أخبار ساعة

01:05 - في اليوم العالميّ للكتاب إيرنيسْطُو سَابَاطُو كاتب أرجنتيني أنقذه ” الكِتَاب ” من مَوْتٍ مُحَقّق00:41 - تدفق اللاجئين.. أزمة إنسانية أم فشل بنيوي؟23:19 - السيادة الطاقية بين طموح المتجددة وواقع تكرير البترول23:02 - “التقدم والاشتراكية” يطرح مقترح قانون لتنظيم مهنة الأخصائي النفسي بالمغرب22:30 - حماية المستهلك تحذر من تآكل القدرة الشرائية وتدعو لحلول هيكلية22:24 - نموذج الحكم الذاتي والأمن القومي المغربي22:16 - المغرب والنمسا يتباحثان حول تعزيز الشراكة القضائية21:05 - اتهامات برلمانية لـ”مافيا العقار” بالسطو على أملاك الدولة بالدار البيضاء20:17 - صافرة “الإياب” تعيد أزمة التحكيم للواجهة19:23 - مشاورات مغربية أمريكية بواشنطن حول ترتيبات أمنية بقطاع غزة
الرئيسية » مقالات الرأي » نموذج الحكم الذاتي والأمن القومي المغربي

نموذج الحكم الذاتي والأمن القومي المغربي

يعتبر الأمن القومي كونه مجموع الأعمال التي تسعى للحفاظ على أمن الدولة ووحدتها ومصالحها في ظل الإرتباط الوثيق بتحقيق التنمية لمجموع سكانها، والإرتقاء في مدارج القوة والتقدم، ذا علاقة وطيدة بحماية الوحدة الوطنية والترابية للبلاد، وصيانتها من التفكك والتجزء، والعوامل المؤدية لذلك.

في هذا السياق، تلعب أساليب التنظيم والتقسيم الإداري والترابي، دورا بالغ الأهمية في الحفاظ على الأمن القومي للدول، ومن أكثر ذلك شيوعا نظام الحكم الذاتي. وقد سبق وطرحت الدولة المغربية قبل عقدين من الزمن، مبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، باعتبارها حلا مرضي لجميع الأطراف في سياق إيجاد حل نهائي لقضية الصحراء التي تعتبر من أكثر القضايا تهديدا لأمن البلاد القومي، كيف لا وهي تهدد بفصل المغرب عن العمق الإفريقي ومنطقة الساحل، واقتطاع مساحة شاسعة من ترابه تتضمن ثروات هائلة ومهمة، وتغيير وضعه الجيوسياسي وجعله محاصرا بالأعداء والمنافسين من كل جانب، وما إلى ذلك من التهديدات السياسية والإقتصادية والإستراتيجية.

هذا، وفي خضم الزخم الذي لقيته هذه المبادرة من قبل عدد كبير من الدول، وخاصة الدول المهمة في المجتمع الدولي كالولايات المتحدة، وخاصة في ظل تبنيها من قبل مجلس الأمن على خلفية قراره الأخير الصادر في أكتوبر الماضي 2025، والذي يعتبر انجازا مهما ودرة تاج ما حققته الدبلوماسية المغربية في هذا الملف، يُثار السؤال حول آثار وأبعاد نموذج الحكم الذاتي على الأمن القومي للمغرب. حيث لا تعتبر الإجابة على مثل هذا السؤال أمرا من السهولة بمكان، فنظام الحكم الذاتي كما هو أحد أساليب صيانة الوحدة الترابية والوطنية وحماية الأمن القومي للدول، هو أحيانا أخرى يكون وسيلة للعكس في حال فشله وتعمق عوامل وأسباب التفرقة.

في هذا الصدد عرفت العديد من دول العالم حالات ناجحة طبق فيها هذا النظام، فنعمت تلك الدول بالإستقرار، والوحدة، وتفرغت لتحقيق التنمية  والإرتقاء بمختلف أنواع الحقوق الإنسانية، حيث تستنزف النفقات العسكرية موارد الشعوب في حالات عدم الإستقرار والصراعات على السلطة. ومن أشهر النماذج التي تضرب مثلا في هذا السياق، نجد مناطق الباسك وكتالونيا وغاليسيا في إسبانيا، والتي حظيت بالحكم الذاتي بعد سقوط نظام فرانكو وعودة الديمقراطية، فتمتعت بسلطات محلية واسعة شملت النظام الضريبي والشرطة المحلية والثقافة والتعليم وغير ذلك، وهو ما جعل الجارة الشمالية للمغرب أكثر قوة ووحدة واستقرارا.

ويضاف إلى هذا كل من اسكتلندا في المملكة المتحدة. وإقليم جنوب تيرول في إيطاليا، حيث استطاع نموذج الحكم الذاتي في هذه الحالة المزاوجة بين الحفاظ على الخصائص الثقافية للمجموعة السكانية الناطقة بالألمانية، وبين حفظ وحدة التراب الإيطالي دون اللجوء إلى حل الإنفصال.

ولعل من أكثر النماذج التي يظهر فيها الدور الإيجابي لنظام الحكم الذاتي في حفظ الأمن القومي للدول، هو نموذج إقليم أتشيه في إندونيسيا، فبعد سنوات طويلة من النزاع المسلح ناهزت ثلاثة عقود، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف، حيث قتل بين 1990 و1998 فقط ما يصل إلى اثنا عشرا ألفا، وخسائر اقتصادية كبيرة، حيث عرف الإقليم شللا اقتصاديا، إذ توقفت الإستثمارات المحلية والأجنبية، وتراجع إنتاج النفط والغاز رغم أن الإقليم من أغنى مناطق إندونيسيا بالموارد، وتدمرت البنى التحتية، وأنفقت الحكومة ملايير الدولارات على النزاع، عرف أخيرا تطبيق نظام حكم ذاتي موسع في عام 2005 على خلفية اتفاق هلسنكي، ما أنهى مسارا مؤلما من التفتت والصراعات الدموية.

 لكن هذه الصور المضيئة من التجارب الناجحة لنظام الحكم الذاتي في حفظ الأمن القومي للدول، لا تخفي بعض حالات الفشل التي أدت إلى الإنفصال آخر الأمر. وعلى  رأس هذه الأمثلة يحضر نموذج جنوب السودان، حيث يعد من أبرز الأمثلة على تحوّل نظام الحكم الذاتي إلى بوابة للانفصال. فقد نصت اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 على منح الجنوب حكمًا ذاتيًا واسعًا داخل السودان، مع حق تقرير المصير لاحقًا. لكن هذا لم يُعزّز الوحدة الترابية والوطنية، بل مهّد لاستفتاء 2011 الذي انتهى بالاستقلال الكامل. ويُظهر هذا النموذج أن الحكم الذاتي، إذا ارتبط بحق الانفصال، ولم يتم تعزيز عناصر الهوية الوطنية الجامعة، فقد يتحول إلى مرحلة انتقالية نحو التفكك والإنفصال.

بل أكثر من ذلك، حتى بعض النماذج التي عرفتها اسبانيا من الحكم الذاتي، والتي تبقى على غرار نظيراتها في القارة الأوروبية من أنجح نماذج الحكم الذاتي في صيانة الأمن القومي للدول، كادت تتحول في بعض المراحل إلى الإنفصال، ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما عرفه إقليم كاتالونيا قبل أعوام قليلة، فعلى الرغم من تمتع الإقليم بحكم ذاتي واسع داخل إسبانيا منذ دستور 1978، لكن هذا لم يمنع تصاعد النزعة الانفصالية، التي بلغت ذروتها في استفتاء كتالونيا 2017 وإعلان الانفصال الأحادي، حتى إن الدولة اضطرت إلى تعليق الحكم الذاتي مؤقتًا، وهو ما يدل على وجود توتر بنيوي في العلاقة بين المركز والإقليم لم يزدد مع الوقت إلا عمقا.

هذه الوقائع تطرح الكثير من الأسئلة حول مآلات تطبيق نظام الحكم الذاتي في الدول، فهذا النموذج لا يستلزم لنجاحه توافر مستويات متقدمة من الديمقراطية الحقيقية وحقوق الإنسان وحسب، فاسبانيا مثلا دولة ديمقراطية لا مقارنة بينها وبين السودان، ومع ذلك وصل نموذج الحكم الذاتي في كاتالونيا إلى حافة الإنفصال، كما أدى فعليا إلى الإنفصال في السودان. ولكنه يستلزم فضلا عن الديمقراطية المتقدمة، البناء الواعي للهوية الجامعة المتعالية فوق كل عناصر الإختلافات المحلية، ووضع الأهداف والتحديات المشتركة التي لا يمكن معالجتها محليا، وإنما فقط من خلال الحكومة المركزية الجامعة لمختلف عناصر القوة المحلية. إن النجاح الكبير لنظام الحكم الذاتي، يستلزم مشروعا جامعا يتضمن أهداف مشتركة يكون للجميع على المستويات المحلية مصلحة في تحققها، ولا يمكن لأحدهم أن يحققها بمفرده.

إن مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب في هذا السياق، وحضيت بقبول واسع، وإقرار من مجلس الأمن، تشكل فرصة تاريخية لصيانة أمن المغرب القومي، والطي النهائي لهذا النزاع، فالمبادرة المقترحة منذ العام 2007 تضمنت كل بذور النجاح، وتقدم عرضا لا يمكن تفويته لحكم الإقليم محليا بصلاحيات واسعة، مع ما يتيحه ذلك من تفرغ وموارد للتنمية والبناء. وإن مما يعزز فرصة نجاح هذا النموذج في إقليم الصحراء، ما يمتلكه المغرب من خصائص ذاتية لا تتوفر في المناطق التي فشل فيها الحكم الذاتي وتحولت للإنفصال، فالمغرب يستطيع من خلال تقوية الهوية الإسلامية الجامعة، والإستناد إلى الروابط التاريخية بين الصحراء وشيوخ الصحراء ومركز السلطة على امتداد قرون، وما يمكن أن يدره ذلك من منافع مستقبلية على من يهمهم الأمر، إضافة إلى تعزيز حقوق الإنسان ومستويات العيش الكريم، أن يؤسس لنموذج ناجح جدا من الوحدة الوطنية عبر آلية الحكم الذاتي التي يمكن توسيعها لمعالجة مختلف أنواع النزعات نحو ممارسة السلطة على المستويات المحلية التي تتخذ أساسات ومظلات مختلفة. ويمكن احتواء مخاطرها المحتملة بالتنصيص الدستوري الواضح على إلغاء نظام الحكم الذاتي بشكل مباشر عند أول محاولته للتحول نحو الإنفصال، فبه تبطل قانونيا صلاحيات الحكومات المحلية وتصادر سلطاتها.

إن نجاح نموذج الحكم الذاتي في المغرب لا يمثل فقط حلا لقضية الصحراء، وضمانا لأمنه القومي، ولكن هذا النجاح في ظل الفشل المتراكم في باقي نواحي المغرب الكبير، قد يمثل أملا وأساسا لنوع من الإتحاد والإندماج الفعال ضمن منظومة دول المغرب الكبير، وهو ما يعني الكثير من الفرص والإستقرار والأمن لمختلف الشعوب المغاربية ضمن اتحاد يكون مركزه ودرة تاجه المغرب الأقصى، وهو ما يحظى بأهمية بالغة في ظل التحديات الأمنية الخطيرة التي تهدد المنطقة في حال انفجار أي نزاع مسلح على خلفية أي قضية من القضايا. فالمخاطر والمآسي والمؤامرات التي تعصف بالشرق الإسلامي، تستلزم من العقلاء وأهل الحل والعقد في مغربه، التعامل بالكثير من العقلانية وبعد النظر، والعمل على الدفع نحو البناء والإستقرار لما فيه مصلحة كل شعوب ودول المنطقة وفق منطق رابح رابح دون أقصاء أو تجاهل لمصالح أي طرف وحقوقه.

باحث في الدراسات السياسية والقانونية

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

في اليوم العالميّ للكتاب إيرنيسْطُو سَابَاطُو كاتب أرجنتيني أنقذه ” الكِتَاب ” من مَوْتٍ مُحَقّق

28 أبريل 2026 - 1:05 ص

 فى اليوم العالمي للكتاب  حريٌّ بنا أن نذكّر القراء الكرام بقصّة طريفة عاشها الكاتب الأرجنتيني الساخر  إيرنيسطو ساباطو،  مع الموت

مدينة سلا تحت سيطرة الكلاب الضالة

26 أبريل 2026 - 10:03 م

يُحكى أنه كان في مدينة سلا سوق يُدعى سوق الكلب ظلما وعدوانا، والحقيقة أن المدينة بأكملها تفوقت على نفسها واستحقت

الأمل المتجدد بين أبي القاسم الشابي وبيرسي شيلي

26 أبريل 2026 - 9:58 م

     يُعَدُّ الأمل من أعمق القيم الإنسانية وأكثرها قُدرة على مقاومة العدم واليأس، فهو القوة الخفية التي تدفع الإنسانَ إلى

تأثير صراعات الحركة الوطنية في الجزائر على العلاقات مع المغرب!

26 أبريل 2026 - 12:39 ص

النظام الجزائري الحالي ينظر إلى العالم كله، بل وإلى الكون بأكمله، بسمواته وأراضيه وجنته وجحيمه، من منظور واحد، وهو منظور

الثقة المفقودة في السياسة: هل تنقذها الحكامة؟

26 أبريل 2026 - 12:28 ص

إذا كان الرهان، كما بسطت معالمه في مقالي السابق، يتمثل في تحويل برامج التنمية الترابية المندمجة إلى رافعة لإعادة بناء

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°