إذا كان الرهان، كما بسطت معالمه في مقالي السابق، يتمثل في تحويل برامج التنمية الترابية المندمجة إلى رافعة لإعادة بناء الثقة، فإن التحدي الحقيقي اليوم يتجاوز مستوى التصورات إلى مستوى الحكامة، باعتبارها الآلية التي تكسب الفعل العمومي مصداقيته. إن الأزمة في كيفية تدبير البرامج، وفي قدرة المؤسسات على تحويلها إلى أثر ملموس ومستدام في حياة المواطنين.
لقد أصبح واضحا أن النموذج التنموي يهدف إلى قدرة الإستثمار على تحقيق الإنصاف المجالي، وضمان الولوج العادل إلى الخدمات وتكريس كرامة المواطن كمرجعية أساسية لكل السياسات العمومية. وهنا، تتقاطع الحكامة مع الثقة، إذ تتحول الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة إلى شروط جوهرية لإعادة الإعتبار للفعل السياسي.
إن أحد أبرز أعطاب المرحلة يكمن في استمرار منطق تدبير البرامج بمقاربة عمودية، فكم من مشروع تم إنجازه دون إحداث النتائج المرجوة ، وكم من ورش كبير ظل حبيس تقارير تقنية لا تصل إلى إدراك المواطن. هذه الفجوة بين الإنجاز والأثر الملموس في حياة المواطنين تعيدنا إلى نفس الإشكال الجوهري: غياب تعاقد واضح بين الدولة والمجتمع، يحدد المسؤوليات، ويؤطر التوقعات، ويجعل من المواطن شريكا فعليا في التنمية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إرساء نموذج جديد للحكامة يقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية:
أولها، حكامة القرب، التي تجعل من المجال الترابي فضاء حقيقيا لاتخاذ القرار، وتعزز دور الجماعات الترابية كفاعل محوري في تنزيل السياسات العمومية، بما يضمن ملاءمتها مع الخصوصيات المحلية.
ثانيها، حكامة النتائج، التي تربط كل برنامج تنموي بمؤشرات دقيقة، قابلة للقياس والتقييم، وتخضع الفاعلين العموميين لمنطق الإنجاز الفعلي عوض الإكتفاء بالشعارات الرنانة.
وثالثها، حكامة الثقة، التي تقوم على الشفافية في المعلومة، والإنفتاح على المواطن، وتبسيط المساطر بما يعيد الإعتبار لعلاقة الدولة بالمجتمع.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المحوري للنخب السياسية، التي تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تنخرط في هذا التحول العميق، وتتبنى منطق الحكامة الجديدة، أو أن تظل أسيرة ممارسات تقليدية لم تعد قادرة على مواكبة تحولات المجتمع وتطلعاته. فالمواطن المغربي لم يعد يقبل التبريرات، و ينتظر وضوحا في الرؤية وجرأة في القرار والتزاما صادقا.
كما أن إعادة بناء الثقة تفرض تجاوز منطق الصراعات الهامشية، التي تستنزف الزمن السياسي، والإنتقال نحو تنافس إيجابي قائم على تقديم البدائل، واقتراح الحلول والمساهمة في تجويد السياسات العمومية. فالقيمة الحقيقية للفاعل السياسي اليوم هي البناء والمبادرة.
إن مغرب اليوم، في ظل التحولات الجيوسياسية والإقتصادية المتسارعة، بحاجة إلى جبهة داخلية قوية، أساسها الثقة بين الدولة والمجتمع، وركيزتها نخب مسؤولة تدرك أن السياسة لم تعد مجالا للإمتياز.
وفي هذا الإطار، تصبح الحكامة الجيدة ضرورة استراتيجية لضمان الإستقرار وتعزيز جاذبية المغرب، وترسيخ مكانته القارية والدولية.
وفي النهاية، فإن هندسة الثقة يمر عبر بوابة الحكامة؛ المقرونة بتعاقد واضح، تصان فيه كرامة المواطن لتحقيق تنمية عادلة وثقة مستدامة، بإرادة جماعية ومسؤولية مشتركة.




تعليقات الزوار ( 0 )