تشهد منطقة الساحل، وعلى رأسها الحدود المالية الموريتانية، تحولات متسارعة في أنماط الهجرة القسرية، حيث لم يعد تدفق اللاجئين الماليين نحو موريتانيا، خاصة في الحوض الشرقي، حدثًا ظرفيًا عابرًا، بل أصبح تعبيرًا عن أزمة مركبة ذات أبعاد أمنية وسياسية واجتماعية متداخلة، وفي ظل تصاعد وتيرة النزوح منذ أواخر 2025، تتكشف حدود المقاربات التقليدية التي تختزل الظاهرة في بعدها الإنساني، دون الإحاطة بجذورها البنيوية.
وفي هذا السياق، قدّم الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء حسن بنطالب، ضمن مذكرة استراتيجية نشرتها منصة “ميغرابريس”، قراءة تحليلية نقدية تستند إلى معطيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بهدف تفكيك ديناميات هذا التدفق، واستشراف مخاطره، ورصد تداعياته الإقليمية، خاصة على المغرب باعتباره فاعلًا غير مباشر في هذه التحولات.
❖ وضع ميداني
تكشف المعطيات الميدانية عن تصاعد ملحوظ في أعداد اللاجئين الماليين المتدفقين نحو موريتانيا، في سياق يتسم باستمرار العنف المسلح داخل مالي.
ويتميز هذا النزوح بكونه قسريًا بالدرجة الأولى، مدفوعًا بعوامل أمنية أكثر من كونه نتيجة دوافع اقتصادية تقليدية.
كما أن التركيبة الديمغرافية للاجئين، التي يغلب عليها النساء والأطفال، تعكس مستوى مرتفعًا من الهشاشة الاجتماعية، خاصة في ظل تفكك الوحدات الأسرية.
ويزيد من تعقيد الوضع ضعف التسجيل المؤسسي، حيث تظل نسبة كبيرة من اللاجئين خارج منظومات الإحصاء والدعم، ما يحرمهم من الخدمات الأساسية ويجعلهم “غير مرئيين” إداريًا.
❖ استقرار قسري
تبرز المذكرة أن ما يبدو كأزمة طارئة يخفي في الواقع تحولًا نحو وضعية استقرار قسري طويل الأمد، نتيجة تكرار موجات النزوح وغياب أفق العودة.
والمناطق الحدودية لم تعد مجرد فضاءات عبور، بل تحولت إلى مناطق استقرار هش، تتطلب سياسات بعيدة المدى.
وهذا التحول يطرح إشكالًا جوهريًا يتمثل في عدم ملاءمة السياسات قصيرة الأمد مع طبيعة الأزمة البنيوية، ما يهدد بإعادة إنتاج نفس الاختلالات بدل معالجتها.
❖ حكامة ضعيفة
لا يعد ضعف تسجيل اللاجئين مجرد خلل تقني، بل يعكس أزمة أعمق في الحكامة، حيث يؤدي غياب المعطيات الدقيقة إلى إعاقة التخطيط والتنسيق بين الفاعلين.
ويحد هذا الأمر أيضا؛ من قدرة اللاجئين على الولوج إلى حقوقهم، وينتج فئة مهمشة خارج أي إطار مؤسساتي.
وتحذر المذكرة من أن هذا الوضع قد يفضي إلى نشوء “فضاءات خارج الحكامة”، يصعب ضبطها أو إدماجها ضمن السياسات العمومية، خاصة في المناطق الهامشية.
❖ ضغط محلي
تواجه المجتمعات المستقبِلة، التي تعاني أصلًا من الهشاشة، ضغوطًا متزايدة نتيجة تدفق اللاجئين، سواء على مستوى الموارد الطبيعية كالماء والمراعي، أو على مستوى فرص الشغل.
ويؤدي هذا التنافس إلى بروز توترات اجتماعية كامنة، قد تتطور إلى صراعات مفتوحة في حال غياب تدخلات فعالة.
وتشير المذكرة إلى أن تجاهل هذا البعد الاجتماعي قد يحول الأزمة الإنسانية إلى أزمة مجتمعية مركبة، تهدد الاستقرار المحلي.
❖ بُعد سياسي
تنتقد المذكرة المقاربة الإنسانية الصرفة التي تعتمدها بعض التقارير الدولية، معتبرة أنها تُفرغ الأزمة من بُعدها السياسي، عبر التركيز على الحاجيات الآنية والسرديات الفردية، مقابل إغفال جذور الأزمة المرتبطة بعدم الاستقرار في مالي، والديناميات الإقليمية، والمسؤوليات السياسية.
وهذا “نزع التسييس” يؤدي حسب التحليل إلى إعادة إنتاج نفس الحلقة: أزمة، ثم تدخل إنساني، ثم عودة إلى الأزمة، دون معالجة الأسباب العميقة.
❖ ديناميات اجتماعية
تقدم المذكرة قراءة سوسيولوجية معمقة تعتبر أن الهجرة في هذا السياق لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت حالة دائمة ضمن نمط دائري يتكرر فيه النزوح والاستقرار الهش.
وتبرز ظاهرة “إنتاج اللا-مرئية”، حيث يؤدي غياب التسجيل إلى تهميش إداري واجتماعي، يكرس التبعية ويضعف القدرة على المطالبة بالحقوق.
وفي المقابل، تؤكد على تنوع مسارات اللاجئين، بين من هم في حالة عبور، ومن استقروا، وآخرين يعيشون نزوحًا متكررًا، ما يجعل السياسات الموحدة غير فعالة.
❖ سيناريوهات قادمة
ترجح المذكرة استمرار الوضع الحالي مع تدهور تدريجي، في ظل غياب حلول جذرية، مع احتمال تصعيد الأزمة في حال تفاقم الوضع الأمني في مالي، وأما سيناريو الاستقرار، فيبقى ضعيفًا ومرتبطًا بتحولات جيوسياسية كبرى.
وتقترح المذكرة جملة من التوصيات، أبرزها الانتقال من منطق الطوارئ إلى منطق بنيوي، وتعزيز آليات التسجيل، ودعم المجتمعات المستقبِلة، وتكييف السياسات حسب فئات اللاجئين، إضافة إلى ضرورة إعادة إدماج البعد السياسي في تحليل الظاهرة.
❖ أثر مغربي
لا تظل تداعيات هذه الأزمة محصورة في موريتانيا، بل تمتد إلى المغرب، الذي يُعد جزءًا من المسارات الهجرية الإقليمية.
ومن بين أبرز التأثيرات المحتملة، ارتفاع تدفقات الهجرة نحو المغرب، وتعزيز دوره كفاعل في ضبط الحدود، إلى جانب الضغوط المحتملة على بنياته الاجتماعية والاقتصادية.
وتكشف هذه الدينامية عن مفارقة لافتة، حيث يتحول المغرب من بلد مصدر للهجرة إلى بلد عبور واستقرار، يواجه تحديات مشابهة لتلك التي عرفها مهاجروه في أوروبا.
وتشير المذكرة إلى أن الأزمة في الحوض الشرقي لم تعد مجرد وضع إنساني طارئ، بل أضحت نظامًا للهجرة القسرية المستمرة، يعكس اختلالًا عميقًا بين طبيعة الأزمة البنيوية، ونوعية الاستجابات الظرفية.
وبدون مراجعة شاملة للمقاربات المعتمدة، تظل التدخلات الحالية محدودة الأثر، بل قد تساهم في إعادة إنتاج الأزمة بدل حلها، في سياق إقليمي يتسم بتشابك الأزمات وتداخل الفاعلين.




تعليقات الزوار ( 0 )