ليست لحظة التهديد باستقالة جماعية تشمل النقباء ومجالس الهيئات مجرد رد فعل مهني ظرفي أو تصعيد نقابي عابر، بل هي علامة سوسيولوجية كثيفة الدلالة على اختلال عميق في ميزان العلاقة بين الدولة ومهن الوساطة الحقوقية داخل حقل العدالة، فحين تصل مهنة المحاماة بما تحمله من رأسمال رمزي وتاريخ نضالي ووظيفة دستورية إلى حافة الانسحاب الجماعي، فإننا نكون أمام أزمة بنيوية تمس جوهر النظام القضائي نفسه لا أمام خلاف تقني حول مواد قانونية.
فلا يمكن قراءة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة بمعزل عن السياق العام لإعادة ترتيب الحقول المهنية والمؤسساتية، حيث تسعى الدولة في لحظات التحول أو التوتر إلى إعادة ضبط الفاعلين المستقلين داخل منطق الوصاية والتنميط، لقد بيير بورديو كان واضحا حين اعتبر أن العدالة ليست مجرد جهاز تقني بل حقل تتصارع داخله قوى مختلفة على تعريف الشرعية والمعنى، وأن المحامين يشكلون أحد أهم حراس هذا الحقل بحكم موقعهم بين النص القانوني والمجتمع.
وإن المثير للقلق في هذا المشروع كما يتبدى من ردود فعل جمعية هيئات المحامين بالمغرب ليس فقط ما يتضمنه من مقتضيات تنظيمية، بل الفلسفة الضمنية التي تحكمه التي بنيت على فلسفة تقليص الاستقلال وإعادة إخضاع الدفاع لمنطق الإدارة وتحويل المحامي من فاعل مستقل في تحقيق العدالة إلى وظيفة مؤطرة ومضبوطة بسقف السلطة التنفيذية، وهنا يستحضر المرء تحذير ميشيل فوكو من أن السلطة لا تمارس فقط عبر القمع المباشر بل عبر القوانين والتنظيمات التي تعيد تشكيل الأدوار وتطبع الأجساد والعقول.
وفي هذا السياق يصبح الحديث عن المقاربة التشاركية مجرد خطاب تلطيفي إذا لم يترجم إلى احترام فعلي للتوافقات المتراكمة داخل الحوار المؤسساتي، فإقصاء ما تم الاتفاق عليه سابقا وإدخال تعديلات تمس النسق العام للمهنة، يعكس اختلالا في أخلاقيات التعاقد السياسي ويؤشر على نزعة أحادية في إنتاج القرار العمومي. وفي حديثه عن الفضاء العمومي التداولي شدد هابرماس على أن مشروعية القوانين لا تستمد فقط من السلطة الشكلية بل من جودة الحوار وصدق النوايا واحترام الفاعلين المتدخلين.
وإن خطورة هذا المشروع لا تكمن فقط في انعكاساته على المحامين كمهنة بل في آثاره العميقة على حق المواطن في دفاع حر ومستقل، فاستقلال المحاماة ليس امتيازا فئويا بل ضمانة اجتماعية لعدالة متوازنة، وقد اعتبر أليكسيس دو توكفيل أن قوة العدالة في أي مجتمع تقاس بقدرة الدفاع على الوقوف في وجه السلطة دون خوف أو تبعية، لأن المحامي في لحظة المواجهة القضائية لا يدافع فقط عن فرد بل عن فكرة القانون نفسها.
ومن هذا المنظور يمكن اعتبار محاولة إخضاع مهنة المحاماة جزءا من منطق أوسع يسعى إلى إعادة هندسة المجال الحقوقي بما يقلل من هامش النقد والاعتراض المؤسسي، وهو ما حذر منه أنطونيو غرامشي حين تحدث عن الهيمنة بوصفها قدرة الدولة على جعل تصورها للعالم هو التصور السائد، وليس ذلك بالقوة العارية بل عبر تفكيك مراكز الاستقلال داخل المجتمع المدني.
إن التلويح بالاستقالة الجماعية بما يحمله من حمولة رمزية ثقيلة يعكس وصول التوتر إلى مستوى قصوي، حيث يشعر الفاعل المهني أن وجوده الرمزي مهدد، وهي لحظة خطرة لأن ضرب المحاماة في عمقها يعني زعزعة أحد أعمدة التوازن داخل منظومة العدالة، فالعدالة كما يقول مونتسكيو لا تقوم إلا بتوازن السلط، وأي اختلال في هذا التوازن يفتح الباب أمام التعسف حتى وإن ارتدى لباس القانون.
وفي المحصلة فنحن أمام مشروع قانون لا يختبر فقط حدود إصلاح مهنة المحاماة، بل يختبر أيضا مدى استعداد الدولة للاعتراف باستقلال الفاعلين الحقوقيين كشركاء لا كتوابع، وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئا كما قال ماكس فيبر فهو أن الشرعية التي لا تبنى على القبول والاقتناع، فإنها سرعان ما تتحول إلى عبء على السلطة نفسها، لذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس تمرير نص قانوني، بل إنقاذ معنى العدالة من منطق التحكم وصون المحاماة كضمير يقظ داخل دولة القانون.






تعليقات الزوار ( 0 )