تشهد كولومبيا تحولا سياسيا لافتا عقب فوز المرشح المحافظ أبيلاردو دي لا إسبريا بالانتخابات الرئاسية، في محطة يراها متابعون جزءا من موجة أوسع تعيد رسم الخريطة السياسية لأمريكا اللاتينية، حيث يأتي هذا المستجد في سياق تراجع عدد من التجارب اليسارية وصعود تيارات محافظة تسعى إلى إعادة ترتيب أولويات الدولة وفق اعتبارات الأمن والمصالح الوطنية والشراكات الاستراتيجية.
ويحظى هذا التحول باهتمام خاص من طرف المغرب بالنظر إلى ما قد يترتب عنه من مراجعات في السياسة الخارجية الكولومبية؛ خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية والعلاقات الثنائية بين الرباط وبوغوتا، كما تثير المرحلة الجديدة تساؤلات بشأن مستقبل التوازنات الجيوسياسية داخل القارة اللاتينية وانعكاساتها على القضايا الإقليمية والدولية.
انتخابات استثنائية
اعتبر مشيج القرقري، الباحث في السياسات العمومية والعلاقات الدولية والمتخصص في شؤون أمريكا الجنوبية، أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة في كولومبيا تميزت بطابع استثنائي وغير مسبوق، بالنظر إلى حجم الاستقطاب الإيديولوجي الذي طبع المنافسة بين اليسار الراديكالي واليمين المحافظ، مع تسجيل تراجع شبه كامل لتيارات اليمين التقليدي التي ظلت لسنوات جزءا أساسيا من المشهد السياسي الكولومبي.
وأوضح القرقري في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذه الانتخابات لم تكن مجرد مواجهة سياسية بين مرشحين، بل شكلت مناسبة لتقييم تجربة الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو، ومدى نجاحه في الوفاء بالتعهدات التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية؛ خاصة تلك المرتبطة بتحقيق السلام الشامل وإنهاء الصراعات المسلحة ووضع حد لنشاط بقايا جماعات “فارك” المسلحة.
وأضاف أن جزءا مهما من النقاش العمومي داخل كولومبيا انصب كذلك على قضايا الأمن والصحة والحماية الاجتماعية، وهي الملفات التي ظلت حاضرة بقوة في تقييم حصيلة الحكومة السابقة، وأثرت بشكل مباشر في اختيارات الناخبين خلال الجولة الحاسمة من الانتخابات الرئاسية.
عوامل خارجية
يبرز القرقري أن نتائج الانتخابات لم تتأثر فقط بالمعطيات الداخلية، بل لعبت عوامل خارجية دورا مؤثرا في توجيه الرأي العام الكولومبي، وعلى رأسها طبيعة العلاقة المتوترة التي طبعت السنوات الأخيرة بين بوغوتا وواشنطن، فضلا عن الدعم السياسي الذي وفرته إدارة بيترو للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وأشار إلى أن الأزمة الفنزويلية انعكست بشكل مباشر على الواقع الكولومبي؛ خاصة بعد انتقال ما يقارب ثلاثة ملايين مهاجر فنزويلي إلى كولومبيا خلال السنوات الأخيرة؛ هربا من الأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة التي تعرفها بلادهم، وهو رقم ضخم ساهم في تشكيل مواقف جزء واسع من الناخبين تجاه السياسات الإقليمية التي انتهجتها الحكومة السابقة.
وأكد على أن تموقع غوستافو بيترو داخل محور إقليمي راديكالي لم يكن يحظى بقبول واسع لدى فئات كبيرة من المجتمع الكولومبي، التي كانت تنظر بعين التحفظ إلى هذا التوجه، معتبرة أن السياسة الخارجية للبلاد ينبغي أن تبنى على المصالح الوطنية أكثر من الارتباطات الإيديولوجية.
مراجعة دبلوماسية
في قراءته للسياسة الخارجية الكولومبية خلال السنوات الماضية، اعتبر القرقري أن حكومة بيترو اختارت ما وصفه بـ”الرومانسية السياسية” على حساب المصالح الوطنية، من خلال الاصطفاف الإيديولوجي في عدد من القضايا الدولية والإقليمية، ومن بينها قضية الصحراء المغربية.
وأوضح أن الرئيس المنتهية ولايته لم يكن أول رئيس كولومبي يعترف بجبهة البوليساريو، إذ يعود الاعتراف الأول إلى سنة 1985، غير أن التحولات الدولية والإقليمية التي شهدها العالم منذ ذلك التاريخ جعلت السياق مختلفا بشكل كبير، وهو ما جعل قرار إعادة الاعتراف بعد سنوات من التجميد يثير نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الكولومبية.
وأردف أن إعادة الاعتراف لم تستند إلى توافق وطني أو مؤسساتي واسع، بل ارتبطت أساسا بقناعة شخصية للرئيس السابق، وهي قناعة لم تكن محل إجماع حتى داخل مكونات التحالف السياسي الذي أوصله إلى السلطة.
ولفت إلى أن القرار لم يحظ بالرضى داخل طيف مهم من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين الذين رأوا فيه ابتعادا عن المصالح الاستراتيجية للدولة الكولومبية.
وشدد على أن التحول المرتقب في السياسة الخارجية لكولومبيا لن يقتصر على ملف الصحراء المغربية فقط، بل سيمتد إلى ملفات أخرى تشمل العلاقات مع إيران وكوبا وفنزويلا، فضلا عن إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وفق مقاربة جديدة أكثر انسجاما مع توجهات الإدارة المقبلة.
مكاسب محتملة
يؤكد القرقري على أن المغرب تعامل بذكاء كبير مع التطورات التي شهدتها العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة، حيث حافظ على قنوات التواصل والانفتاح السياسي والاقتصادي داخل كولومبيا، واستمر في تعزيز حضوره لدى مختلف الفاعلين والمؤسسات رغم التوتر الذي عرفته العلاقات الرسمية في بعض الفترات.
وأضاف أن هذا المعطى يجعل الرباط في موقع مريح للتعامل مع الإدارة الجديدة، مرجحا ألا تجد الحكومة الكولومبية المقبلة صعوبة كبيرة في مراجعة موقفها من جبهة البوليساريو، بل إن المؤشرات المتوفرة توحي بإمكانية الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما تتمثل في دعم مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب بشكل صريح وواضح.
وشدد على أن التوجيهات الملكية السامية والجهود المتواصلة التي بذلتها الدبلوماسية المغربية بمختلف مستوياتها خلال السنوات الأخيرة؛ سواء الرسمية أو البرلمانية أو الاقتصادية، مكنت من توضيح حقيقة النزاع المرتبط بالصحراء المغربية لدى عدد متزايد من الشركاء الدوليين، معتبرا أن المملكة مرشحة لجني ثمار هذه الجهود خلال المرحلة المقبلة.
فرصة لاتينية
يعتبر القرقري أن التحولات السياسية التي تشهدها أمريكا اللاتينية، وعودة عدد من الدول إلى خيارات يمينية في الحكم، تمثل فرصة استراتيجية للمغرب من أجل تعزيز حضوره داخل القارة والتحول إلى الشريك الإفريقي والعربي الأول بالنسبة لعدد من دولها.
وأوضح أن المملكة تتوفر على مجموعة من المقومات التي تجعلها شريكا جذابا لدول أمريكا اللاتينية، من بينها الاستقرار السياسي، والاقتصاد الصاعد، والحضور الدبلوماسي المتنامي، فضلا عن القرب الثقافي واللغوي الذي يسهم في تسهيل التواصل وبناء الشراكات.
وأضاف أن العديد من دول القارة اللاتينية تبحث عن موطئ قدم داخل إفريقيا، ولا ترى بوابة أكثر أهمية من المغرب لتحقيق هذا الهدف، بالنظر إلى موقعه الجغرافي وشبكة علاقاته الاقتصادية والدبلوماسية الواسعة داخل القارة الإفريقية، وهو ما يؤهله للتحول إلى منصة انطلاق حقيقية نحو الأسواق الإفريقية.
وأكد على أن هذه المعطيات تتيح للمغرب فرصة حقيقية لإخراج قضية الصحراء المغربية من دائرة التجاذبات الإيديولوجية الحادة التي طبعت مواقف بعض دول أمريكا اللاتينية خلال العقود الماضية، وإعادة طرحها باعتبارها قضية مرتبطة بالشرعية الدولية والاستقرار الإقليمي والتنمية المشتركة.
تداعيات جيوسياسية
من جانبه، اعتبر عبد النبي صبري، أستاذ القانون العام والعلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن فوز أبيلاردو دي لا إسبريا، الملقب بـ”النمر”، يعكس حجم التحولات السياسية والجيوسياسية التي تعرفها أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن هذا الفوز تحقق خلال الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية ويؤشر على بداية مرحلة جديدة داخل كولومبيا والمنطقة.
وأوضح أن هذا التحول ستكون له انعكاسات مباشرة على قضية الصحراء المغربية، معتبرا أن أحد آخر معاقل الدعم التقليدي للبوليساريو داخل أمريكا اللاتينية يتجه نحو مراجعة مواقفه السابقة، وهو ما قد يشكل انتكاسة جديدة للجبهة الانفصالية داخل القارة.
وأضاف أن المؤشرات الإيجابية بالنسبة للمغرب ظهرت منذ الساعات الأولى لإعلان النتائج، من خلال برقية التهنئة التي بعثها الملك محمد السادس إلى الرئيس المنتخب، والتي تضمنت رسائل سياسية ودبلوماسية بالغة الدلالة؛ خصوصا ما تعلق منها بالتأكيد على إعطاء دينامية جديدة لعلاقات الصداقة بين البلدين، واستشراف آفاق جديدة للشراكة والتعاون في مختلف المجالات.
القرار الأممي
يشدد صبري على أن المرحلة المقبلة مرشحة لإعادة ترتيب العلاقات المغربية الكولومبية بعد سنوات من الفتور، مبرزا أن الرئيس السابق كان قد أعاد العلاقات مع البوليساريو، غير أن الرئيس الجديد قد يتجه إلى إعادة الأمور إلى نصابها وفق تعبيره.
وأشار إلى أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات التي شهدتها مواقف عدد من دول أمريكا اللاتينية، مستحضرا في هذا الإطار قيام دول مثل الهندوراس وغيرها بمراجعة أو سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وهو ما يعكس تحولا تدريجيا في موازين القوى الدبلوماسية داخل المنطقة.
واعتبر أستاذ العلاقات الدولية أن هذه التحولات ستنعكس بشكل إيجابي على المسار السياسي المرتبط بقضية الصحراء المغربية، كما ستمنح زخما إضافيا لتنزيل مقتضيات قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي يشكل إحدى المحطات الأساسية في تدبير الملف على المستوى الأممي، ويرتبط بمواصلة البحث عن حل سياسي واقعي وعملي ومستدام لهذا النزاع الإقليمي.
وأشار إلى أن التحول الجاري في كولومبيا لا يمثل حدثا داخليا معزولا، بل يشكل جزءا من إعادة تشكل الخريطة السياسية لأمريكا اللاتينية، بما قد يفتح أمام المغرب آفاقا جديدة لتعزيز حضوره داخل القارة وتوسيع دائرة الدعم الدولي لمغربية الصحراء، في سياق يتسم بتنامي المقاربات البراغماتية وتراجع الاعتبارات الإيديولوجية في إدارة العلاقات الدولية.




تعليقات الزوار ( 0 )