دَرَجَت كُتب التاريخ، الوسيط منها والحديث وحتى المعاصر، على القول بأن سكان بلاد المغرب (شمال إفريقيا) “الأولين” هم “البربر”. وهو القول الذي قد لا يُستشكل إذا أخذنا بأن أصل كلمة “البربر” يوناني يُقصد بها الأقوام الخارجون عن نطاق الحضارة اليونانية، وقد يقابلها معنى “الأعاجم” (أو “إكناون” بلسان البربر)، أي الذين لا يتكلمون اليونانية. ولا يهمنا هنا إشكال ربط هذه الكلمة بالمعنى اللاحق الذي انزاح بها إلى معنى “الهمج” و”المتوحشون”. فلفضة “البربر” بمعنى “العجم”، تحتمل إذن شعوبا مختلفة حول الحوض المتوسطي ممن كانت خارج نفوذ الحضارتين اليونانية و الرومانية، بما فيها حتى شعوب أوربية.
كما أن لفضة البربر هنا، التي يتم ربطها كذلك بمن يتكلمون “اللسان البربري” بلهجاته المختلفة في بلاد المغرب، قد لا تطرح أي إشكال لكون النِّسبة إلى البربر بمن يتكلمون البربرية تشمل كل من يتكلمها في المنطقة: فنجد مثلا أنه إلى جانب قبائل بربرية تعرّبت فنُسبت إلى العرب نِسبةَ لسانٍ، هناك قبائلٌ عربية تبربرت فنُسبت إلى البربر نِسبةَ لسانٍ.
وفي نفس هذا السياق، وقياسا عليه، فإنه لا إشكال في نسبة المغرب إلى العرب فنقول “المغرب العربي”، هذا لأنها نسبة لسانِ وليس بالضرورة نسبةَ عِرق، كأننا نقول بتعبير آخر “المغرب العربوفوني” قياسا على الدول التي توصف بأنها “فرنكوفونية” أو”أنجلوفونية”…
منذ التاريخ الوسيط إذن، ظهرت ثنائية “العرب” و”البربر” في بلاد المغرب، واستمرت كذلك إلى بداية القرن العشرين، حيث إنه ظهرت بوادر حركة شبابية رفعت لواء “مراجعة وتصحيح تاريخ بلاد المغرب”، فتشكل لديها نفور من كلمة “البربر” بحكم المراجع الحديثة التي اعتمدت عليها، وهي في معظمها مراجع الإرث الذي خلفه الاحتلال الفرنسي. هؤلاء الشبان الذين درسوا تاريخ بلادهم بلغةٍ وبمنظورٍ فرنسيين، لم يقتنعوا بالمعاني التي قدمها مؤرخو العصر الوسيط لكلمة “بربر”، ورسَخَ في أنفسهم المعنى السلبي الذي خلفه عنها الرومان: “الهمج والمتوحشون”. و هكذا، اجتهد بعضهم في البحث عن اسم جامع لسكان المنطقة في إطار “نزوع قومي” واضح، فاستحبوا اسم “أمازيغ”.
ـ فهل تنحصر تشكيلة سكان بلاد المغرب في ثنائية “العرب” و”الأمازيغ” فقط؟
ـ وهل توفقت الحركة الأمازيغية في اختيارها؟
1ـ سكان بلاد المغرب من ثنائية “الليبيين” و”الإثيوبيين”…:
بالعودة إلى المصادر الأدبية للتاريخ القديم ، اليونانية والقرطاجية واللاتينية، منذ حوالي 2500 سنة، نجدها في شهاداتها (شهادة العيان) أنها تجمع على أن شمال إفريقيا كما نعرفها حاليا (من السواحل المتوسطية إلى التخوم الجنوبية للصحراء الكبرى) استوطنتها ثنائية بشرية كانت تتشكل من: “الليبيين” و”الإثيوبيين”. الليبيون هم الذين يمكن وصفهم بأنهم “بيض”. أما الإثيوبيون، فالمقصود بهم مباشرة ودون تكلف: “السود”، بِغَضِّ النظر عن درجات دُكنتهم الأقرب إلى السواد.
نأخذ على سبيل المثال حالة المغرب الأقصى لكي نكتشف هذه الثنائية البشرية القديمة التي لا يمكن إنكارها بحال. فبحسب رحلتَيْ “حنّون” القرطاجي و”سكيلاكس” الإغريقي اللتان وصفهما امحمد جبرون (في كتابه عن تاريخ المغرب القديم) بكونهما أكثر وضوحا في وصف سكان المغرب الأقصى من هيرودوت الذي كان أقرب إلى جهة الشرق (ليبيا حاليا)، تحدث “حنّون” في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد عن وجود الإثيوبيين في الجبال المحيطة بليكسوس؛ ووصف “سيلاكس” المغاربة الذين كانوا يعيشون جنوب أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق) بأنهم “إثيوبيون”.
فإذا أخذنا بالقراءات المختلفة لرحلة حنون في تحديدها لموقع “ليكسوس” الذي يقصده: فهناك من يرجح أنه نهر درعة عند المصب، وهناك من يرجح أنه نهر تانسيفت عند المصب (الصويرة)، وهناك من يحتمل أنه كذلك نهر سوس، وهناك من يرجح أنه هو نفسه نهر اللكوس عند المصب (العرائش) (حسب Jérôme Carcopino). ثم إذا عززنا هذا الترجيح الأخير بملاحظة “سيلاكس”، فهل يمكن القول أن الإثيوبيين (السود) كانوا يستوطنون المرتفعات التي تحيط بنهر ليكسوس الحالي (اللكوس)؟ وما هي الجبال عظيمة التي كان يقصدها حنون؟ هل يمكن أن تكون جبال الريف؟
و مهما تختلف تلك القراءات، فإن ما يُستنتج من وصف رحلة حنّون لسكان ليكسوس، أنه كانت هناك أقلية بيضاء عند المصب (السهل)، مقابل أغلبية سوداء تستوطن المرتفعات المجاورة.
تتحدث رحلة حنون، بناء على ما نقله (Jérôme Carcopino) بترجمة محمد التازي سعود، عن استقراره لمدة لدى “الليكسيين”، وهم رعاة رحل عند مصب نهر “ليكسوس”، وقد كانت بينهما على ما يبدو ألفة لم تحدث مع جيرانهم “الإثيوبيين”. تتحدث رحلة حنون عن هؤلاء بالقول: «وفوقهم كان يعيش الإثيوبيون الذين لا يُكرمون الضيف، وكانوا يسكنون أرضا مليئة بالحيوانات الشرسة، وتخترقها جبال عظيمة..».
بمعنى أننا هنا أمام مجموعتين بشريتن مختلفتين من حيث الطباع، و”العرق”، وربما حتى اللغة..، وكان بينهما على ما يبدو أنه “تنافر”. وإذا بدت لنا هنا ألفة للقرطاجيين (الفينيقيون) تجاه البيض (الليكسيون)، فإنهم قد استوحشوا السكان السود (الإثيوبيون). فلا ندري، هل كان ذلك الإحساس منهم مباشرة، أن بتأثير و إيعاز من البيض؟
و يلفت انتباهنا مصطفى أعشى في ترجمته لهيرودوت إلى أن الوصف الذي يصف به حنون الإثيوبيين المجاورين للكسوس في الجهة الغربية لشمال إفريقيا هو نفسه الوصف الذي وصف به هيرودوت الإثيوبيين الذين كان يطاردهم الغرامنت في الجهة الشرقية: فقد “كانوا يسكنون الكهوف، ولهم سرعة تفوق الوصف”.
و بتفحص أحاديث هيرودوت، نستنتج أن الليبيين كانوا يستوطنون السواحل في الأغلب. فـ «باستثناء المناطق الواقعة على البحر والجهات الساحلية التي يسكنها البشر، فإن ليبيا تحفل بالحيوانات المتوحشة. وإذا تجاوز المرء هذه المنطقة، تمتد أمامه منطقة رملية قاحلة وذات قفر مطبق». ثم يقول في موضع آخر في سياق وصفه للجزء الغربي من ليبيا حيث تكثر الغابات والوحوش (النصف الغربي من شمال إفريقيا) أن الليبيين حكوا له عن وجود أناس «لهم رؤوس كلاب أو لا رؤوس لهم، عيونهم في صدورهم […]، والرجال المتوحشون والنساء المتوحشات»؛ كأن هؤلاء الليبيين يتحدثون له عن أقوام يختلفون عنهم ويستوحش بعضهم بعضا. ثم يقول “سيلاكس” عن المجال الممتد ما بين المنطقتين اللتين وصفهما كل من هيرودوت وحنون: «و يدعي البعض أن هؤلاء الإثيوبيين يسكنون منطقة تمتد من هنا [قرني التي يعتقد أنها موكادور] إلى مصر بدون انقطاع». فإذا أخذنا بملاحظة هيرودوت من جهة الشرق، وملاحظة حنون من جهة الغرب، وربطناهما بملاحظة سيلاكس، فهل يمكننا القول أن المجال الممتد ما بين الأطلس الكبير غربا وواحة فزان شرقا كان يسكنها الإثيوبيون في الأغلب؟
و على العموم، ففي المغرب الأقصى، ننقل من ملاحظات مصطفى أعشى أن الكُتّاب القدامى قد وثقوا وجود الإثيوبيين في: واحة درعة وجنوب جبل روساديون، وموكادور، وسلا. بمعنى: على امتداد السواحل الأطلسية ابتداء من مضيق جبل طارق. وبحسب (Jérôme Carcopino)، فلقد عاش في المغرب البيض والسود معا جنبا إلى جنب، وذلك منذ تاريخ قديم. هذا التداخل الشديد بين العنصرين هو الذي جعل “سترابون” عاجزا عن وضع حد يفصل بدقة ما بين ليبيا التي يسكنها البيض وإثيوبيا الآهلة بالسود.
كما أن الوحشة ما بين الفينيقيين والإثيوبيين تجعلنا نرجح أن التجارة الصامتة التي وصفها هيرودوت على سواحل المغرب الأقصى كانت تتم مع الإثيوبيين (السود)، وليس مع الليبيين كما ظن البعض فخرجوا باستنتاجات غير موفقة. ومما يعزز هذا الترجيح ما افتتح به “ياقوت الحموي” وصفه لتجارة أهل المغرب مع أهل السودان الغربي في بداية القرن 13 م. بالقول: «إن السود في بلدهم كانوا يخشون المثول أمام التجار البيض»، ثم وصف تلك التجارة بشكل يكاد يتطابق مع وصف هيرودوت!..
2ـ … إلى ثنائية “إيمازيغن” و”إيحرضانن”
هذه الثنائية البشرية ما بين “الليبيين” (البيض) و”الإثيوبيين” (السود)، كأنها هي نفسها تماما الممتدة في الزمان و المكان من خلال الثنائية البشرية المتداولة بقوة في العصر الحالي في تصنيف سكان وسط وجنوب بلاد المغرب بدوله الخمس. وهو مجال تتجاوز مساحته ثلثي مساحة المنطقة بكثير.
تلك الثنائية المتداولة في العُرف الشعبي الموروث تتمثل في:
ـ وصف “البيض” بـ”إيمازيغن” أو “البيضان“… وترجيحنا لانزياح كلمة “أمزيغ” من مجرد وصف عادي للون “الأحمر” (في إشارة للعرق الأبيض) إلى المعنى الاستعلائي “الحر النبيل”، يعززه اسم “البيضان” المتداول في المناطق الصحراوية التي غلب عليها اللسان العربي، للإشارة إلى أحفاد الليبيين والعرب (في مقابل أحفاد الإثيوبيين) ممن يستوطنون الصحراء الكبرى.
ـ ووصف “السود” بـ”الحراطين“، أو “إسوقوين”، أو “إسمكان”… وكلمة “الحراطين” (جمع حرطاني) لا نراها إلا تحريفا لكلمة “أحرضان” البربرية التي تعني “الأسود” عندنا في جنوب شرق المغرب، و انزاح هذا اللون في السياق الاجتماعي للمنطقة من مجرد وصف عادي للون إلى معنى تحقيري يستتبع مرتبة اجتماعية متدنية.
فهل الحراطين (أو “إيحرضانن”، أوالسود) طارؤون على المغرب بحسب الاعتقاد المُشاع؟
ذكرت النصوص أن مجموعة إثيوبية كانت تصل إلى سرتا (قسنطينة)، وأن مجموعة إثيوبية أخرى كانت تخرب العديد من المستعمرات الفينيقية. وكان لهؤلاء الإثيوبيين جولات مع الموريين والرومان… و يؤكد (Marcel Gautier) أن هؤلاء كانوا إذن بهذه الجهات في أرضهم، ويقيمون بها ولا شك منذ عهد بعيد. ومع الأدلة المتوفرة، فإنه من السُّخف اعتبار السود عناصر طارئة على المنطقة. وتحدث (Joseph Ki-Zerbo) في قراءته لرحلة حنون، عن الإثيوبيين بكونهم “بقايا الزنوج”.
ويؤكد (Stéphane Gsell) في خاتمة حديثه عن أصل الإثيوبيين في شمال إفريقيا بالقول: «إذن هناك بعض العلامات الدالة على وجود إثيوبيين أهليين بالتل [أقصى شمال الجزائر] في عصر ما قبل التاريخ، وفي العصور التاريخية، وربما حتى في أيامنا. فهل يجب أن نعتبرهم أقدم سكان شمال إفريقيا؟ وهل يكون أجداد البربر [ الليبيون] طردوهم، فلم يثبتوا إلا في الجبال الممتنعة، وفي الحاشية الجنوبية للمنطقة التي ربما كانوا من قبْلُ سادتها المنفردين بها، يمكن أن نفترض ذلك، وإن كانت الحقيقة هي أننا لا نعلم شيئا». وبهذا الخصوص كذلك، فإن (M. Deniker) يعتقد بأن الزنوج هم السكان الأوائل لشمال إفريقيا، ثم جاء بعدهم عنصر أبيض من آسيا أو أوربا، بقي “نقيا” في حالة البربر (الليبيون)، وتحول إلى عرق جديد مشابه للإثيوبيين، ربما نتيجة اختلاطه بالزنوج. ويرى (Lissauer) أنه كان هناك سكان إثيوبيون أولون يتحدثون اللغة التي تفرعت عنها اللهجات البربرية، تَمّ دفعهم نحو الجنوب من قِبَل غُزاةٍ (أسلاف القبائليين) قدموا من إسبانيا وتبنوا لغة المهزومين.
تلك إذن احتمالات ممكنة على كل حال. غير أن ما هو مؤكد هو أن الحراطين عنصر من العناصر العريقة التي تشكل فسيفساء سكان بلاد المغرب، وأنها تعرضت طوال التاريخ (كما في مناطق أخرى من العالم) للاضطهاد (و حتى الإبادة) من قبل العنصر الأبيض مدفوعا بنرجسية استعلائه كما تتجلى بقوة في التاريخ الحديث و المعاصر للرجل الأبيض الأوربي. ومما يؤكد الاحتمالات السابقة التي نقلناها عن (Stéphane Gsell)، أن الليبيين عُرفوا في أغلبهم ضمن “البدو الرحل”. ونمط العيش هذا يجعل أهله أشداء ميّالين للاحتراب (تماما مثل أعراب شبه الجزيرة العربية). لهذا لا نستغرب تجنيدهم من قِبل المصريين والفرس واليونان والفينقيين والرومان في حروبهم، كما لا نستغرب كذلك من تشغيبهم على حدود مصر القديمة والحدود الإفريقية للرومان، وتشغيبهم على الدول التي تعاقبت على حكم بلاد المغرب ما بين التاريخين الوسيط و الحديث.
و تاريخ درعة الوسيط والحديث يشهد هو الآخر على معاناة الحراطين، المَيّالين للسلم بحُكم نمط عيشهم القائم على الاستقرار، من تحرشات البدو الرحل من إيمازيغن (البيض) والعرب على حد سواء، واضطرارهم للدخول تحت عَباءة هؤلاء أو أولئك طلبا للأمن والاستقرار.
ثم نتذكر رحلة شارل دوفوكو بوقوفه شاهدا عيانا في أواخر القرن 19 على هجوم رُحّل إيمازيغن على سكان واحة تسينت الذين يمثل الحراطين تسعة أعشارهم، فنهبوا البساتين واختطفوا الرجال… وفي إحدى واحات جنوب شرق المغرب، ما تزال الذاكرة الشعبية تردد صدى قصة مقبرة للحراطين (السود) في قرية لا يسكنها إلا إيمازيغن (البيض)!!.. و هذا ما يشير إلى امتداد ذلك الإحساس الموغل في القدم للتنافر بين العنصرين، أو بالأصح نفور العنصر الأبيض من العنصر الأسود، كما يوضح تجلياته الباحث سمير الساعدي (ضمن الكتاب الجماعي “ثقافة إملوان”)….
3 ـ فمن هم سكان بلاد المغرب بحسب خطاب الحركة الأمازيغية؟
من خلال الاطلاع على أدبيات تلك الحركة، لا نجدها تتحدث عن سكان شمال إفريقيا إلا بكونهم “ليبيين”… ليبيون فقط… بيض فقط….
فمحمد شفيق في حفرياته ينقل عن كامبس أن “الإنسان الأسود” الذي عَمَر الصحراء الكبرى، قد “اختفى” منها في أواخر الألف السابعة..، ليخلفه “الإنسان الأبيض” في الألف الموالي؛ ثم يستنتج أنه «نشأت في الصحراء حضارة بدائية أحدثها إنسان أبيض منذ العهد الحجري».
أهكذا يختفي ذلك الإنسان الأسود من على وجه هذه الأرض؟ أم أن الأمر يتعلق بمجرد زحزحة له نحو المناطق الداخلية بعيدا عن السواحل مع ما تنتجه هذه الزحزحة من إبادة من جهة أولى و اختلاط من جهة ثانية؟ و من هو ذلك الوافد الجديد الذي زحزحه عن مواقعه السابقة؟ و من أي جاء؟ هل بالفعل “الإنسان الأبيض” هو وحده الذي خلف حضارة الصحراء البدائية؟ الرسومات و النقوشات التي عُثر عليها هناك تقول غير ذلك على حد قول (Émile-Félix Gautier)، فهي تدفع الباحث مباشرة إلى الاعتقاد بوجود الزنوج في المغرب في عصر ما قبل التاريخ. ثم ماذا بشأن الشهادات المتكررة للكُتّاب القدامى عن وجود العنصر “الإثيوبي”؟ لم لا يكون الإثيوبيون امتدادا لزنوج ما قبل التاريخ، و يكون الحراطين امتدادا لإثيوبيي التاريخ القديم؟
و في ترجمة مصطفى أعشى لأحاديث “هيرودوت”، حرص المترجم من خلال “تكرار ممل” على تأكيد فكرة أن الليبيين يقصد بهم “الأمازيغ”، وأن الأمازيغ “عرقٌ أبيض”، وهم “السكان الأصليون” لليبيا، وأن ليبيا هي “بلاد الأمازيغ”، وأن الليبيين (الأمازيغ) يشكلون “وحدة عرقية وحضارية”… حتى إذا حاصَرَتْه شهادات هيرودوت وغيره من الكتاب القدماء عن وجود عنصر آخر يطلق عليه “الإثيوبيون”، يعيش جنبا إلى جنب مع الليبيين، يلجأ إلى تقديم فرضيات تبدو لنا غير مقنعة، بل ومُتَكَلّفة.
وحيث إن الليبيين عند مصطفى أعشى هم “السكان الأصليون” لشمال إفريقيا، فإنه لم يكلف نفسه للتعليق على ذكرهم من قِبل هيرودوت سوى ببضعة أسطر ما دام أنها “مسلمةٌ لا تحتمل النقاش”. أما عن الإثيوبيين الذين يستوحش وجودهم في المنطقة، فقد خصص لهم أربع صفحات حاول من خلالها تفسير وجودهم “المستغرب” في “بلاد تمازغا”. وهنا نتساءل: أليس الليبيون بوصفهم بيضًا هم الأَوْلى بالاستغراب، وهم الأوْلى بتفسير وجودهم في شمال إفريقيا التي هي كما نعلم جميعا امتداد طبيعي و بشري للقارة الإفريقية؟
و مما يثير الدهشة في ذلك التفسير المُتكلّف لمترجم أحاديث هيرودوت، ما حاول به تعزيز تكلفه من خلال ما نقله عن أحد الباحثين، بأن العنصر الإثيوبي لا يعني بالضرورة عنصرا عرقيا يختلف عن الليبيين، وإنما هو مجرد وصفٍ لنمط عيشٍ يُميز ما بين الرُّحل والمستقرين، خاصة أن من الكُتاب القدامى من تحدث عن “الإثيوبيين البيض”. ثم يزيد التكلف بالقول أن الإثيوبيين «ليسوا بزنوج، فهم فقط ذوو البشرة السمراء». وفي وصف أحد الكتاب القدامى عنهم يرى ذلك الباحث أنه لا يعطي صورة عن الأسود أو الزنجي، «إذ يظهرون فيه ملتحين وبشعور طويلة، يركبون الخيول ويغرسون الكرمة، وهم من بين أجمل شعوب الأرض». ويتضح المغزى من هذه الملاحظة في تعليق باحث آخر بالقول: «هذه الأوصاف لا تنطبق على السود» !!.. فهل يستكثر هؤلاء الباحثون الثلاثة على السُّود أن يكونوا ملتحين، وأن تكون لهم شعور طويلة، وأن يركبوا الخيول، وأن يغرسوا الكرمة؟.. أم أنهم يستكثرون على السود أن يكونوا “من بين أجمل شعوب الأرض”؟!!..
ــ أولا: ننوه إلى ملاحظة (Stéphane Gsell) بخصوص اسم “الإثيوبيون”: فقد أكد أنه كان يطلق على السود الحقيقيين، سواء منهم ذوو السواد الحالك أو الأقرب إلى ذلك (داكنة جدا). أما بخصوص ما ذكرته نصوصٌ عن “إثيوبيين بيض” في الصحراء فلعلها تقصد بذلك عادة السود في صَبْغ أبدانهم بالأبيض أو ألوان أخرى ربما لتمييز قبيلة عن أخرى… وحتى الغرامنتيين الذين ذاع صيتهم في كتابات الحركة الأمازيغية بوصفهم ليبيين (إيمازيغن)، قد صُنفوا أصلا ضمن الإثيوبيين من قِبَل (Solin)، و(Isidore de Séville)، و(Ptolémée)، و(Strabon)، و(Denys le Pèriégèle) و(Pline)، ووصفهم شاعر إفريقي بـ”السواد”، فوجب التمييز بين هؤلاء الذين كانوا يستوطنون واحة فزان وبين نظرائهم في الاسم (لا في العرق) غرامنت سرت. أما بخصوص البربر الذين تتأثر بشرتهم البيضاء بفعل الشمس فقد جرت عادة الكتاب القدامى على أن يطلقوا عليهم وصف “السود”، وليس “الإثيوبيين”.
ــ ثانيا: بخصوص مقياس الجمال؛ سبق لشارل دوفوكو في رحلته للمغرب في أواخر القرن 19، أن وصف نساء إحدى القبائل “الأمازيغية” ذوات البشرة البيضاء على حدود جبال الريف بأنهن «بشعات المنظر وعاديات الملامح». وفي موضع آخر في سياق حديثه عن واحة تيسينت جنوب شرق المغرب قال «يوجد عدد قليل من النساء الجميلات عند الشلحة. وبالعكس، يوجد عدد كبير من الحرطانيات جميلات»… ننقل هذا لكي نؤكد فقط نسبية معيار الجمال الذي بنى عليه هؤلاء الباحثون استنتاجهم غير الموفقة.
4ـ … و من هم المغاربة بحسب منطق التاريخ و الجغرافيا؟
إن الخطاب الذي يتحدث عن “السكان الأصليين”، ويرفع لواء “الشعوب الأصلية”، لا يبدو لنا سوى صدًى مزعج لعقلية بدوية قبلية هي أقرب ما تكون إلى العقلية الجاهلية. هَمُّها أن تميز فيمن يتشاركون معها الوطن ما بين من هو “أصيل” ومن هو “دخيل”. وهذا فعلا واقع عدد من البوادي التي يحرص أهلها على وصف أي وافد جديد بأنه “دخيل” حتى ولو بقي بين ظهرانيهم أجيالا بعد أجيال..، بعكس المُدن التي ينخرط فيها أي وافد جديد من الوهلة الأولى بحسب جذارته، لا بحسب نسبه وأصله. أما إذا أخذنا بما قاله محمد شفيق في حفرياته، فيمكن أن نتساءل: من ذاك الذي هو “أصيل” و من ذا الذي هو “دخيل” في بلاد المغرب؟
إن أقرب مفهوم إلى منطق التاريخ والجغرافيا هو أن نتحدث عن “السكان الأوائل” أو “السكان الأقدمون”، أما غير ذلك فهو مجاف لذلك المنطق.
ثم نقول مع التقي العلوي: «الواقع الذي يسلم به المنطق السليم، ويرتضيه العقل الصحيح، ويسير مع البحث العلمي جنبا لجنب، هو أن الشعب البربري كغيره من شعوب الأرض قاطبةً بدون استثناء، لا يمكن ولن يمكن بحال من الأحوال إرجاعه إلى شخص واحد أو شخصين، وإنما هو عبارة عن سلالات كثيرة وعروق أمشاج متعددة، انحدرت إلى هاته الأرض من الشمال والجنوب والشرق، وتبلورت بفعل الزمان وتطور الأحداث حتى اتخذت شكلها النهائي، إن كان لها شكل نهائي».
ونضيف من جهتنا للتوضيح، أن تشكيلة فسيفساء سكان المغرب بُنيت على أساس ثنائية سكانه الأوائل: “الإثيوبيون” بميزة لونهم الأميل للسواد من جهة أولى، و”الليبيون” بميزة لونهم الأميل للبياض من جهة ثانية. وتحديد هذين العنصرين لا يعني بتاتا حصر نسبهما في عرقين اثنين ينحدران من جَدَّين اثنين مختلفين. فذلك لن يكون إلا من قبيل الخرافة و الدَّجل و الرجم بالغيب..، اللهم إلا أن نَنْسُب الناس جميعا إلى آدم عليه السلام، وكفى.
ثم نواصل بالقول: أن الإثيوبيين والليبيين اختلطوا (تزاوجوا) فيما بينهم في مواقع التماس، فنتج عنهما عنصر ثالث، فلنسمِّه “الهجين” أو “المختلط” أو “الخِلاسي”. وعلى مَرِّ التاريخ، تعزز كل عنصر من هؤلاء الثلاثة بعناصر أخرى زادت من حجمه وتنوعه: فالليبيون كانوا أقرب للتزاوج بمن يفدون من آسيا وأوربا، والإثيوبيون كانوا أقرب للتزاوج بمن يفدون من إفريقيا جنوب الصحراء، وبين هؤلاء وهؤلاء يتمدد على حسابهما وجود العنصر “الهجين”. هذا ما يجعل من المغاربة درجاتٍ من الدُّكنة من النقيض إلى النقيض، بشكل يبعث على الارتباك كما صرح بذلك عدد من زواره. فهذا مثلا شارل دوفوكو بمجرد دخوله إلى حوض درعة، يصطدم بوجوده في نطاق بشري جديد يغلب عليه عنصر “الحراطين”، غير أن الارتباك لا يفارقه قائلا أنه: يتعذر على الأجنبي أن يميز الحراطين عن غير الحراطين، ذلك أن لهم سِمات مشتركة مع غيرهم؛ فمنهم من لونه أسود مع “سِماتٍ أوربية”، ومنهم من لونه أبيض مع “سمات زنجية”، وبين هذا وذاك تنوعات أخرى…
هؤلاء هم المغاربة، قد جمعوا ما بين جميع درجات الدُّكنة. ولا يمكن لانفتاحهم على العالم على مر التاريخ إلا أن يجعلهم كذلك… و نظن أن هذه الحركية في الاختلاط لا يمكن أن تتوقف إلا أن يرث الله الأرض و من عليها.
فإن كان هناك من اسم يُستحب في حالتنا الفسيفسائية الجميلة هذه، بعيدا عن أية تصنيفات عرقية إقصائية مقيتة، فهو اسم: “المغاربة” بما له من حمولة تاريخية و جغرافية و حضارية.





تعليقات الزوار ( 0 )