في خضم التحولات المتسارعة التي تعرفها قضايا الهجرة الدولية، عاد النقاش مجددًا حول مدى قدرة المنظومة الأممية على تدبير الظاهرة بشكل متوازن يوفق بين حماية حقوق المهاجرين ومتطلبات الأمن والسيادة الوطنية للدول، ويأتي ذلك في سياق التحضير للمنتدى الدولي الثاني لمراجعة الهجرة الدولية لسنة 2026، الذي أعاد إلى الواجهة تقييم حصيلة الاتفاق العالمي للهجرة بعد سنوات من اعتماده داخل الأمم المتحدة.
وفي هذا الإطار، سلط تقرير تحليلي أنجزه الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء حسن بنطالب، ونشرته منصة “ميغرابريس” الرقمية المتخصصة في تحليل سياسات الهجرة بالمغرب، الضوء على ما وصفه بالمفارقات البنيوية التي تطبع الحكامة العالمية للهجرة، من خلال قراءة نقدية معمقة لـ”الموجز الإعلامي العالمي” الصادر عن شبكة الأمم المتحدة للهجرة، معتبرًا أن الوثيقة الأممية تتجاوز بعدها التقني لتتحول إلى أداة لإضفاء الشرعية المؤسساتية على الاتفاق العالمي للهجرة، رغم محدودية أثره الميداني وغياب آليات ملزمة للمحاسبة والتنفيذ.
نشاط مكثف
يرى التقرير أن الوثيقة الأممية حرصت على إبراز حجم النشاط المؤسساتي المرتبط بتنزيل الاتفاق العالمي للهجرة، من خلال تقديم أرقام ومعطيات توحي بحيوية المنظومة الأممية واتساع شبكات التعاون الدولي.
ومن بين أبرز هذه الأرقام، وجود 94 شبكة وطنية لتنسيق الدعم الأممي، و39 هيئة أممية منخرطة في الشبكة، إضافة إلى 375 التزامًا مقدمًا من طرف 130 فاعلاً داخل 45 دولة، فضلاً عن تعبئة 68 مليون دولار لفائدة الصندوق الائتماني متعدد الشركاء.
وغير أن التقرير يعتبر أن هذه المؤشرات تظل مرتبطة بقياس حجم النشاط المؤسساتي أكثر من ارتباطها بتقييم الأثر الحقيقي للسياسات المعتمدة على حياة المهاجرين.
وأشار إلى أن وجود برامج أو اجتماعات أو شبكات تنسيق لا يعني بالضرورة حدوث تحسن ملموس في أوضاع المهاجرين أو في ظروف استقبالهم وحمايتهم داخل بلدان العبور والاستقبال.
وأضاف المصدر ذاته، أن الوثيقة الأممية لا تتضمن أي مؤشرات دقيقة تقيس مدى نجاح الاتفاق العالمي للهجرة في تقليص الوفيات على طرق الهجرة، أو في توسيع مسارات الهجرة القانونية، أو في تحسين ظروف الإدماج والحماية الاجتماعية للمهاجرين.
ويعكس ما سبق، بحسب التقرير، حدود الاتفاق نفسه باعتباره إطارًا طوعيًا للتنسيق يفتقر لأي طابع إلزامي أو آليات للعقوبات والمساءلة.
اختلالات بنيوية
من بين أبرز الملاحظات التي توقف عندها التقرير، الطابع غير المتوازن للحكامة العالمية للهجرة، حيث أشار إلى أن غالبية الدول المنخرطة بقوة في آليات الاتفاق العالمي هي دول الجنوب؛ خاصة دول المنشأ والعبور، في حين تبقى قوى دولية كبرى ودول تعتمد سياسات هجرة متشددة خارج هذا المسار أو متحفظة تجاهه.
وأبرز أن قائمة الدول المصنفة ضمن “الدول البطلة” للاتفاق العالمي للهجرة تضم دولاً مثل المغرب والسنغال وغانا وإثيوبيا والنيجر ومالي، وهي بلدان تسعى إلى توسيع فرص الهجرة القانونية والحصول على تمويلات إضافية لدعم تدبير ملفات الهجرة.
وفي المقابل، تغيب عن هذه القائمة دول مؤثرة في السياسات الدولية للهجرة، مثل الولايات المتحدة وأستراليا والمجر وبولندا وإسرائيل، وهي دول اتجهت خلال السنوات الأخيرة إلى تشديد سياساتها الحدودية والهجرية.
وأعتبر أن هذه المفارقة تكشف محدودية الاتفاق العالمي للهجرة، باعتباره يجمع أساسًا الدول الأكثر حاجة إلى التعاون الدولي، دون أن ينجح في استقطاب الدول الأكثر قدرة على التأثير الفعلي في مسارات الهجرة الدولية.
كما يرى أن الحكامة الحالية تركز بشكل أكبر على تدبير بلدان العبور والمنشأ بدل مساءلة سياسات بلدان الاستقبال الرئيسية.
تناقضات التمويل
توقف التقرير كذلك عند طبيعة الأولويات التي يمولها الصندوق الائتماني متعدد الشركاء، موضحًا أن مجالات التمويل الخمسة تعكس تناقضًا جوهريًا داخل فلسفة الاتفاق العالمي للهجرة نفسها.
وفي الوقت الذي يتم فيه تمويل مشاريع مرتبطة بحماية حقوق المهاجرين وتعزيز إدماجهم الاجتماعي، يتم في الآن ذاته تمويل برامج خاصة بمراقبة الحدود ومحاربة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.
وبحسب التقرير، فإن الجمع بين حماية الحقوق وتشديد الرقابة الأمنية داخل المنظومة نفسها يعكس حجم التوازنات الدبلوماسية المعقدة بين دول الجنوب التي تطالب بتوسيع الهجرة النظامية وحماية مواطنيها، ودول الشمال التي تركز أساسًا على التحكم في الحدود والحد من تدفقات المهاجرين.
ويشير الباحث إلى أن هذا التناقض البنيوي يجعل أثر الاتفاق العالمي محدودًا على مستوى حماية الحقوق، لأنه يحاول التوفيق بين أهداف متعارضة داخل الإطار نفسه، وهو ما ينعكس على طبيعة السياسات المطبقة ميدانيًا.
مراجعات رمزية
في قراءته لآليات التقييم والمراجعة، اعتبر التقرير أن نظام “المراجعات الطوعية” الذي يعتمده الاتفاق العالمي للهجرة يظل أقرب إلى آلية سياسية رمزية منه إلى منظومة حقيقية للمحاسبة.
وبحسب التقرير، فالدول تملك حرية تقديم أو عدم تقديم مراجعات دورية، كما تختار بنفسها مضمون هذه التقارير دون أن تواجه أي تبعات في حال عدم الالتزام بالتوصيات أو الاستمرار في تبني سياسات متشددة.
وأوضح المصدر ذاته، أن هذا النموذج يكرس ما تصفه نظريات العلاقات الدولية بـ”الخطاب منخفض الكلفة”، أي إعلان نوايا سياسية لا يترتب عنها التزام عملي فعلي؛ خاصة في ظل غياب أي آلية دولية للجزاء أو التقييم المستقل.
وسجلت الدراسة أن خريطة تنفيذ برامج الدعم الأممية تركز أساسًا على إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بينما تغيب عنها أغلب دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة وأستراليا، رغم أن هذه الدول تمثل الوجهات الرئيسية للهجرة الدولية وصاحبة التأثير الأكبر في سياسات الاستقبال والتأشيرات والحدود.
حالة المغرب
من بين المحاور التي حظيت باهتمام خاص داخل التقرير، موقع المغرب داخل منظومة الحكامة الدولية للهجرة، حيث اعتبرته الدراسة فاعلًا محوريًا في آليات الاتفاق العالمي، بالنظر إلى حضوره ضمن “الدول البطلة” وضمن الشبكات الوطنية والبرامج المشتركة المدعومة أمميًا.
وغير أن التقرير أشار في المقابل، إلى استمرار الانتقادات الحقوقية المرتبطة ببعض الممارسات الميدانية؛ خاصة ما يتعلق بعمليات الترحيل الداخلي للمهاجرين المنحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.
وهو ما يعكس، بحسب الباحث حسن بنطالب، التعايش بين الاعتراف المؤسساتي الدولي بالمغرب كشريك في تدبير الهجرة وبين الجدل الحقوقي المتواصل حول بعض السياسات المعتمدة.
ويرى التقرير أن هذه المفارقة توضح طبيعة الحكامة العالمية الحالية، التي تمنح الشرعية المؤسساتية للدول المنخرطة في التعاون الدولي، حتى وإن كانت ممارساتها الميدانية محل نقاش وانتقاد من طرف منظمات حقوقية دولية.
صمت دال
وتوقف التقرير أيضًا عند ما وصفه بـ”الصمت البنيوي” داخل الوثيقة الأممية، مبرزًا أن التقرير لم يتطرق إلى عدة معطيات أساسية، من بينها تراجع التمويل الأمريكي للمساعدات الإنسانية الدولية، وصعود الحكومات المناهضة للهجرة في عدد من الدول الأوروبية، فضلاً عن غياب صوت المهاجرين أنفسهم داخل آليات اتخاذ القرار.
وأشار الباحث إلى أن المهاجرين يظهرون داخل الوثيقة كموضوع للسياسات العمومية لا كفاعلين مشاركين في صناعة القرار، وهو ما يعكس، بحسبه، خللًا عميقًا في فلسفة الحكامة الدولية للهجرة.
وفي خلاصة التقرير، اعتبر حسن بنطالب أن الاتفاق العالمي للهجرة يجسد مفارقة الحكامة المعاصرة للهجرة؛ منظومة تقنية متطورة تحظى بشرعية مؤسساتية واسعة، لكنها تبقى عاجزة عن معالجة الأسباب العميقة للهجرة أو فرض احترام فعلي لحقوق المهاجرين، بسبب غياب إرادة سياسية ملزمة لدى الدول الكبرى، واستمرار هيمنة منطق الأمن والحدود على حساب مقاربة الحقوق والحماية الإنسانية.


تعليقات الزوار ( 0 )