عرفت العلاقات المغربية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة تجاوزت إطار الصداقة التاريخية التي جمعت البلدين منذ استقلال الولايات المتحدة، لتتجه نحو بناء شراكة إستراتيجية متعددة الأبعاد، تستند إلى تقاطع المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي.
وفي هذا السياق، اعتبر سعيد التمسماني، المحلل السياسي والمستشار الدولي في الحكامة والدبلوماسية والشؤون الدولية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، في مقال رأي نشره بمجلة “أتالايار” الإسبانية، أن الرسالة التي بعث بها الملك محمد السادس إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، لم تكن مجرد تهنئة بروتوكولية، بل حملت دلالات سياسية تعكس انتقال العلاقات المغربية الأمريكية من مرحلة الصداقة التاريخية إلى مستوى التحالف الإستراتيجي.
رسالة إستراتيجية
يرى التمسماني أن الرسائل الدبلوماسية غالبا ما تبقى حبيسة الأرشيف ولا يتوقف عندها سوى المختصين في البروتوكول، غير أن بعض الرسائل تتجاوز بعدها الاحتفالي لتكشف عن توجهات إستراتيجية بعيدة المدى، وهو ما ينطبق بحسبه على الرسالة الملكية الموجهة إلى الرئيس الأمريكي.
وأوضح أن أهمية هذه الرسالة لا تكمن في مضمونها الاحتفالي فقط، وإنما في الرسالة السياسية التي تنطوي عليها، والتي تؤكد أن العلاقات بين الرباط وواشنطن لم تعد قائمة فقط على الإرث التاريخي وحسن النوايا، بل أصبحت تستند إلى مصالح متقاربة تشمل الأمن والاقتصاد والدبلوماسية والاستقرار الإقليمي.
وأضاف أن توقيت الرسالة يحمل بدوره دلالات رمزية، إذ تزامن مع احتفال الولايات المتحدة بمرور قرنين ونصف على استقلالها، في وقت يذكر فيه المغرب بأنه كان أول دولة اعترفت باستقلال الولايات المتحدة، وهو ما يجعل العلاقة بين البلدين من أقدم العلاقات الدبلوماسية في التاريخ الأمريكي، غير أن استحضار هذا الإرث بحسب الكاتب، لا يأتي من باب الحنين إلى الماضي، وإنما باعتباره قاعدة لتشييد شراكة أكثر عمقا في المستقبل.
تعاون متكامل
يشير التمسماني إلى أن العلاقات الثنائية تجاوزت منذ سنوات حدود الدبلوماسية التقليدية، لتصبح قائمة على تعاون متكامل يشمل مجالات الأمن والدفاع، والتنسيق الاستخباراتي والاستثمار والتجارة والطاقة المتجددة والابتكار التكنولوجي، فضلا عن التنسيق السياسي والدبلوماسي في عدد من الملفات الإقليمية.
واعتبر أن هذا التطور يعكس انتقال البلدين من مجرد شريكين تجمعهما علاقات تاريخية إلى حليفين إستراتيجيين يعملان وفق رؤية مشتركة لمواجهة التحديات الدولية والإقليمية.
“الأسد الإفريقي”
يستشهد التمسماني بمناورات “الأسد الإفريقي” باعتبارها النموذج الأكثر وضوحا على هذا التحول، موضحا أنها لم تعد مجرد تدريبات عسكرية مشتركة، بل تحولت إلى واحدة من أكبر منصات التعاون الأمني متعدد الجنسيات في القارة الإفريقية.
وأكد على أن هذه المناورات تعكس فهما مشتركا لمفهوم الأمن الشامل، الذي لم يعد يقتصر على الجوانب العسكرية، وإنما يشمل كذلك الاستجابة للكوارث الطبيعية، والمساعدات الإنسانية، ومحاربة الإرهاب، وتعزيز الأمن السيبراني، وتقوية صمود الدول والمجتمعات أمام التهديدات المختلفة.
وفي السياق ذاته، أبرز أن هذا المستوى من التنسيق لا يعكس مجرد تعاون بين بلدين صديقين، بل يجسد السلوك العملي لتحالف إستراتيجي متكامل.
ملف الصحراء
توقف المقال عند البعد السياسي للعلاقات الثنائية، مبرزا أن إشادة الملك محمد السادس بقرار الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء تؤكد أن بعض القرارات الدبلوماسية قادرة على إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية لعقود طويلة.
وأشار إلى أن هذا القرار، بغض النظر عن التغيرات السياسية الداخلية التي قد تعرفها الولايات المتحدة، أحدث تحولا جوهريا في طريقة تعاطي المجتمع الدولي مع النزاع، وساهم في تعزيز الزخم الدبلوماسي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، كما عزز مكانة المغرب باعتباره شريكا موثوقا في منطقة أصبحت فيها الاستقرار سلعة نادرة.
ثقة واستقرار
يؤكد التمسماني أن التحالفات الحديثة لم تعد تقاس بعدد التصريحات السياسية، وإنما بمدى استمرارية السياسات وثبات المواقف.
وأوضح أن المغرب نجح على امتداد عقود، في ترسيخ سياسة خارجية قائمة على الاستمرارية، من خلال الاستثمار في شراكات طويلة الأمد، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مصداقيته داخل إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والفضاء الأطلسي.
وأردف أن هذه القدرة على توفير الاستقرار والوضوح في التوجهات أصبحت، في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة، أحد أهم عناصر القوة الإستراتيجية للمملكة، وهو ما جعلها تنظر إليها باعتبارها حليفاً موثوقا، وليس مجرد شريك تاريخي.
رهانات اقتصادية
يرى التمسماني أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين شهدت بدورها نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، غير أن إمكاناتها ما تزال أكبر بكثير مما تحقق حتى الآن.
وأوضح أن المغرب يمتلك مجموعة من المؤهلات التي تجعله منصة استثمارية جاذبة بالنسبة للشركات الأمريكية، من بينها تطور الصناعات المرتبطة بالسيارات والطيران، والطموحات الكبيرة في مجال الطاقات المتجددة، وامتلاكه لموارد معدنية إستراتيجية، إلى جانب موقعه الجغرافي المطل على المحيط الأطلسي.
واعتبر أن إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج العالمية تمنح المغرب فرصة إضافية لتعزيز موقعه، بالنظر إلى ما يوفره من استقرار سياسي، واستمرارية مؤسساتية، وبنيات تحتية حديثة، واتفاقيات تفضيلية مع أسواق متعددة، فضلا عن رؤية تنموية بعيدة المدى.
وأكد على أن هذه العناصر لا تعبر عن علاقات صداقة رمزية، بل تشكل الأسس الحقيقية لتحالف إستراتيجي اقتصادي متين بين البلدين.
بوابة إفريقيا
يرى التمسماني أن التقارب المغربي الأمريكي يتجاوز الأبعاد الثنائية، ليأخذ بعدا قاريا يرتبط بإفريقيا، موضحا أن الولايات المتحدة تنظر بشكل متزايد إلى القارة الإفريقية باعتبارها فضاءً للمنافسة الجيوسياسية.
وأشار إلى أن المغرب استطاع أن يرسخ موقعه كبوابة رئيسية نحو إفريقيا عبر حضوره الاقتصادي والدبلوماسي والمالي داخل عدد كبير من الدول الإفريقية.
ولفت إلى أن تقاطع أولويات البلدين يفتح المجال أمام إطلاق مشاريع مشتركة في مجالات البنية التحتية والطاقة النظيفة والتحول الرقمي والتعليم والصحة والأمن الإقليمي، بما يجعل الشراكة المغربية الأمريكية تتجاوز الإطار الثنائي نحو مقاربة مشتركة لتنمية القارة.
رؤية مستقبلية
يعتبر التمسماني أن الرسالة الملكية لم تكن مجرد مناسبة للاحتفاء بذكرى تاريخية، بل جاءت لتؤكد وجود تقارب إستراتيجي متنامٍ بين الرباط وواشنطن.
وأوضح أن العلاقات بين البلدين تمتلك اليوم عناصر قوة نادرة، تجمع بين الشرعية التاريخية، والثقة السياسية، والتكامل الاقتصادي، وتقاطع المصالح الجيوسياسية، وهو ما يجعلها مؤهلة للانتقال إلى مرحلة جديدة من التحالف الإستراتيجي.
وأبرز أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في الحفاظ على هذه العلاقة الاستثنائية، وإنما في تعميقها وتحويلها إلى واحدة من أبرز التحالفات الإستراتيجية في الفضاء الأطلسي خلال العقود المقبلة.
وشدد على أن الفصل القادم من العلاقات المغربية الأمريكية لن تصنعه الذاكرة التاريخية وحدها، بل ستحدده الرؤية المشتركة والثقة المتبادلة وقدرة البلدين على تحويل إرثهما التاريخي إلى شراكة أكثر تأثيرا في مستقبل المنطقة والعالم.




تعليقات الزوار ( 0 )