أخبار ساعة

15:15 - ارتفاع قياسي في أسعار الوقود يهدد رحلات “لارام”: خطوط جوية مهددة بالإلغاء ومخاوف على قطاع السياحة في المغرب13:29 - الألعاب الإلكترونية بالمغرب بين الفرص والتحديات في ندوة علمية بالدار البيضاء (+ صور)13:19 - باب دكالة يكشف التناقضات: خطاب الهوية أمام اختبار الواقع13:00 - عميد شرطة بجرف الملحة يجرّ تاجر ماء إلى القضاء بسبب التشهير12:35 - سباق التسلح يحتدم في المغرب: شركة إيطالية تدخل المنافسة بقوة لاقتناص صفقات الطائرات والمسيرات وسط هيمنة أمريكية وإسرائيلية11:50 - طنجة المتوسط: إحباط تهريب 17 ألف قرص مخدر وشحنة “معسل”11:20 - المغرب يعزز موقعه كقطب طاقي صاعد: الطاقات المتجددة تجذب الاستثمارات الدولية وتكرّس رهان السيادة الطاقية10:39 - بنيعقوب يكتب: تأثير صراعات الحركة الوطنية في الجزائر على العلاقات مع المغرب!10:30 - وزير الدفاع الأمريكي يصف حرب إيران بـ”هدية للعالم”.. وسط تحذيرات من أزمة غذاء واضطرابات اقتصادية عالمية09:00 - سحب وأمطار خفيفة ورياح بهذه المناطق
الرئيسية » مقالات الرأي » باب دكالة يكشف التناقضات: خطاب الهوية أمام اختبار الواقع

باب دكالة يكشف التناقضات: خطاب الهوية أمام اختبار الواقع

في قلب مدينة مراكش، وتحديداً في حي باب دكالة، لم يكن الجدل الذي رافق صلاة اليهود مجرد حادثة عابرة أو نقاش ظرفي محدود، بل تحوّل بسرعة إلى لحظة كاشفة تعيد طرح أسئلة عميقة حول طبيعة الهوية المغربية وحدود الخطاب الديني في الفضاء العام. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بممارسة دينية في حي تاريخي، بل تتجاوز ذلك لتلامس التوازن الدقيق بين التاريخ والتأويل، بين الواقع الاجتماعي المتعدد والخطابات التي تسعى أحياناً إلى تبسيطه أو اختزاله في رؤية أحادية. هذا التوتر يعكس في العمق صراعاً ضمنياً بين نموذجين: نموذج مغربي متجذر في التعدد والتعايش، ونموذج خطابي معاصر يميل إلى إعادة تعريف الهوية بمنطق الإقصاء والاصطفاف.

المفارقة الأساسية التي يبرزها هذا الجدل تكمن في أن المغرب، على المستوى التاريخي والمؤسساتي، لم يكن يوماً فضاءً أحادياً منغلقاً، بل تشكل عبر قرون من التفاعل بين روافد متعددة، دينية وثقافية ولغوية، من بينها الرافد العبري الذي ظل جزءاً لا يتجزأ من النسيج الوطني. هذا المعطى لم يعد مجرد سردية تاريخية، بل تم تكريسه بشكل واضح في دستور المغرب 2011، الذي أقرّ صراحة بتعدد مكونات الهوية المغربية. كما أن السياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة—من ترميم المعابد اليهودية، إلى إعادة الاعتبار للمقابر، إلى إدماج التاريخ العبري في المناهج التعليمية—تعكس توجهاً مؤسساتياً نحو تثبيت هذا التعدد كخيار استراتيجي للدولة. غير أن هذا المسار يصطدم أحياناً بخطابات سياسية أو دعوية ترى في هذا التعدد تهديداً للانسجام بدل أن تعتبره مصدر قوة.

وفي هذا السياق، يظهر التناقض بشكل أكثر حدّة عندما يتم استدعاء الدين كمرجعية لتبرير مواقف تقييدية تجاه حرية العبادة. فبعض التيارات الإسلامية، التي ترفع شعارات الدفاع عن القيم الأخلاقية والمرجعية الدينية، تجد نفسها في موقف معقد حين يتعلق الأمر بحقوق دينية لغير المسلمين داخل المجتمع المغربي. هنا لا يتعلق الأمر باختلاف فقهي أو نقاش فكري مشروع، بل بإشكالية أعمق تتعلق باتساق الخطاب ذاته: كيف يمكن الدفاع عن الدين كمنظومة قيمية شاملة قائمة على العدل والكرامة، وفي الوقت نفسه التحفظ على ممارسة دينية سلمية لا تمس النظام العام ولا تتعارض مع القوانين؟ هذا التوتر يكشف عن أزمة في تمثل مفهوم التعايش أكثر مما يعكس خلافاً حول واقعة بعينها.

باب دكالة، في هذا الإطار، يتحول من مجرد فضاء حضري إلى مرآة تعكس حدود الخطاب الإيديولوجي عندما يواجه واقعاً اجتماعياً مركباً ومتجذراً في التعدد. فالمغاربة، في حياتهم اليومية، لا يعيشون هذا التوتر بنفس الحدة التي تعكسها بعض النقاشات الإعلامية أو السياسية، بل يمارسون التعايش بشكل تلقائي وعفوي، في الأسواق، في الأحياء، وفي الذاكرة المشتركة التي تختزن قروناً من التفاعل بين المسلمين واليهود. هذا التعايش “الصامت” قد يكون أكثر تعبيراً عن حقيقة المجتمع من كل الخطابات التي تدّعي تمثيله، لأنه ينبع من تجربة تاريخية معاشة، لا من مواقف ظرفية أو حسابات سياسية

غير أن الخطورة تكمن في اللحظة التي يتم فيها تسييس هذه القضايا، حيث تتحول من نقاشات حول الحريات والحقوق إلى أدوات للتعبئة الإيديولوجية أو المزايدة السياسية. في هذه الحالة، يفقد الدين طابعه الروحي ويتحول إلى وسيلة للفرز الاجتماعي، ويتم استبدال منطق المواطنة بمنطق الهوية الضيقة. هذا التحول لا يهدد فقط حرية العبادة، بل يضعف أيضاً الثقة داخل المجتمع، ويخلق توترات غير مبررة بين مكوناته، في وقت يحتاج فيه المغرب إلى تعزيز تماسكه الداخلي في مواجهة تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية متزايدة.

ومن زاوية أوسع، يطرح هذا الجدل سؤالاً استراتيجياً حول موقع المغرب في العالم المعاصر، خاصة في ظل سعيه لتعزيز حضوره كفاعل إقليمي يعتمد على القوة الناعمة والتعدد الثقافي كأحد عناصر جاذبيته. فالنموذج المغربي للتعايش لا يُنظر إليه فقط كخيار داخلي، بل كرصيد رمزي يعزز صورة البلاد دولياً، سواء في مجالات الاستثمار أو السياحة أو الدبلوماسية الثقافية. ومن ثم، فإن أي خطاب يضعف هذا النموذج أو يشكك فيه، لا يقتصر تأثيره على الداخل، بل يمتد ليؤثر على تموقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

كما أن هذا النقاش يضع النخب الفكرية والإعلامية أمام مسؤولية حقيقية، تتجاوز مجرد نقل الوقائع إلى المساهمة في تأطير النقاش العمومي بشكل عقلاني ومتوازن. فالإعلام، في مثل هذه القضايا الحساسة، لا يمكن أن يكتفي بعكس الاستقطاب، بل عليه أن يلعب دوراً في بناء جسور الفهم، وتقديم قراءة معمقة تميز بين حرية التعبير وخطاب الإقصاء، وبين النقاش المشروع والتحريض الضمني. وهنا تتجلى أهمية إنتاج خطاب نقدي رصين، لا يسقط في التبسيط ولا في التهييج، بل يسعى إلى تفكيك التناقضات وإبرازها في إطار مسؤول.

في المحصلة، ما كشفه جدل باب دكالة ليس أزمة تعايش داخل المجتمع المغربي، بل أزمة خطاب حول هذا التعايش. فالمجتمع، في عمقه، يبدو أكثر انسجاماً مع قيم التعدد والانفتاح مما تعكسه بعض الخطابات السياسية أو الدعوية. وهذا ما يجعل التحدي اليوم لا يكمن في إعادة بناء التعايش، لأنه قائم بالفعل، بل في تطوير خطاب قادر على مواكبته وحمايته من التوظيف الإيديولوجي. وبين نموذج تاريخي أثبت قدرته على الاستمرار، وخطابات معاصرة تبحث عن شرعيتها في التوتر، يبقى الرهان الحقيقي هو ترسيخ هوية مغربية واثقة من تعددها، قادرة على تحويل الاختلاف من مصدر قلق إلى مصدر قوة.

* دكتور باحث واقتصادي

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

تكنولوجية التخلف في المغرب

25 أبريل 2026 - 1:05 ص

في نهاية القرن 19 ، بدأت التكنولوجيا الأوربية الحديثة تتسرب إلى المغرب بمنظومته الفكرية التقليدية وثقافته المحافظة . لذا فقد

الشّاعرة مِيرْيَام مُوسْكُونا “شهرزاد” مكسيكيّة تبحث عن جذُورها

24 أبريل 2026 - 4:50 م

 تنحدر الشاعرة المكسيكية “ميريام موسكونا ” من أصول بلغارية سفردية،  وهي من مواليد  عام 1955 بمدينة “مكسيكو سيتي” عاصمة المكسيك

الاعتراف المصري والمالي والكيني بمغربية الصحراء بين الرمزية السياسية والثقل الإقليمي

24 أبريل 2026 - 3:54 م

مند عودة المغرب إلى الاتحاد الافريقي في يناير 2017 ، عبأت الدبلوماسية المغربية  آلياتها اللوجستكية والبشرية لاقناع الدول الأعضاء بالتراجع

موت المؤلف في النظرية وعودته في المخيال الاجتماعي

24 أبريل 2026 - 2:14 م

هناك إشكالية تتكرر فى تلقى الأعمال الأدبية، تتمثل فى الخلط بين الخيال والواقع، وبين الكاتب وشخصياته، وهو خلط تترتب عنه

الطريق الرابع والبحث عن الفاعلين.. من تعب السياسة إلى الحاجة لمشروع إعلامي جديد!

23 أبريل 2026 - 11:09 ص

لم تعد الأزمة اليوم أزمة حكومة فقط، ولا أزمة معارضة فقط، ولا حتى أزمة برامج انتخابية بالمعنى التقني الضيق. ما

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°