تكتسي الانتخابات التشريعية لسنة 2026 أهمية خاصة في التاريخ السياسي والانتخابي للمملكة المغربية، إذ لا ترتبط هذه الاستحقاقات المقبلة فقط بالرهانات السياسية الداخلية، بل تحظى أيضاً بمتابعة خارجية دقيقة، بالنظر إلى المكانة التي بات يحتلها المغرب إقليمياً ودولياً. فعدد من الدول والمؤسسات الدولية، بما فيها الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، تتابع عن كثب المسار السياسي والمؤسساتي للمملكة، في ارتباط مباشر بالتحضيرات الجارية لاحتضان كأس العالم، وما تتطلبه من جودة في الحكامة، ودقة في الإنجاز، واستقرار في المناخ السياسي والمؤسساتي.
ومن هذا المنطلق، انصب الاهتمام الرسمي على ضرورة الإعداد الجيد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بما يضمن تنظيمها في ظروف شفافة ونزيهة، ويحقق مشاركة انتخابية وازنة، لا تشوبها مظاهر العزوف التي قد تمس بشرعيتها العملية. وفي هذا السياق، خصص العاهل المغربي جزءاً مهماً من خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربعه على العرش، للتأكيد على ضرورة تنظيم الانتخابات التشريعية المقبلة في موعدها الدستوري والقانوني، مع تكليف وزير الداخلية بالسهر على حسن تنظيمها.
وتفاعلاً مع التوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش، ترأس وزير الداخلية، بعد يومين فقط من إلقاء الخطاب، اجتماعين متتاليين مع قادة مختلف الأحزاب السياسية، خُصصا لموضوع التحضير للانتخابات التشريعية المتعلقة بانتخاب أعضاء مجلس النواب لسنة 2026، كما دعا الأحزاب إلى تقديم مقترحاتها بشأن الإطار القانوني المنظم لهذه الاستحقاقات. وقد تُوّج هذا المسار بالمصادقة على مدونة انتخابية جديدة، جرى فيها التركيز على تجاوز الاختلالات التي طبعت الانتخابات السابقة، والسعي إلى تحقيق هدفين أساسيين: أولهما استرجاع ثقة المواطنات والمواطنين في العملية الانتخابية، بعد توالي نسب العزوف، وثانيهما إفراز نخبة سياسية شابة، كفؤة ونزيهة، قادرة على تجاوز أعطاب الولاية التشريعية الحالية، التي عرفت متابعة عدد من المنتخبين، وطنياً ومحلياً، في قضايا ذات طابع جنائي ومالي.
غير أن هذه الجهود الإصلاحية، على أهميتها، لم تمنع استمرار بعض مكونات النخبة السياسية التقليدية في التشبث بمواقعها القيادية، بل وفي إعادة إنتاج خطاب شعبوي، لم يعد مقتصراً على الفضاء الحزبي، بل امتد ليطال مجالات إعلامية وحقوقية، ووصل أحياناً إلى حدود المساس بمؤسسات دستورية، في سياق انتخابي مشحون.
أولاً: خطاب بنكيران الشعبوي ومنطق التزلف السياسي
أفرزت نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2021 ميزان قوى جديداً، أفضى إلى تشكل أغلبية حكومية قوية، عددياً وتنظيمياً، مقابل معارضة برلمانية مشتتة وضعيفة التأثير. وأمام هذا الواقع، لجأت بعض مكونات المعارضة إلى تبني ممارسات وخطابات شعبوية، بدعوى مواجهة ما تصفه بـ“تغول الأغلبية الحكومية”. فقد تجلت هذه الشعبوية في الدعوة إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها، أو في الانسحاب الجماعي من جلسات الأسئلة الشفوية، كما حدث في جلسة 8 يوليوز 2024، احتجاجاً على ما اعتُبر تجاهلاً حكومياً لطلبات مناقشة مواضيع طارئة، في خرق واضح للنظام الداخلي لمجلس النواب، وهو ما دفع بعض نواب الأغلبية إلى وصف هذه السلوكيات بالمزايدات الشعبوية.
وفي السياق نفسه، لوّح الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بإمكانية تفعيل ملتمس الرقابة ضد حكومة أخنوش، بينما وجه الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة، يسائله فيها عن حصيلة نصف الولاية، رغم أن هذه الحصيلة عُرضت رسمياً داخل البرلمان وحظيت بتغطية إعلامية واسعة. وقد بدت هذه التحركات، في مجملها، فاقدة لعمق سياسي فعلي، وموجهة أساساً نحو الإثارة الإعلامية ودغدغة عواطف الرأي العام.
وفي هذا السياق الشعبوي ذاته، فجّرت تدوينة نشرها طارق الزفزافي، نُسبت إلى شقيقه المعتقل ناصر الزفزافي، جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، بسبب حدّة لغتها وما تضمنته من هجوم مباشر على عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق. وجاء ذلك عقب تصريح لبنكيران، خلال لقاء حزبي بتاريخ 13 دجنبر 2025، عبّر فيه عن معارضته لمفهوم الملكية البرلمانية، وتأكيده على مركزية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي، مستحضراً في هذا السياق واقعة السماح للزفزافي بحضور جنازة والده، ومرجعاً ذلك إلى تدخل ملكي مباشر.
وقد رد الزفزافي، في الرسالة المنسوبة إليه، بلغة اعتبرها متابعون عنيفة ومشحونة بالتجريح، حيث اتهم بنكيران بالتزلف السياسي، وادعى أنه يتحدث كما لو كان ناطقاً باسم الديوان الملكي، مستحضراً مرحلة رئاسته للحكومة، ومتحدثاً عن معاناة شخصية، في خطاب امتزج فيه الاتهام السياسي بالتشهير الشخصي. وقد أثارت هذه التدوينة ردود فعل سياسية، أبرزها موقف قياديين في حزب العدالة والتنمية، الذين اعتبروا مضمونها انحداراً أخلاقياً في النقاش العمومي، مع التأكيد على أن دعم الحزب لقضية معتقلي الريف لا يعني القبول بخطاب الإهانة والتجريح.
ويطرح هذا الجدل سؤالاً جوهرياً حول خلفيات إقحام اسم معتقل سياسي في نقاش نظري حول طبيعة النظام السياسي، وحول مدى ارتباط ذلك بحسابات انتخابية تستهدف كسب تعاطف فئات معينة من الرأي العام، عبر توظيف قضايا حساسة في سياق شعبوي.
ثانياً: أوزين ودغدغة الشعور الإعلامي
في سياق استشعار بعض مكونات المعارضة بضعفها السياسي، وفي إطار الاستعداد المبكر للانتخابات المقبلة، برزت تحركات تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق داخل المشهد الحزبي، من بينها اللقاء الذي جمع حزب الحركة الشعبية بـ“التكتل الديمقراطي المغربي”، في محاولة لبناء توازنات جديدة وتعزيز الحضور الانتخابي. وقد صادق المجلس الوطني للحزب على انضمام هذا التكتل، مع تأكيد الأمين العام للحزب، محمد أوزين، أن الأمر يتعلق بانضمام فاعل مدني لا بحزب سياسي، في إطار ما سماه “البديل الحركي”.
غير أن هذا التحرك السياسي، الذي يندرج في صميم العمل الحزبي المشروع، تزامن مع خروج أوزين بسؤال كتابي موجه إلى رئيس الحكومة، انتقد فيه بشدة طريقة تدبير الدعم العمومي الموجه لقطاعي الصحافة والإنتاج السينمائي، معتبراً أنه تحول إلى آلية لتبديد المال العام، وتكريس الرداءة، وتمويل محتويات تفتقر للقيمة الفنية والثقافية. ورغم مشروعية النقاش حول الحكامة والشفافية، فإن توقيت هذا السؤال، وطريقة صياغته، وتخصيصه مؤسسات إعلامية بعينها، أعطته طابعاً شعبوياً واضحاً، يهدف إلى إثارة إعلامية أكثر مما يسعى إلى معالجة موضوعية للإشكال.
ويذهب عدد من المتتبعين إلى أن هذه الخرجة البرلمانية لا يمكن فصلها عن السياق الانتخابي، ولا عن منطق “البوز السياسي”، خاصة حين يتم توظيف ألفاظ قدحية وتحويل البرلمان إلى منصة لمحاكمة الإعلام، في تعارض صريح مع مبادئ الديمقراطية التي تفصل بين السلطة السياسية وحرية التعبير. فالإعلام، مهما كان مثيراً للجدل، يُحاسب بالقانون والقضاء، وبحكم الجمهور، لا بخطاب أخلاقي شعبوي صادر عن الفاعل السياسي.
وهكذا، يلتقي خطاب محمد أوزين، في كثير من جوانبه، مع خطاب عبد الإله بنكيران وغيره من زعماء الشعبوية السياسية، في تكريس أسلوب قائم على الضجيج بدل المشروع، وعلى الإثارة بدل الرؤية، في لحظة تسعى فيها الدولة إلى إعادة الثقة في العملية الانتخابية، وتجديد النخب، وفسح المجال أمام وجوه شابة قادرة على ممارسة السياسة بمنطق المسؤولية، لا بمنطق المزايدة والشعبوية.





تعليقات الزوار ( 0 )