في ظل تحولات اقتصادية متسارعة على الصعيدين الوطني والدولي، يبرز قرار تثبيت سعر الفائدة كأحد أبرز أدوات التوجيه النقدي التي تعكس توجهات المرحلة، حيث يأتي هذا الخيار في سياق يتسم بتقاطع رهانات دعم النمو الاقتصادي مع ضرورة الحفاظ على استقرار الأسعار، خاصة في بيئة عالمية غير مستقرة تتأثر بتقلبات الطاقة وتباطؤ الاقتصاد لدى الشركاء الرئيسيين.
ويطرح هذا التوجه تساؤلات متعددة حول مدى قدرته على تحقيق التوازن المنشود بين تحفيز الاستثمار والاستهلاك من جهة، والحد من الضغوط التضخمية من جانب آخر، في ظل استمرار المخاطر الخارجية المرتبطة بالأسواق الدولية والتوترات الجيوسياسية، وما تفرضه من تحديات على الاقتصادات الناشئة.
-دلالات القرار
في قراءته لقرار تثبيت سعر الفائدة، يؤكد أنس راضي، الخبير الاقتصادي والمالي، أن هذا التوجه يعكس مقاربة حذرة من طرف البنك المركزي، تقوم على محاولة تحقيق توازن دقيق بين دعم النشاط الاقتصادي ومواصلة التحكم في التضخم.
وأشار راضي في تصريح لجريدة “الشعاع”، إلى أن الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير لا يعني غياب الرؤية، بل يعكس تقديرا بأن الوضع الحالي لا يستدعي تشديدا نقديا قد يضر بالنمو، ولا تيسيرا قد يفاقم الضغوط التضخمية.
وأبرز أن هذا القرار يأتي في سياق يتسم بقدر كبير من عدم اليقين على المستوى العالمي، حيث لا تزال تقلبات أسعار الطاقة تلقي بظلالها على الاقتصاد الدولي، إلى جانب تباطؤ النمو لدى عدد من الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين، وهو ما يجعل أي قرار نقدي رهينا بتقدير دقيق لمخاطر داخلية وخارجية متداخلة.
ونبه إلى أن البنك المركزي، من خلال هذا القرار، يسعى إلى الحفاظ على نوع من التوازن الاستراتيجي، عبر تجنب اتخاذ قرارات حادة في ظرفية غير مستقرة، مبرزا أن تثبيت سعر الفائدة يعكس توجها نحو التريث وانتظار وضوح أكبر في الرؤية الاقتصادية، سواء داخليا أو خارجيا.
-توازن النمو
فيما يتعلق بمدى قدرة هذا القرار على تحقيق التوازن بين دعم النمو والتحكم في التضخم، يرى أنس راضي أن تثبيت سعر الفائدة يوفر قدرا من الاستقرار للفاعلين الاقتصاديين، سواء تعلق الأمر بالمقاولات أو الأسر.
وأوضح الخبير الاقتصادي والمالي، أن استقرار تكلفة التمويل يساهم في تعزيز الثقة، ويشجع على الاستثمار والاستهلاك، وهو ما يدعم بدوره دينامية الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن الحفاظ على شروط تمويل مستقرة نسبيا يتيح للمقاولات إمكانية التخطيط بشكل أفضل، خاصة فيما يتعلق بتوسيع أنشطتها أو إطلاق مشاريع جديدة، كما يساعد الأسر على الحفاظ على قدرتها على الاقتراض والاستهلاك، دون مواجهة زيادات مفاجئة في تكاليف القروض.
وغير أن هذا التوازن، بحسب المتحدث، يبقى رهينا بمدى استمرار السيطرة على التضخم، إذ أن أي ارتفاع في أسعار المواد الأساسية، خاصة المرتبطة بالأسواق الدولية، قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
وأكد الخبير الاقتصادي والمالي، على أن نجاح هذا الخيار يظل مرتبطا بقدرة السلطات النقدية على تتبع التطورات الاقتصادية بشكل دقيق والتفاعل معها في الوقت المناسب.
-مخاطر محتملة
على مستوى المخاطر، يشير أنس راضي إلى أن الاقتصاد المغربي يظل معرضا بشكل كبير للعوامل الخارجية، بحكم انفتاحه على الاقتصاد العالمي.
وأردف أنه تبرز في هذا الإطار تقلبات الأسواق الدولية، خاصة أسعار الطاقة والمواد الغذائية، كأحد أهم مصادر عدم اليقين التي قد تؤثر على التوازنات الاقتصادية الداخلية.
وأكد على أن التباطؤ الاقتصادي في أوروبا يشكل تحديا إضافيا، باعتبارها الشريك التجاري الأول للمغرب، حيث إن أي تراجع في الطلب الأوروبي قد ينعكس سلبا على الصادرات المغربية، وبالتالي على وتيرة النمو الاقتصادي، وهو ما يفرض ضرورة أخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار عند تقييم فعالية القرارات النقدية.
وأضاف أن استمرار التوترات الجيوسياسية قد يؤثر بدوره على سلاسل التوريد العالمية، ويرفع من تكاليف الاستيراد، وهو ما قد ينعكس على الأسعار الداخلية ويزيد من الضغوط التضخمية.
وشدد الخبير الاقتصادي والمالي على أنه في ظل هذه المعطيات، يصبح من الضروري الحفاظ على درجة عالية من اليقظة والمرونة في تدبير السياسة النقدية.
-آفاق المرحلة
يعتبر أنس راضي أن قرار تثبيت سعر الفائدة يمثل خيارا متوازنا على المدى القصير، بالنظر إلى طبيعة الظرفية الاقتصادية الحالية، فهو يتيح الحفاظ على استقرار نسبي في السوق، دون المخاطرة بإحداث اختلالات قد تنتج عن قرارات متسرعة في اتجاه الرفع أو الخفض.
واعتبر أن هذا الخيار، رغم وجاهته الظرفية، يتطلب يقظة مستمرة من طرف السلطات النقدية، خاصة في ظل التغيرات السريعة التي يعرفها الاقتصاد العالمي.
ونبه الخبير الاقتصادي والمالي إلى أن التوازن الحالي قد يتعرض للاختلال في أي لحظة، إذا ما تفاقمت الضغوط الخارجية أو تغيرت المعطيات الداخلية.
وأكد على أن نجاح هذا التوجه يظل رهينا بمدى قدرة صناع القرار على التفاعل السريع مع المستجدات، وتكييف السياسات الاقتصادية بما يضمن الحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات المستقبلية.



تعليقات الزوار ( 0 )