أخبار ساعة

23:33 - سياحة بلا إقلاع: لماذا تظل أكنول خارج خريطة الاستثمار؟23:30 - حرّاس الأمن الخاص بدون أجرة لشهرين في المستشفى الإقليمي لسيدي قاسم23:09 - الحكمة تكمن في الأماكن22:52 - “حماية المستهلك” يدعو لاعتماد “القمح الكامل” ركيزة للنظام الغذائي22:40 - صناعة المكان والهوية: مقاربة أنثروبولوجية في كتاب “الحكمة تكمن في الأماكن”22:35 - الوداد يعلن رسميا عن موعد استقالة مكتبه الحالي وانتخاب رئيس جديد22:25 - تراجع نتائج مدارس الريادة بمندوبية سيدي سليمان يستنفر وزارة التعليم22:07 - الإمارات تنفي استقبال نتنياهو أو وفد عسكري إسرائيلي21:52 - “الأشبال” يستهلون مشوارهم في كأس إفريقيا بتعادل مثير أمام تونس20:38 - بعد إدانته ابتدائيا.. القضاء الفرنسي يرفع سقف المطالب لسجن ساركوزي بـ “تهمة الفساد”
الرئيسية » الرئيسية » صناعة المكان والهوية: مقاربة أنثروبولوجية في كتاب “الحكمة تكمن في الأماكن”

صناعة المكان والهوية: مقاربة أنثروبولوجية في كتاب “الحكمة تكمن في الأماكن”

 يعد كتاب “الحكمة تكمن في الأماكن” للأنثروبولوجي كيث باسو قراءة عميقة لعلاقة الأباتشي الغربيين بالمجال الجغرافي، الذي يتجاوز في وعيهم كونه حيزا ماديا ليغدو ذاكرة ناطقة وأداة تربوية ونظاما أخلاقيا متكاملا، إذ تنبثق الفكرة المركزية في هذا العمل من تلازم المكان مع اللغة والحكاية والسلوك في وحدة شعورية لا تقبل التجزئة حيث تتحول الأسماء المطلقة على الجبال والوديان والممرات من مجرد علامات تعريفية إلى أوعية تختزن وقائع الأسلاف ومواعظهم وتحذيراتهم وتجاربهم الجماعية. يترتب على هذا التداخل تحول المشهد الطبيعي إلى أرشيف حي نابض بالمعاني يجعل من كل اسم موقع بابا مشرعا على قصة إنسانية ودرسا أخلاقيا مستمرا.

ينطلق كيث باسو في كتابه من تساؤل مركزي يستكنه من خلاله آليات تشكل الإحساس بالمكان في الوعي البشري؛ إذ يرى أن ارتباطنا بالمجال الجغرافي غالبا ما يظل في دائرة البديهيات المضمرة التي لا تُستحضر قيد المساءلة، ولا ندرك عمق تجذرها في كينونتنا إلا لحظة الاصطدام بالاغتراب أو الفقد، ومن هذا المنطلق الوجودي، تبلور مشروع باسو ميدانيا استجابة لمبادرة رئيس قبيلة “أباتشي وايت ماونتن” الداعية إلى وضع خرائط إثنوغرافية تستعيد الأسماء الأصلية للمواقع؛ وهي خطوة تتوخى توثيق النظم الإدراكية والمعرفية التي تؤطر علاقة الأباتشي بأرضهم، وذلك في سياق يروم دحض الخرائط الرسمية التي سعت إلى طمس هويتهم ومحو حقوقهم التاريخية.

ويستهل باسو دراسته بتأصيل مفهوم “صنع المكان” معتبرا إياه نشاطا ذهنيا واجتماعيا يعيد من خلاله البشر صياغة الفضاء المادي وتحويله إلى مكان مأهول بالمعاني، فيوضح باسو أن صنع المكان ليس مجرد تذكر سلبي للماضي، وإنما هو فعل إعماري يستحضر القيم والمبادئ في قلب الحاضر، ومن خلال رصد تفاعلات الأباتشي، يكتشف أن ذكر اسم المكان هو في جوهره استدعاء لكل ما يمثله هذا الموقع من ثبات تاريخي، مما يمهد الطريق لفهم كيف تتحول هذه التسميات من مجرد إشارات جغرافية إلى أدوات فاعلة للضبط الأخلاقي والسلوكي.

هذا البعد الأخلاقي يتبدى بوضوح في الفصل الثاني، حيث يحلل باسو العلاقة التلازمية بين اللغة والأرض معتمدا على مرافقة الحكيم الأباتشي “نيك تومبسون”. وقد خلص باسو من خلاله إلى أن أسماء الأماكن لا تؤدي وظيفة جغرافية فحسب، بل تعمل كأوعية لحكايات تاريخية ذات أبعاد تربوية، وتُعد القصص في مجتمع الأباتشي وسيلة أساسية للضبط الاجتماعي عبر تقنية “المطاردة بالقصص”، وهي آلية تعمد إلى ربط زلل الفرد بمكان عيني يختزن قصة وعظية، مما يمنح المكان سلطة رقابية صامتة تلاحق المخطئ وتدفعه لمراجعة سلوكه ذاتيا، محققة تقويما للفرد يتجاوز حرج المواجهة الاجتماعية المباشرة.

وينتقل باسو في الفصل الثالث لتحليل تقنية لغوية يطلق عليها التحدث بالأسماء، مستندا إلى واقعة رصدها بين الحكيمة “لولا ماتشوس” وامرأة تُدعى لويز كانت تعاني من ضيق نفسي. وتتمثل هذه التقنية في استبدال الوعظ المطول بذكر اسم مكان مجرد يعمل كتكثيف لغوي يستحضر فورا قصة تراثية مرتبطة بالموقع، فبدلا من تقديم نصائح مباشرة، دعت لولا صديقتها لويز إلى سفر ذهني يستحضر سلطة الأسلاف وتجاربهم المودعة في الجغرافيا، ليتحول اسم المكان إلى وسيط علاجي وفلسفي يمنح العزاء عبر استحضار الذاكرة الجمعية للأرض، ما يدمج الحوار اليومي في صلب الفعل الأخلاقي.

في الفصل الرابع “الحكمة تكمن في الأماكن” ونعومة العقل يستخلص باسو جوهر مفهوم الحكمة من خلال مرافقة الحكيم “دودلي باترسون”، موضحا أنها حالة إدراكية يُصطلح عليها بـ “نعومة العقل” ويُقصد بها تلك المرونة الذهنية والقدرة على الصمود التي يكتسبها الفرد عبر التأمل المستمر في جغرافيا القصص، حيث يغدو المكان مستودعا نشطا للحكمة يمنح الفرد استبصارا واعيا يمكنه من التنبؤ بالأخطار والتصرف باتزان. وبذلك، تصبح الحكمة فعلا جغرافيا بامتياز، قوامها سكن الوعي داخل تفاصيل المكان وقصصه الكامنة.

يسلط هذا الكتاب الضوء على تباين جذري بين الرؤية الغربية التي تحيل البرية إلى فضاء مادي محايد، ورؤية الأباتشي التي ترى الأرض كيانا مأهولا بالمعاني والروابط الوجودية، ومن هذا التمايز، يكتسب عمل باسو صبغة حقوقية، فتوثيق الأسماء لم يكن جهدا لغويا فحسب، ولكنه استراتيجية لاسترداد النص الثقافي والقانوني للأرض وممارسة للمقاومة الرمزية ضد سياسات المحو. إن كتاب كيث باسو هو دعوة لإعادة الاعتبار للمكان كشريك فاعل في بناء الهوية، مؤكدا أن اللغة هي الأداة التي تمنح الأرض قدرة على الكلام، وأن الحكمة حالة اتزان تتطلب عقلا يسكن بوعي داخل تفاصيل المكان وقصصه، محولا الجغرافيا من مساحة صماء إلى بوصلة أخلاقية حية ومستمرة.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

سياحة بلا إقلاع: لماذا تظل أكنول خارج خريطة الاستثمار؟

13 مايو 2026 - 11:33 م

بناء أسس دولة حديثة فضلا عن مؤسسات وتنمية اقتصادية واجتماعية عبر حسن استثمار موارد البلاد الوطنية، هو ما كان عليه

حرّاس الأمن الخاص بدون أجرة لشهرين في المستشفى الإقليمي لسيدي قاسم

13 مايو 2026 - 11:30 م

يعيشُ حرّاس الأمن الخاص بالمستشفى الإقليمي وضعيّة كارثية منذ شهر مارس السابق، بعد انتهاء العُقدة التي كانت تجمع الشركة المسؤولة

الوداد يعلن رسميا عن موعد استقالة مكتبه الحالي وانتخاب رئيس جديد

13 مايو 2026 - 10:35 م

أعلن نادي الوداد الرياضي عن خارطة طريق لعقد جمعه العام المقبل، تتضمن استقالة المكتب المسير الحالي وانتخاب قيادة جديدة للنادي،

تراجع نتائج مدارس الريادة بمندوبية سيدي سليمان يستنفر وزارة التعليم

13 مايو 2026 - 10:25 م

تعيش المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بإقليم سيدي سليمان، على وقع ارتباك واسع بعد تسجيل تراجع لافت

الإمارات تنفي استقبال نتنياهو أو وفد عسكري إسرائيلي

13 مايو 2026 - 10:07 م

نفت دولة الإمارات العربية المتحدة، بشكل قاطع، الأنباء المتداولة حول زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أراضيها، أو استقبال أي وفد عسكري إسرائيلي، واصفة هذه الادعاءات بأنها لا أساس لها من الصحة.

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°