في لحظة زمنية من تاريخ المغرب قال المقيم العام ليوطي هوبير، وهو يدخل المغرب: “لقد وجدنا ها هنا دولة، ووجدنا ها هنا أمة”.. لم تكن عبارة المقيم العام الفرنسي مجاملة سياسية ولا توصيفا عابرا، بل اعترافا ببنية عميقة من التنظيم والذاكرة والقدرة على النفوذ الإداري المتجذر في المجتمع.
بعد أكثر من قرن من الزمن، تعود هذه العبارة لتطفو على السطح، لا في سياق الاحتلال، بل في سياق المحنة التي تعيشها مناطق عزيزة من المغرب الحبيب، في سهل الغرب ومدينة القصر الكبير، ونحن نتابع ما تعيشه مدينة القصر الكبير ومدن الشمال عامة ومناطق من سهل الغرب المحاذية لإقليم سيدي قاسم، مع الفيضانات الأخيرة، والتي نرجو أن تكون أخف على البلاد والعباد.
هذه الفيضانات الأخيرة كانت كارثة طبيعية ولا ريب، لكنها تحولت سريعا إلى امتحان أخلاقي وسيادي لمعنى الدولة ومعنى الأمة معا، إنه اختبار ذكرنا بلحظات قريبة في الذاكرة الجماعية، جائحة كورونا، ومأساة الطفل ريان، وزلزال الحوز، وغيرها من المحطات التي وُضع فيها المجتمع والدولة وجها لوجه أمام سؤال بسيط في صياغته، عميق في دلالته: هل نحن جسد واحد حين تشتد العاصفة؟
في سهل الغرب ومدينة القصر الكبير، لم يكن حضور الدولة استعراضا للقوة، بل كان نزولا فعليا إلى قلب المياه، نزول الدولة إلى الوحل، يظهر ذلك جليا من خلال السلطات محلية القوات العمومية ورجال الأمن والوقاية المدنية والجيش، ومصالح تقنية تابعة للدولة، كلهم تحركوا باعتبارهم شبكة حماية وتدخل واستباق، لا باعتبارهم أجهزة بعيدة عن نبض الناس.
في الوقت ذاته، شهدنا اندفاع المجتمع بكل مكوناته، ودون انتظار التعليمات من أحد، إلى التطوع والمبادرة. مواطنون فتحوا بيوتهم، وآخرون قدموا معداتهم البسيطة، وبعضهم جاء من مدن بعيدة وآمنة، فقط لأن النداء وصل إلى الضمير.
هذا التلاقي بين القرار العمومي والضمير الجماعي ليس حدثا عابرا في تاريخ المغرب، هذه أخلاق الدولة الأمة، لقد عرف المغرب عبر القرون أوبئة قاتلة مثل الطاعون والكوليرا، ومجاعات قاسية، وفيضانات وزلازل، وجفافا طويلا حبس الأنفاس، وفي كل مرة بعد مرة، وفي كل امتحان بعد امتحان، كانت معادلة الصمود تقوم على ركنين رئيسيين: سلطة الدولة تحاول بما تملك من إمكانيات عصرها، تنظيم المواجهة، ومجتمع يتكفل بسد الفراغات بالتكافل والنجدة والوقف والعمل الجماعي.
في زمن الجوائح، كما في زمن الفيضانات، تتكشف حقيقة الدولة لا في الخطب، بل في سرعة القرار، ووضوح التواصل، وعدالة التدخل.
وهكذا تتجلى حقيقة الأمة، ليس في الشعارات، بل في الاستعداد للتضحية وفي الإحساس بأن ألم الآخر هو ألم الجميع.
ما رأيناه في مدن المغرب وخاصة في الشمال، في طنجة وتطوان والعرائش، من دعوات لاستضافة العائلات المتضررة في القصر الكبير، ومن تضامن واسع في الواقع ووسائط التواصل الاجتماعي، ومن دعاء صادق “قلوبنا هناك”، يعيد التأكيد على أن الانتماء الوطني ليس فكرة مجردة، بل ممارسة يومية تتجدد في الأزمات.
نادرة هي اللحظات التي يلتقي فيها الفعل الرسمي بالفعل الشعبي، فيصيران جسدا واحدا في مواجهة المحنة. لكنها حين تقع، تكتب فصولا مضيئة في تاريخ الأمم.
دوواير سهل الغرب ومدينة القصر الكبير اليوم ليست فقط مناطق منكوبة، بل مرآة تعكس قدرة المغاربة جميعهم، الدولة والمجتمع، على تحويل الكارثة إلى لحظة وعي جماعي، وتجديد للعقد الأخلاقي الذي يجمع الدولة بالمجتمع.





تعليقات الزوار ( 0 )