عابرة، بل أصبحت تعكس أزمة ثقة عميقة في المؤسسات والأحزاب، إلى درجة أنها باتت، من حيث الحجم، القوة الأولى داخل المشهد الانتخابي المغربي.
وتشير المعطيات الواردة إلى أن عدد المواطنين البالغين سن التصويت بلغ حوالي 25.23 مليون شخص خلال انتخابات 2021، بينما لم يتجاوز عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17.51 مليونًا، في حين لم يدل بأصواته سوى 8.8 ملايين ناخب، أي ما يعادل 34.9 في المائة فقط من مجموع المؤهلين للتصويت.
ويبقى أكثر من 16.4 مليون مواطن ظلوا خارج الفعل الانتخابي، بما يمثل نحو 65.1 في المائة من الهيئة الناخبة المحتملة.
ويعتبر التقرير أن هذه الأرقام تطرح تساؤلات عميقة حول مدى اتساع قاعدة التمثيل الديمقراطي، وتؤكد أن الأغلبية البرلمانية تستند، في الواقع، إلى قاعدة انتخابية أضيق بكثير مما تعكسه النتائج الرسمية.
وتربط الدراسة هذا العزوف بجملة من العوامل، في مقدمتها ضعف الثقة في الأحزاب والمؤسسات، والإحساس بعدم جدوى المشاركة السياسية، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل قضايا المعيشة أولوية لدى فئات واسعة من المواطنين.
وأشارت إلى غياب برامج سياسية قادرة على استعادة الثقة وإقناع الناخب بأن صوته يمكن أن يحدث أثرًا حقيقيًا في السياسات العمومية، لافتا إلى أن العزوف يختلف من فئة إلى أخرى، إذ ترتفع نسبه داخل الأوساط الحضرية والشابة والمتعلمة، بينما تسجل بعض المناطق القروية مستويات مشاركة أعلى بفعل خصوصياتها الاجتماعية والمحلية.
وحذرت من أن استمرار هذا الوضع يهدد بتآكل الشرعية التمثيلية للمؤسسات المنتخبة، ويفتح المجال أمام انتقال النقاش العمومي إلى فضاءات غير مؤطرة يصعب إخضاعها لمنطق المساءلة الديمقراطية.
ودعت إلى اعتماد التسجيل الآلي في اللوائح الانتخابية، وإعداد خرائط دقيقة للعزوف حسب الجهات والفئات العمرية، إلى جانب تطوير آليات رقمية آمنة لتبسيط عملية التصويت وتقليص الفجوة بين المؤهلين والمشاركين في الانتخابات.
تجديد النخب
رغم الصورة القاتمة التي يرسمها التقرير للمشاركة السياسية، فإنه يرصد في المقابل بعض المؤشرات الإيجابية، وعلى رأسها التطور الذي عرفته تمثيلية النساء داخل مجلس النواب، حيث ارتفعت من 35 مقعدًا، بما يعادل 10 في المائة سنة 2002، إلى 96 مقعدًا بنسبة 24.3 في المائة خلال انتخابات 2021.
واعتبر أن هذه القفزة تؤكد قدرة الإصلاحات المؤسساتية على إحداث تغيير ملموس عندما تقترن بإرادة سياسية وآليات قانونية واضحة، مشددًا في الوقت ذاته على أن الحضور العددي للنساء لا يعني بالضرورة امتلاكهن التأثير نفسه داخل دوائر اتخاذ القرار، ما يجعل الانتقال من التمثيل إلى الفاعلية أحد أبرز تحديات المرحلة المقبلة.
وفيما يتعلق بالشباب، يؤكد التقرير أن تراجع انخراطهم في الأحزاب لا يعني ابتعادهم عن الشأن العام، بل يعكس انتقالهم إلى فضاءات جديدة للمشاركة، خصوصًا عبر المنصات الرقمية والقضايا المرتبطة بالتعليم والتشغيل والبيئة والعدالة الاجتماعية.
ويرى أن الرهان الحقيقي يتمثل في تجديد المؤسسات الحزبية نفسها، بما يجعلها أكثر قدرة على استيعاب هذا الجيل، عبر تعزيز الديمقراطية الداخلية، وفتح المجال أمام القيادات الشابة، واعتماد أدوات تواصل ومشاركة تتلاءم مع التحولات الرقمية التي يعرفها المجتمع.
رهان اقتصادي
لا يفصل التقرير بين الإصلاح السياسي والأوضاع الاقتصادية، بل يعتبر أن استعادة الثقة في المؤسسات تمر أيضًا عبر تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
ومن هذا المنطلق، يقترح برنامجًا اقتصاديًا مرجعيًا يرتكز على التشغيل، والعدالة المجالية، والتحول الرقمي، والإصلاح الضريبي، والتنمية المستدامة، باعتبارها أولويات قادرة على إعادة ربط المواطن بالسياسات العمومية.
ويبرز التقرير أن معدل البطالة الوطني يبلغ 13 في المائة، غير أن هذه النسبة ترتفع إلى 37.2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وإلى 19.1 في المائة في صفوف حاملي الشهادات، وهو ما يراه مؤشرًا على اختلالات هيكلية في سوق الشغل تنعكس مباشرة على الثقة في المؤسسات وعلى المشاركة السياسية.
ولذلك يقترح التقرير رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 6 في المائة بحلول سنة 2035، وخفض البطالة إلى 5 في المائة، مع ربط الحوافز العمومية والضريبية بخلق فرص شغل مستدامة، وإطلاق برامج خاصة بإدماج الشباب وحاملي الشهادات في القطاعات الاقتصادية الواعدة.
رقمنة الديمقراطية
يعتبر التقرير أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يشكلان أحد أهم رهانات تحديث الديمقراطية المغربية خلال العقد المقبل، شريطة توظيفهما كوسيلتين لتعزيز الشفافية والمساءلة وتوسيع المشاركة، وليس كبديل عن المؤسسات التمثيلية.
ويرى أن الرقمنة يمكن أن تسهم في تبسيط الخدمات الانتخابية، وتحسين التواصل بين المنتخبين والمواطنين، وتوفير مؤشرات دقيقة لتقييم الأداء العمومي، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويقوي آليات المشاركة الديمقراطية.
خارطة الإصلاح
يلفت التقرير إلى أن تجاوز الأزمة الحالية يقتضي إطلاق إصلاحات متكاملة خلال الفترة الممتدة بين 2026 و2035، تشمل تجديد الحياة الحزبية، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وربط البرامج الانتخابية بمؤشرات قابلة للقياس، وتحسين جودة الوساطة السياسية، إلى جانب تطوير الإعلام السياسي، وتوسيع مشاركة النساء والشباب، واعتماد آليات دورية لقياس مستويات الثقة والمشاركة.
ودعا إلى بناء نموذج ديمقراطي مغربي يستند إلى خصوصيات المملكة الدستورية، ويستفيد في الوقت نفسه من فرص الرقمنة والتحول التكنولوجي، بما يضمن تحقيق تنمية اقتصادية أكثر شمولًا، واستعادة ثقة المواطن في المؤسسات المنتخبة.
وأكد على أن مستقبل المشهد الحزبي والانتخابي لن يتحدد فقط بنتائج الاستحقاقات المقبلة، وإنما بمدى نجاح مختلف الفاعلين في تحويل الديمقراطية من ممارسة انتخابية دورية إلى علاقة ثقة مستدامة بين المواطن والمؤسسة؛ قوامها الفعالية والشفافية والقدرة على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية التي سيعرفها المغرب في أفق سنة 2035.




تعليقات الزوار ( 0 )