أخبار ساعة

11:15 - هل يفتح وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل ومحادثات واشنطن طهران باب تراجع أسعار النفط؟10:30 - تحول لافت في خطاب البوليساريو: من خيار “الاستقلال الحتمي” إلى القبول بالحكم الذاتي… هل يقترب نزاع الصحراء من نهايته؟09:00 - ضباب خفيف وأمطار متفرقة مع رياح قوية00:11 - من يدفع ثمن قرارات تقييد استيراد اللحوم في المغرب؟23:58 - غضب مهني من منع تصدير الطماطم نحو الأسواق الإفريقية23:52 - الحصيلة الحكومية.. نمو قوي أم اختلال اجتماعي؟23:35 - التفسير الإشاري للقرآن الكريم23:28 - روائح كريهة تحاصر الساكنة بأورير ودعوات لتدخل “الدرك البيئي”22:58 - إطلاق الدورة الثالثة لـ”أسبوع الضيافة” لتعزيز التميز السياحي بالمغرب22:54 - “الساعة الإضافية” تحت المجهر.. دراسة صادمة تكشف اختلال الساعة البيولوجية للمغاربة
الرئيسية » مقالات الرأي » من عقلٍ يبرهن إلى برهانٍ يُعقِل: ابن رشد في مرآة الجابري

من عقلٍ يبرهن إلى برهانٍ يُعقِل: ابن رشد في مرآة الجابري

ليس الجمع بين ابن رشد ومحمد عابد الجابري استدعاءً تاريخيًا ولا مقابلةً تعليمية بين اسمين يفصل بينهما الزمن، بل هو امتحانٌ للعقل حين يُسأل عن قدرته على إنقاذ نفسه من مصادَرةٍ مزدوجة: مصادَرة النص حين يُعطَّل باسم القداسة، ومصادَرة الواقع حين يُختزل باسم الحداثة. هنا لا نلتقي بفيلسوفٍ يشرح، ولا بمفكرٍ يؤرشف، بل بعقلين يتحاوران عبر سؤالٍ واحد: كيف يُستعاد البرهان بوصفه نمطَ حياةٍ لا تقنيةَ تفكير؟

كان ابن رشد قد دخل معركته في لحظةٍ تَشَقَّق فيها الوعي بين حكمةٍ تُتَّهَم، وشريعةٍ تُستَعمَل. لم يدافع عن الفلسفة لأنها فلسفة، بل دافع عن العقل لأنه شرط العدالة في الفهم، ولأن الحقيقة لا تُجزَّأ دون أن تفقد معناها. وحين قال إن الحقيقة لا تضاد الحقيقة، لم يكن يؤسّس لمصالحةٍ لفظية، بل يرسم هندسةً للمعرفة تُحرِّر النص من الجمود، وتُخلِّص العقل من الغرور. في تلك اللحظة، وُلد البرهان بوصفه ممارسةً أخلاقية: أن تقول ما ينبغي قوله في المقام الذي يليق به.

بعد قرون، لم يَعُد السؤال هو ذاته، لكن المأزق ظلّ واحدًا. الجابري لم يرَ في ابن رشد ماضيًا يُستعاد، بل إمكانًا يُستثمر. لم يقرأ الرشدية بوصفها تراثًا يُحفظ، بل بوصفها أداةً لإعادة ترتيب العقل العربي من الداخل. فالقطيعة التي واجهها لم تكن بين الدين والفلسفة، بل بين التراث وقدرته على أن يكون معاصرًا لنفسه. من هنا، تحوّل البرهان من كونه جهازًا منطقيًا إلى كونه معيارًا حضاريًا: كيف نفكّر؟ ولماذا نفكّر بهذه الطريقة؟ ومن أي موقعٍ نتكلّم؟

في هذا التحويل يكمن جوهر اللقاء: ابن رشد قدّم عقلًا يُبرهن، والجابري سعى إلى برهانٍ يُعقِل. الأوّل حرّر العلاقة بين الحكمة والشريعة اتصالًا لا انفصالًا، والثاني أعاد بناء العلاقة بين التراث والحداثة وصلًا لا قطيعة. ليس المطلوب أن نُسقط أحدهما على الآخر، بل أن نفهم كيف يصبح العقل قادرًا على أن ينقد ذاته دون أن ينقلب عليها. فالرشدية هنا ليست نصًا يُعاد شرحه، بل منطقًا يُعاد تشغيله داخل سياقٍ جديد.

غير أنّ هذا التشغيل لا يتمّ بلا موقف. الرشدية، في صيغتها الجابرية، ليست حيادًا معرفيًا ولا تقنيةً تحليلية باردة؛ إنها انحيازٌ صريح إلى العقل الأخلاقي، ذاك الذي يرى أن المعرفة بلا قيمةٍ تُصبح أداةَ هيمنة، وأن السياسة بلا نقدٍ تتحوّل إلى استبدادٍ مقنَّع. لذلك لم يكن ربط الجابري بين ابن رشد والإصلاح السياسي ربطًا عارضًا، بل ضرورةً منهجية: فالعقل الذي لا يحرس العدالة يفقد مشروعيته، والسلطة التي لا تخضع للمساءلة تُنتج الجهل باسم النظام.

في هذا الأفق، يغدو ابن رشد أكثر من شخصيةٍ فلسفية؛ يصبح مبدأً للحركة داخل الثقافة. ليس رمزًا للتسامح العقلي فحسب، بل اختبارًا دائمًا لمدى قدرتنا على الفصل بين المقامات دون أن نمزّق المعاني. فكما رفض ابن رشد أن يتسلّط خطاب الوعظ على مجال البرهان، يرفض الجابري أن تتحوّل التقنية الحديثة إلى سلطةٍ تُفرغ القيم من محتواها. العقل، هنا، ليس خصمًا للإيمان، ولا خادمًا للواقع، بل وسيطًا بين الحقيقة وكرامة الإنسان.

هكذا يعود ابن رشد من منفاه، لا بوصفه قاضي قرطبة، بل بوصفه قاضي هذا العصر: يحاكم الجهل حين يتزيّا بلباس الدين، ويحاكم العقل حين يتوهّم العصمة باسم الحداثة. الرشدية، بهذا المعنى، ليست رجوعًا إلى الوراء ولا قفزًا إلى الأمام، بل عبورٌ واعٍ بينهما. إنها إعلانٌ أن البرهان لا يكتمل إلا إذا صار أسلوبًا في العيش، وأن العقل لا يستقيم إلا إذا اقترن بالحرية. وفي هذا التلاقي العميق بين فيلسوفٍ ومفكر، يتجدّد السؤال لا عن الماضي، بل عن إمكان المستقبل

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

من يدفع ثمن قرارات تقييد استيراد اللحوم في المغرب؟

17 أبريل 2026 - 12:11 ص

في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق، لم يعد ملف اللحوم في المغرب مجرد قضية فلاحية أو تجارية، بل تحول إلى اختبار

التفسير الإشاري للقرآن الكريم

16 أبريل 2026 - 11:35 م

ما إن نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدأت عملية التفسير، وكان النبي صلى الله عليه وسلم

نظرية التغيير عند منير شفيق  والواقع العربي المعاصر

16 أبريل 2026 - 9:34 م

ملخص الدراسة تناول هذه الدراسة نظرية التغيير عند المفكر الفلسطيني منير شفيق، متتبعة مساره الفكري الحافل بالتحولات العميقة من الماركسية

سكان بلاد المغرب ما بين “إيمازيغن” و”إيحرضانن”

16 أبريل 2026 - 1:16 م

دَرَجَت كُتب التاريخ، الوسيط منها والحديث وحتى المعاصر، على القول بأن سكان بلاد المغرب (شمال إفريقيا) “الأولين” هم “البربر”. وهو

الفن في خدمة الذاكرة الفلسطينية والمقاومة

15 أبريل 2026 - 11:35 م

في سياق يتصاعد فيه الصراع حول السرديات والذاكرة والتمثيل الرمزي، تحتضن مؤسسة أرت كوم سوب بالرباط، يوم الخميس 16 أبريل

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°