هل كان دونالد ترمب يجهل فعلاً أن نفط فنزويلا ثقيل للغاية، خصوصاً في حزام أورينوكو، وأن استخراجه وتكريره عملية مكلفة ومعقدة، فضلاً عن تهالك البنية التحتية النفطية في البلاد؟ هل أقدم على خطوة اختطاف مادورو والتلويح بقصف كاراكاس من دون دراسة جدوى؟ هذه حقائق يعرفها أي تلميذ في الصف الأول بفنزويلا، وكان هوغو تشافس يكررها باستمرار على مسامع الشعب في برنامجه الشهير «ألو الرئيس»، موضحاً التحديات التقنية والاقتصادية لقطاع النفط. لم تكن هذه أسراراً خافية على أحد.
لكن بعد لقاء ترمب مع شركات النفط الكبرى، والذي بدا وكأنه مزاد علني لبيع ثروات فنزويلا، ظهرت المفاجأة: لم تُبدِ هذه الشركات أي حماسة حقيقية للعودة إلى البلاد، خلافاً لتوقعات ترمب. ومنذ ذلك الحين، خفت الضجيج الأميركي اليومي حول فنزويلا. فجأة، وبعد نحو عشرة أيام من اختطاف مادورو، اختفت “القنابل الإعلامية”. هل أدرك ترمب أن خطته للاستيلاء على النفط الفنزويلي لن تسير كما تخيّل؟
المفارقة أن المعارضة الفنزويلية، التي بدت الخاسر الأكبر منذ الثالث من يناير، قد تكون المستفيد غير المباشر من فشل اجتماع ترمب مع شركات النفط. إذ سارع الرئيس الأميركي إلى إبداء رغبته في استقبال ممثلي المعارضة في البيت الأبيض، وعلى رأسهم ماريا كورينا ماتشادو، ليس فقط لتسلّم جائزة نوبل للسلام منها، بل أيضاً للاستماع إلى أفكارها ورؤيتها، بوصفها من نصّبت نفسها زعيمة لفنزويلا. لعلها، في نظره، تملك “الحل السحري” لمعضلة النفط.
غير أن شركات النفط لا تبحث عن خطابات سياسية، بل عن ضمانات قانونية تحميها من تكرار تجربتها السابقة مع الحكومة الفنزويلية التي ما زالت مدينة لها بمبالغ ضخمة. وهذه الضمانات لا يمكن توفيرها إلا عبر تعديل الدستور الذي وضعه هوغو تشافس، والذي صُمّم أساساً لحماية قطاع المحروقات من هيمنة الشركات الأجنبية. وأي تعديل دستوري يتطلب استفتاءً شعبياً، وهو أمر يبدو من الصعب على ديلسي رودريغيس تمريره في الظروف الراهنة.
هذا التخبط يفتح الباب أمام تساؤل أوسع: ماذا لو لم تكن فنزويلا هي الهدف بحد ذاته، بل مجرد عتبة لمشروع أكبر يسعى ترمب من خلاله إلى فرض ملامح نظام عالمي جديد؟ نظام يقوم على استعراض القوة العسكرية والتكنولوجية في مواجهة الصين وروسيا، وعلى ترسيخ “البلطجة السياسية” كقاعدة حاكمة للعلاقات الدولية بين الأقوياء والضعفاء.
في المقابل، يسود الغموض المشهد الفنزويلي. ترمب نصب نفسه عملياً رئيساً بالوكالة لفنزويلا، ويصرّح بأن الحكومة الحالية حليفة جيدة. أما الحكومة الفنزويلية، فلا ترد على تصريحاته، بل تواصل ديلسي رودريغيس خطابها المعادي للإمبريالية والمطالب بالإفراج عن الرئيس المختطف نيكولا مادورو وزوجته سيليا فلوريس. ترمب لا يعلّق على كلامها، وهي لا تعلّق على كلامه، فيما يقف الشعب مذهولاً، يتساءل: من نصدّق؟
وهكذا بات لفنزويلا أكثر من رئيس:
نيكولا مادورو،
ديلسي رودريغيس،
دونالد ترمب،
ولا ننسى إدموندو غونزالس الذي اعترف به الغرب رئيساً منتخباً في 2024، وطبعاً ماريا كورينا ماتشادو، المستعدة لفعل أي شيء من أجل الوصول إلى الحكم.
والمفارقة أن ماتشادو نفسها تواصل ارتكاب الأخطاء، إذ سارعت إلى لقاء البابا قبل لقاء ترمب، علماً بأن البابا كان قد انتقد اختطاف مادورو.
ومعروف عن ترمب مزاجيته وحساسيته المفرطة تجاه مثل هذه التفاصيل. من المؤكد أن ماتشادو تدرك أن نشر البحرية الأميركية للسيطرة على ناقلات النفط وقرصنتها لن يكون كافياً لإيصالها إلى الحكم؛ فهي ستحتاج إلى قوات أميركية على الأرض. عندها ستكتمل الصورة الكلاسيكية لزعيمة تدخل بلادها على ظهر دبابة أميركية، وهو سيناريو مكلف سياسياً أكثر بكثير من إصلاح قطاع النفط بكل تعقيداته التي لا ترغب الشركات النفطية أصلاً في خوضها. ولهذا يبدو هذا السيناريو مستبعداً في الوقت الراهن.
أمام هذا المشهد المرتبك، قد تكون سياسة «كلٌّ يغنّي على ليلاه» هي الخيار الواقعي الوحيد المتاح للجميع… إلى أن تتضح ملامح اللعبة الكبرى.






تعليقات الزوار ( 0 )