أخبار ساعة

18:00 - سفارة المغرب بالمكسيك تصدر دليلا توجيهيا للمشجعين المغاربة في المونديال17:22 - المغرب والعراق يبحثان سبل تطوير التعاون الأمني والاستخباراتي17:14 - توقيف عنصر موال لـ”داعش” يحمل مشاريع تخريبية بالمملكة17:00 - من 30 إلى 35 درهما.. رفع تسعيرة الطاكسيات بين مراكش وابن جرير يفجر موجة غضب حقوقية16:02 - غزة بين القصف والعطش.. ارتفاع حصيلة الضحايا وتحذيرات من مخططات تهجير قسري تهدد سكان القطاع15:43 - طقوس عاشوراء في مناطق قبائل مزاب.. هل لها جذور شيعية؟!15:15 - الصيباري يكتب التاريخ في مونديال 2026.. إنجاز غير مسبوق يقوده لمعادلة رقم يوسف النصيري15:00 - تراجع أسعار النفط العالمية إلى مستويات ما قبل الحرب في الشرق الأوسط14:36 - هل تقود شائعات جودة الدواجن إلى أزمة غير مسبوقة في المغرب ومصر؟14:05 - من الانحراف إلى الشرعية: سوسيولوجيا صعود “الفراقشية” في الفضاء العمومي
الرئيسية » مقالات الرأي » صمت النخبة: لمن سيكتب الأكاديميون؟

صمت النخبة: لمن سيكتب الأكاديميون؟

يعيش الباحث المعاصر حالة من الاغتراب الوجودي والمعرفي، تفرضها عليه ثنائية حادة ومربكة: لمن يكتب؟ هل يكتب لزملائه في اللجان العلمية والمجلات المحكمة لضمان بقائه المهني وتدعيم ملفه الأكاديمي؟ أم يكتب للمجتمع، يفكك ظواهره، ويساهم في تشكيل رأي عام ويواجه موجات التسطيح؟

هذا التجاذب ليس مجرد خيار أسلوبي أو رفاهية فكرية، بل هو أزمة هوية حقيقية تعيد رسم دور المثقف والباحث في سياقنا الراهن.

1. المؤشرات وضغط الملف العلمي

لقد تحولت الجامعة الحديثة، بفعل معايير العولمة الأكاديمية، إلى ما يشبه الشركات التي تعتمد على الأرقام والمؤشرات في تقييم المخرجات. أصبح الباحث مطالبا بالنشر في مجلات ذات معامل تأثير محدد، ووفق قوالب منهجية صارمة لدرجة قد تفقد النص روحه.

إن صناعة الملف العلمي تحولت إلى غاية في حد ذاتها، يكتب الباحث لينشر، وينشر ليترقى، في حلقة متتالية يقرأ فيها الأكاديميون لبعضهم البعض فقط، بينما تظل المعرفة الحقيقية حبيسة رفوف مغلقة، أو قواعد بيانات مدفوعة لا يملك المواطن العادي ترف الوصول اليها.

2. هجرة الفضاء العام وضريبة الغياب

في المقابل، عندما ينسحب الباحث من نقاشات الشارع والرأي العام بحجة الحفاظ على الموضوعية أو “الوقار الأكاديمي”، فإنه يترك فراغا. هذا الفراغ لا يظل شاغرا، بل يحتله فورا صناع المحتوى السريع والمؤثرون الرقميون، مما يؤدي الى تمييع القضايا المصيرية وتسطيح الوعي الجمعي.

الكتابة للرأي العام تحتاج إلى مهارات تتحاشاها الأعراف الأكاديمية التقليدية: التبسيط، الجرأة في اتخاذ الموقف والتفاعل مع الأحداث اليومية. وهي مواصفات ترى فيها المنظومة الجامعية نوعا من الاستعجال الذي قد لا يراعي متطلبات التثبت الأكاديمي، وهو ما يفسر لماذا يستبعد هذا الإنتاج من نطاق المنجز الأكاديمي المعترف به مؤسساتيا.

3. المأزق المزدوج: صدمة الواقع وأزمة القراءة

لكن المفارقة تتضاعف حين نكتشف ان الفضاء العام نفسه لم يعد في انتظار الباحث. حتى لو امتلك الشجاعة وكسر عزلته الأكاديمية متوجها نحوه، فإنه يصطدم بجدار أكثر بنيوية: أزمة العزوف عن القراءة وتراجع مستويات الصبر القرائي لدى المجتمع.

نحن نعيش في عصر تهيمن عليه ثقافة السرعة الرقمية واستهلاك المعرفة الخفيفة. لقد تراجعت القدرة على قراءة المقالات الطويلة أو التحليلات المركبة لصالح العناوين المثيرة والمنشورات المقتضبة. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: في الوقت الذي تتطلب فيه المنظومة الأكاديمية من الباحث إنتاجا معرفيا بشروط خاصة، يطالبه الشارع باختزال الفكرة المعقدة في كبسولة رقمية أو سطرين، وإلا حكم على جهده بالغياب والتجاهل.

4. الاختراق الخوارزمي: الثلاثية المركبة

بين اشتراطات الأكاديميا والعزلة عن الفضاء العام ينضاف إلى الاغتراب المعرفي طرف ثالث: الذكاء الخوارزمي، إذ تسلل إلى وعاء الفكر ودخل ساحة الفكر والإنتاج الرمزي، مستعرضا قجرته على توليد الأفكار والمقالات، واختزال أمهات المصنفات، وصياغة الحجج في ثوان معدودات، بلغات شتى، وبأسلوب منضبط.

إن هذا المتغير التقني يضع الباحث اليوم أمام سؤال وجودي أكثر إلحاحا من كل ما سلف: ما الذي تبقى للباحث إزاء تفوق الآلة؟

والحق أن الرهان لم يعد تجويد الصياغة، ولا مهارة التلخيص، ولا سرعة التدفق المعرفي، فتلك مساحات تفوقت فيها الخوارزمية. بل التميز الحقيقي يكمن في مناطق “العصيان” والتمرد على “الأتمتة” في الموقف المعرفي والأخلاقي، في التجربة المعيشة بآلامها وتحولاتها، في ذلك الاشتباك الحيوي واليومي، فالخوارزمية -على ضخامة بياناتها- لا تملك ترف الدهشة أمام المفارقات الاجتماعية، ولا تجرؤ على مساءلة “المسكوت عنه”، أو النبش في المسلمات التي تشكل وعي الشارع.

إن الباحث الذي يرتد في بحثه إلى سرد خطي -يراكم المعلومة فوق المعلومة ويرص الفقرة إثر الفقرة- إنما يقدم، في حقيقة الأمر، نموذجا مؤتمتا، أما الكتابة المحفوفة بالقلق الإنساني، والنابعة من موقع انحياز قيمي واشتباك حقيقي مع تفاصيل الحياة، فهي وحدها المعرفة التي يعجز المنطق الخوارزمي عن تزييفها أو محاكاتها.

5. التحدي الوجودي: كيف يكتب الباحث في زمن السطحية؟

أمام كل ما تقدم، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للباحث ان يحافظ على عمقه المعرفي ورصانته العلمية، وفي الوقت نفسه يخترق جدار السطحية والأتمتة السائدة؟

إن الإجابة لا تكمن في الاستسلام للرداءة، بل في ابتكار استراتيجيات تواصلية جديدة:

أولا، نشر المعرفة وتفكيك المعقد: التحدي ليس في استخدام لغة مقعرة لإثبات العلمية، بل في القدرة على تحويل المفهوم النظري الجاف إلى أداة تفسيرية يفهمها المواطن البسيط في حياته اليومية.

العمق ليس في غموض المصطلحات، بل في وضوح الرؤية؛

ثانيا، الرشاقة المنهجية (التحول من الاطروحة الى المقال الشيق): على الباحث أن يتعلم كيف يفكك أبحاثه التي استغرقت سنوات، ويعيد إنتاجها في قوالب متعددة، كسلسلة مقالات رأي قصيرة ومترابطة، أو عبر وسائط بصرية ورقمية تلتف على الخوارزميات دون التنازل عن جوهر الفكرة؛

ثالثا، الكتابة التفاعلية: يحتاج القارئ المعاصر إلى إجابات ذكية وعميقة على أسئلته المقلقة، وليس إلى دروس نظرية متعالية. الباحث الحقيقي هو من يملك مهارة صياغة الأسئلة التفكيكية التي تحفز التفكير لدى المتلقي بدلا من تلقينه.

خاتمة

المعرفة التي لا تجد طريقها إلى المجتمع تخون نفسها. فالبحث العلمي لم يولد يوما في فراغ ولا انعزال، بل نشأ من رحم أسئلة جماعية كبرى، ومن قلق الانسان على مصيره ومستقبل مجتمعه.

الباحث الذي يختار الصمت الأكاديمي “المريح” لا يحمي رصانته – بل يورث الفراغ لمن لا يستحقه. وحين يغيب العقل النقدي عن الفضاء العام، لا يبقى الميدان خاليا، بل يغمره من يتقن فن الضجيج دون أن يحسن فن التفكير.

الثغور لا يقفها من يملك الاجابات الجاهزة، بل من يجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة في وجه السائد والمألوف. وهذا بالضبط ما لا يستطيع غير الباحث أن يفعله – حين يختار أن يكون شاهدا على عصره، لا مجرد فاعل على هوامشه.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

من الانحراف إلى الشرعية: سوسيولوجيا صعود “الفراقشية” في الفضاء العمومي

25 يونيو 2026 - 2:05 م

من منظور سوسيولوجي نقدي ومن منظور علم السياسة، يمكن التعامل مع مصطلح “الفراقشية” ليس بوصفه مجرد لفظة متداولة في السجال

التزكية الحزبية بين البركة والترحال بالمغرب

25 يونيو 2026 - 12:14 م

أدى الترحال المستمر إلى إفراغ العمل السياسي من محتواه الإيديولوجي، حيث أصبح الانتقال من حزب إلى آخر أمرا مألوفا دون

رواد الأغنية الاجتماعية بالمغرب

24 يونيو 2026 - 12:17 م

حظيت وما زالت تحظى أغاني الحب والرومانسية بهيمنة واضحة على المشهد الموسيقي والغنائي في المغرب. ورغم قوة الأغنية الاجتماعية والسياسية

حكومة المونديال: التنازع بين الحتمية التقنية والشرعية التمثيلية

21 يونيو 2026 - 12:43 م

لم تعد تسمية الحكومة المقبلة بـ “حكومة المونديال” مجرد استعارة صحفية لتسويق مرحلة سياسية، بل تتحولت في العمق إلى ما

أي مغرب تريدونه للمغاربة؟

21 يونيو 2026 - 12:36 م

كنت أتصور منذ الثمانينيات أن النقاش حول القضية الأمازيغية في المغرب ذو بعد ثقافي وفكري، مثل نقاشاتنا حول الاشتراكية والقومية

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°