هل نحن أمام أفول مرحلة أطروحة تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ وما ينجم عن ذلك من دعاوى التجزئة والتفكك للأوطان وإضعاف كيان الدولة القطرية في العالم العربي، وبداية تشكل معادلة إقليمية جديدة قوامها احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية؟
سؤال يفرض نفسه بإلحاح في ضوء التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، والدور المحوري المتنامي الذي تضطلع به دول عربية في طليعتها المملكة العربية السعودية وتركيا والمغرب في ضبط الإيقاع السياسي والعسكري، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية القطرية في مواجهة مشاريع التفكيك.
البيان الصادر عن وزارة الخارجية السعودية، والذي عبرت من خلاله عن أسفها لما وصفته بـ”الضغط” الذي مارسته دولة إقليمية على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي للقيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في حضرموت والمهرة، وما تلا ذلك من بيانات وبلاغات من أبرزها بلاغ وزارة الخارجية المغربية التي وقفت إلى جانب العربية السعودية في رفض زعزعة الاستقرار والدعوة إلى سيادة الدول العربية على أراضيها، لا يمكن قراءته خارج هذا السياق.
إن الدعوة الصريحة إلى انسحاب القوات الإماراتية من اليمن، ووقف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف خارج إطار الشرعية، شكل رسالة سياسية واضحة مفادها أنه لا مكان بعد اليوم لأي مقاربات تتجاوز سيادة الدول أو تُغذي مشاريع الانقسام ودعاوى الانفصال التي يرد لها أن تتحول إلى عدوى تصيب كل الدول العربية.
وإلى حدود اليوم، تبدو ملامح التحول أكثر وضوحا حيث عادت عدن إلى الشرعية الوطنية ومعها ما يقارب من 80 في المائة من الجغرافيا اليمنية، إلى كنف الحكومة الشرعية في اليمن، وهو ما يمثل تطورا استثنائيا يرجح كفة الدولة على حساب الكيانات الموازية.
هذا الواقع الجديد يفتح الباب أمام حسم ملف الجنوب ضمن منطق الدولة الواحدة، ثم الانتقال بعد ذلك إلى مسار تفاوضي مع أنصار الله وفق معادلة قوة مختلفة، فرضتها الوقائع الميدانية لا الأمنيات السياسية، وخاصة أن جماعة الحوثيين ستكون في أمس الحاجة إلى التهدئة في ظل الاحتجاجات العارمة التي تشهدها إيران، الراعي الرسمي، وما خلف ذلك من ضغوطات خارجية والتهديد بالحرب.
وفي السودان، تلوح في الأفق تحولات وشيكة لا تقل أهمية، الجيش السوداني الذي أعاد تموضعه وقيادته إلى الخرطوم، أصبح أقرب من أي وقت مضى إلى استعادة مساحات واسعة من الأراضي التي سيطرت عليها مليشيات دقلو حميدتي وحلفاؤه، وإدارة المعركة من العاصمة بعد طول غياب، ليست مجرد تفصيل عسكري وحسب، بل مؤشرا سياسيا على استعادة الدولة لمركز ثقلها ورمزيتها.
أما في سوريا، فقد طُوي عمليا ملف حلب، فيما تتقدم ترتيبات أكثر تعقيدا تتعلق بخروج آمن لقوات “قسد”، بعد وساطات إقليمية ودولية شاركت فيها أطراف فاعلة، من بينها دوائر عربية في طليعتها المملكة العربية السعودية، ووساطات تركية وغربية إلى جانب أدوار كردية محورية.
غير أن المشهد السوري لم يبلغ محطته الأخيرة بعد، فمنطقة الرقة، عاصمة داعش سابقا، تلوح كعنوان المرحلة المقبلة مع تقدم محسوب يتوقف عند خطوط فاصلة تراعي رمزية الطرق التجارية ومفاصل الحكم.
وفي الصومال، حيث اعتبرت صوماليلاند لسنوات نموذجا لانفصال الأمر الواقع، تشهد المعادلة اهتزازا غير مسبوق، هناك انقسامات داخلية وتنسيق متزايد بين الحكومة الصومالية وقبائل وازنة ترفض مسار الانفصال، بالتوازي مع إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي بمشاركة السعودية ومصر وتركيا، في اتجاه تفكيك مشروع الكيان المنفصل وإعادة الاعتبار لوحدة الدولة، ولاسيما مع فك دولة الصومال ارتباطاتها الأمنية والاقتصادية مع الإمارات.
وماذا عن ليبيا؟
تبقى ليبيا، حتى اليوم، الحلقة الأكثر تعقيدا وتأجيلا في هذا المسار، حيث إن حادث تحطم الطائرة التي كانت تقل قيادة عسكرية رفيعة المستوى ألقى بظلاله الثقيلة على وتيرة انخراطها في التحولات الجارية.
غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحا: هل تتجه ليبيا بدورها نحو استعادة وحدتها، كما كانت تطمح إلى ذلك الدبلوماسية المغربية حين احتضنت مؤتمر الصخيرات، وقدمت نموذجا نادرا لحوار ليبي–ليبي تحت سقف الدولة الواحدة، وذلك باعتراف الأمم المتحدة؟
إن ما تشهده المنطقة اليوم يوحي بأن مرحلة جديدة تتشكل، عنوانها رفض التفكيك، ومحاصرة النزعات الانفصالية، وإعادة بناء التوازن على أساس السيادة لا الوصاية.
وفي قلب هذا المشهد يبرز الدور السعودي الذي يتجاوب مع الدول المحورية في المنطقة وأبرزها الدور المغربي كرافعة مركزية لإعادة الاعتبار لمنطق الدولة الوطنية، وحارس إقليمي لوحدة الأقطار العربية.
فهل نحن أمام لحظة تاريخية تعيد رسم خريطة الاستقرار العربي؟ أم أنها مجرد هدنة مؤقتة في صراع طويل؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة.






تعليقات الزوار ( 0 )