يشهد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تصاعداً حاداً في وتيرة الصراع، بما يساهم في إعادة تشكيل توازنات المنطقة ورسم ملامح نظام إقليمي جديد. فمنذ الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة على إيران في 28 فبراير، واغتيال عدد من القيادات الإيرانية، على رأسهم المرشد الأعلى، إضافة إلى علي لاريجاني الذي كان مرشحاً لاستكمال مسار التفاوض مع الولايات المتحدة، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد.
اعتمدت هذه الضربات على استراتيجية جوية تستهدف البنى التحتية والمنشآت العسكرية والقيادات، في حين ردّت إيران عبر التصعيد العمودي باستخدام الوكلاء، والتصعيد الأفقي باستهداف دول الخليج بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، خاصة منشآت الطاقة، مما أدى إلى اضطرابات في النقل والخدمات، في محاولة لجرّ المنطقة إلى حرب إقليمية أوسع.
من الواضح أن هذه الحرب تمثل لحظة فارقة، ليس فقط في تاريخ إيران أو الخليج، بل في المنطقة ككل، رغم أنها لا ترقى من حيث الحجم إلى حروب سابقة كالحرب العراقية-الإيرانية أو غزو الكويت 1990 أو حرب العراق 2003. ومع ذلك، فقد أصبح تأثيرها على سوق الطاقة جلياً، خاصة مع تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما يعكس تداخلاً واضحاً بين الصراع الإقليمي ورهانات النظام الدولي.
في هذا السياق، يظهر الطابع الفوضوي للنظام الدولي، حيث تغيب سلطة عليا قادرة على ضبط النزاعات، مما يفرض على الدول الاعتماد على مبدأ “المساعدة الذاتية” لحماية أمنها. كما تعاني المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، من تراجع فعاليتها في ظل أزمات هيكلية ومالية متفاقمة.
1- عصر قانون القوة وتآكل شرعية المؤسسات الدولية
تفرض الفوضى الدولية على الدول أن تجعل من البقاء هدفها الأساسي، فتسعى لتعظيم قوتها بدلاً من الحفاظ على توازنها. ومن هذا المنطلق، تعكس الحرب الحالية انتقالاً من “قانون القوة” إلى “قوة القانون”، حيث باتت العمليات العسكرية، مثل الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، تتم خارج الأطر القانونية الدولية، تحت مبرر “الدفاع الاستباقي”.
كما لا يمكن فصل هذه الحرب عن التنافس الأمريكي-الصيني، إذ أصبحت الممرات المائية الاستراتيجية، خاصة في الخليج، جزءاً من معادلة الصراع العالمي، في ظل سعي واشنطن للضغط على الصين عبر التحكم في مصادر الطاقة.
في المقابل، تتبنى الصين نهجاً حذراً، حفاظاً على أمنها الطاقي، مع استمرار دعمها لإيران لتفادي عزلها، وضمان استقرار مشروع “الحزام والطريق”.
2- منطق القوة والهيمنة: قراءة من منظور الواقعية الهجومية
تقدم الواقعية الهجومية، كما صاغها جون ميرشايمر، تفسيراً لهذا السلوك، حيث تسعى الدول لتعظيم قوتها لضمان بقائها. ومن بين المحددات الأساسية:
المياه المانعة:
تشكل البحار والمحيطات عائقاً أمام الحروب البرية، مما يدفع القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، إلى الاعتماد على الضربات الجوية والردع بدل الغزو المباشر.
الأنظمة التعديلية:
وهي الدول التي تسعى لتغيير النظام الدولي لصالحها، كما هو الحال مع إيران وإسرائيل، في سياق صراع نفوذ إقليمي متصاعد.
كما يبرز دور المضائق البحرية، مثل مضيق هرمز، كأداة ضغط جيوسياسي، حيث يمكن لإغلاقه أن يشل الاقتصاد العالمي، مما يعزز أهمية السيطرة على الممرات الاستراتيجية في الحروب الحديثة.
على سبيل الختم
تؤكد الحرب الحالية أن الشرق الأوسط دخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة، تقوم على تصاعد منطق القوة وتراجع قوة القانون. ولم يعد الصراع مجرد مواجهة إقليمية، بل أصبح جزءاً من إعادة ترتيب النظام الدولي، في ظل صعود التنافس بين القوى الكبرى.
كما تكشف هذه الحرب أن الحل العسكري لم يعد حاسماً في ظل تعقيد الفاعلين وتشابك التحالفات، مما يرجح تحولها إلى حرب استنزاف طويلة، يصعب التنبؤ بمآلاتها على المستويين الإقليمي والدولي.





مقال رفيع المستوى، تحليل علمي لا يستهان به، يستحق صاحب المقال كل التشجيع. حفظك الله ورعاك