يُحكى أنه كان في مدينة سلا سوق يُدعى سوق الكلب ظلما وعدوانا، والحقيقة أن المدينة بأكملها تفوقت على نفسها واستحقت الإسم بدون تَجَنّي من أحد…كيف لا وأينما حللت وارتحلت تصادفك قوافل الكلاب تصول وتجول في المدينة بكل حرية وثقة و كثيرٍ من الإعتداد وهي ترمق عيون المارة، لتتأكد من نجاحها في بث الرعب والهلع فيها، مضيفةً لمستها “الجميلة” على مظهر المدينة الغارق في “الجمال” دون أن تنسى أداء واجب الضيافة للسياح من داخل المغرب وخارجه، ولا الترحيب بالمصطافين على طول الشاطئ والجالسين على العشب يَرْجُون هواءً نقيا وهدوءا مفقودا.
وفي الساعات الأولى من الصباح تتحول رياضة المشي إلى جري، لا رغبة في لياقة بدنية بل رهبة من عضة كلب مسعور قد تكون نهايتها الموت المحقق. أما الخروج لصلاة الفجر فقد أصبح أمرا محفوفا بالمخاطر ومجازفة، ثمنها لا يمكن توقعه.
ملف على الطاولة أم على الأرفف؟
ظل ملف الكلاب الضالة مطروحا منذ سنوات على طاولة المجلس الجماعي لسلا يتلمس طريقه نحو حل جذري ينهي معه معاناة الساكنة التي لا تنتهي مع الأعداد المتزايدة من الكلاب الضالة التي تجوب الشوارع والأزقة والشاطئ ومحطات الترامواي والإقامات السكنية ومختلف المدارات والحدائق والساحات العمومية، مما يسيء إلى منظر المدينة ويهدد سلامة الساكنة ويزيد القلق بشأن الصحة العامة، خصوصًا أن هذه الكلاب أصبحت تشكل ناقلا للعديد من الأمراض الخطيرة كداء الأكياس المائية والليشمانيا وداء السعار الذي لا يزال يحصد العديد من الأرواح ببلادنا.
وفي هذا الصدد تم توقيع اتفاقية الإطار للشراكة والتعاون في 28 فبراير سنة 2019 بين وزارة الداخلية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية ووزارة الصحة والهيئة الوطنية للأطباء والبياطرة، تضمنت سبع مواد عامة تاركة مجال التفصيل والتدقيق لشراكات لاحقة للأطراف المعنية وبالأخص جمعيات المجتمع المدني التي تعمل في مجال حماية الحيوانات لكونها أكثر خبرة بكيفية إدارة وتدبير الحيوانات الضالة وذلك وفق استراتيجية تعتمد برنامج (TNR).
في دورة فبراير 2023 وافق مجلس جماعة سلا على اتفاقية شراكة بين ولاية جهة الرباط سلا القنيطرة وعمالة الرباط وعمالة الصخيرات تمارة وعمالة سلا وجماعة الرباط وجماعة تمارة وجماعة سلا وبين الجمعية المغربية لحماية الحيوان والطبيعة لتدبير المستوصف الجهوي لإيواء الكلاب والقطط الضالة على مستوى عمالات الرباط وسلا والصخيرات وتمارة. وبمقتضى هذه الاتفاقية تم تحديد حصة مساهمة كل من الجماعات الثلاث في إطار ميزانية التسيير والتدبير الخاصة بالمستوصف الجهوي في مبلغ 2.000.000,00 درهم برسم سنة 2023 وبمبلغ 1.000.000,00 درهم برسم سنة 2024 والسنوات الموالية لكل جماعة على حدة أي بمجموع 12مليون درهم خلال ثلاث سنوات.
وتتعهد الجماعة وفق هذه الشراكة بضمان جمع ونقل الحيوانات الضالة الى المستوصف الجهوي تحت إشراف اطباء بيطريين مع إعادة الحيوانات المعالَجة إلى مواقع الصيد الأصلية.
ومن جهة اخرى تلتزم “الجمعية المغربية لحماية الحيوان والطبيعة” بإعداد التقرير المحاسباتي والمالي لأنشطة الجمعية بشكل نصف سنوي، وعرضه على لجنة التتبع للموافقة عليه، إضافة الى إعداد تقارير إحصائية ودورية (شهرية، سنوية) عن أنشطة الجمعية حول أعداد الكلاب والقطط الضالة التي تم جمعها، وعمليات المعالجة التي أجريت، وتوزيعها على الجهات المعنية بما فيها جماعة سلا. وتنص المادة 5 من اتفاقية الشراكة على احداث لجنة التتبع لمتابعة تنفيذ هذه الاتفاقية وضمان الامتثال لبنودها.
وبموجب اتفاقية الإطار للشراكة والتعاون لسنة 2019 السالفة الذكر دعمت وزارة الداخلية الجماعات الترابية لاقتناء مركبات مجهزة بالأقفاص ومعدات جمع الحيوانات، بميزانية تقارب 70 مليون درهم سنويا على مدى الأعوام الخمسة الماضية.
وفي سنة 2022 رصدت وزارة الداخلية غلاف مالي ناهز 17.35 مليون درهم من أجل مواكبة بعض الجماعات الترابية لبناء وتجهيز محاجز للحيوانات لإجراء عمليات التعقيم والتطعيم.
في يونيو 2025 كشفت وزارة الداخلية أن الدعم المالي المرصود من قبلها خلال الخمس سنوات الأخيرة من أجل إحداث وتجهيز مراكز الجمع وإيواء الحيوانات الضالة، خاصة الكلاب، واقتناء الآليات والمعدات الخاصة بجمع هذه الحيوانات، بلغ ما يناهز 214 مليون درهم (أي ما يعادل 21.4 مليار سنتيم)، وذلك في إطار تفعيل الاتفاقية الإطار السالفة الذكر للتصدي لظاهرة الكلاب الضالة.
وفي نفس الإطار أعلنت الهيئة الوطنية للأطباء البياطرة عن تجنيد مواردها البشرية المتمثلة في أزيد من 2000 طبيب بيطري من المشتغلين في القطاع الخاص وكذلك الأساتذة الباحثين و البياطرة العاملين بالمصالح المركزية والإقليمية للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والجماعات الترابية بكل جهات المملكة، ووضعهم رهن إشارة السلطات للإستفادة من خبرتهم العلمية وتجاربهم الميدانية.
وأكدت الهيئة عن استعدادها للعمل مع كل الفاعلين في المجتمع المدني المهتمين بمعالجة هذه الظاهرة في إطار تنزيل مفهوم “صحة واحدة « one health ».
إلا أن تنامي انتشار الكلاب الضالة ووقوع حوادث بين الفينة الأخرى، يجعلنا نتساءل عن نجاعة كل هذه القرارات والإجراءات المُتخذة للحد من تكاثرها بشكل عشوائي، ولماذا لا نلمس أي اثر للتدابير المتخذة؟ هل بالفعل تم تنزيل مقتضيات الاتفاقية الإطار كما يجب؟ وهل هناك إرادة سياسية حقيقية للقضاء على هذه الظاهرة؟ وأين يكمن الخلل بالضبط؟
الظاهرة لازالت تتمدد…
وإذا كانت سياسة الـ (TNR) تقتضي إرجاع الكلاب التي تم اصطيادها لتعقيمها وتلقيحها ضد داء الكَلَب/ السُعَار وعلاجها من الطفيليات ثم وضع حلقة تميزها قبل ارجاعها إلى مكانها الاصلي، مما سيحد من توالدها وبالتالي المساهمة في استقرار عددها لينخفض تدريجيا بعد ذلك والحد من خطرها على المواطنين والحيوانات الأخرى، فهذا يعني أن كل كلب أو مجموعة كلاب ضالة تستوطن وتحمي مكانا معينا، وطالما كانت هذه المنطقة مستوطنة منهم فلا يمكن لأي مجموعة كلاب أخرى أن تدخله مما سيجعل المكان محميا من أي كلب دخيل حامل للأمراض وقادر على التناسل.
بمعنى أن الكلاب التي طُبق عليها برنامج الـ (TNR) ستصبح شريكة متطوعة يقظة تُسهم في حماية المكان والإنسان أيضا.
لكن اتضح، من خلال معاينة قطعان الكلاب الضالة المنتشرة بكثرة، أنها لم تخضع للتعقيم، لأنها لا تحمل الحلقات المتعلقة بالترقيم أو الترميز الذي يُعلّق في أُذُن الحيوان بعد خضوعه للتلقيح والتعقيم الجراحي على يد البياطرة في المستوصف البيطري العرجات.
وهذا ما يطرح تساؤلات حول مدى مسؤولية مجلس جماعة سلا على هذا الملف بعد تفويضه للجمعية المذكورة؛ هل يعني تنازل الجماعة عن اختصاصها في هذا المجال الذي تنص عليه المادة 100 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات المحلية؟ هل يعني اعفاؤها من مسؤوليتها تجاه هذه الظاهرة؟ ام أنها مطالبة بمراقبة وتقييم اداء الجمعية ومحاسبتها؟ هل تنعقد لجنة التتبع الخاصة بهذا الملف للتأكد من تطبيق بنود الصفقة بالشكل الذي يضمن سلامة السكان؟ وهل تتوصل الجماعة بشكل دوري بالتقارير المحاسبتية والمالية لأنشطة الجمعية والتقارير الإحصائية لأعداد الكلاب والقطط الضالة التي تم جمعها، وعمليات المعالجة التي أجرتها؟؟!!!






تعليقات الزوار ( 0 )