في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق، لم يعد ملف اللحوم في المغرب مجرد قضية فلاحية أو تجارية، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين منطق السوق ومقتضيات العدالة الاجتماعية.
وإذا كان استيراد اللحوم المجمدة والمبردة خلال سنة 2025 قد لعب دورا حاسما في كبح جماح الأسعار وضمان حد أدنى من الاستقرار في السوق، فإن التوجه الحالي نحو تقييد هذا الاستيراد يثير أكثر من علامة استفهام، بل يفتح الباب أمام نقاش عميق حول منطق اتخاذ القرار وأهدافه الحقيقية.
لا يمكن إنكار أن حماية القطيع الوطني تظل هدفاً مشروعا، بل وضروريا في ظل التحديات المناخية وتراجع أعداد الماشية، لكن تحويل هذا الهدف إلى مبرر لسياسات قد تؤدي عمليا إلى رفع الأسعار يطرح إشكالا في ترتيب الأولويات. فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يستهلك الشعارات، بل يواجه الأسعار بشكل يومي في السوق.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا، هل نحن أمام سياسة لحماية الثروة الحيوانية، أم أمام إعادة ترتيب لموازين القوى داخل قطاع يختلط فيه الاقتصادي باللوبياتي؟
المعطيات الرقمية، حين توضع على الطاولة، تكشف جانبا من هذا التناقض، لأن استيراد اللحوم الجاهزة يظل أقل تكلفة بشكل واضح مقارنة باستيراد العجول الحية، التي تتطلب سلسلة من المصاريف الإضافية، من النقل إلى التغذية إلى اللوجستيك.
هذا الفارق لا يعكس فقط اختلافا تقنيا، بل يترجم إلى أثر مباشر على السعر النهائي الذي يتحمله المستهلك، وبالتالي، فإن الحد من استيراد اللحوم الجاهزة لا يعني سوى تقليص العرض الأرخص، وفتح المجال أمام ارتفاع محتمل للأسعار، حتى وإن تم ذلك تحت يافطة “الحماية”.
الأخطر من ذلك، أن هذا التوجه قد يعيد إنتاج نوع من “الاحتكار المقنع”، حيث يتم إقصاء فاعلين لصالح آخرين، تحت غطاء تنظيمي أو سيادي. فالمنافسة غير المتكافئة التي أفرزها اختلاف كلفة الاستيراد، بدل أن تُعالج بمنطق التوازن، يتم اليوم التعامل معها بمنطق الإقصاء، وهو ما يهدد بتحويل السوق إلى فضاء أقل شفافية وأكثر خضوعاً لمراكز النفوذ.
إن السياسة العمومية الرشيدة لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية الموارد، بل أيضا بمدى قدرتها على حماية المستهلك من تقلبات السوق ومن تضارب المصالح. والمغرب، الذي نجح نسبياً في سنة 2025 في احتواء أزمة الأسعار عبر آلية الاستيراد، مدعو اليوم إلى عدم التراجع عن هذا المكسب دون بدائل حقيقية وفعالة. لأن أي اختلال في العرض لن يُترجم إلا بلغة واحدة: ارتفاع الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية.
ولذلك يمن أن نذهب إلى أن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الاستيراد أو الحماية، بل في صياغة معادلة دقيقة تضمن الاثنين معاً. معادلة تضع المواطن في صلب القرار، وتخضع القطاع لقواعد شفافة تمنع الاحتكار وتحد من تضارب المصالح. أما غير ذلك، فليس سوى إعادة إنتاج لأزمة بصيغة جديدة، يدفع ثمنها دائماً نفس الطرف: المستهلك المغربي.




تعليقات الزوار ( 0 )