عقد مجلس المستشارين يوم الاثنين 13 يوليوز 2026 جلستين عامتين: الأولى تشريعية للتصويت على النصوص القانونية الجاهزة، والثانية خصصت لاختتام الدورة الثانية من السنة التشريعية 2025–2026، وبذلك تُختتم عمليًا الولاية التشريعية 2021–2026 قبل تنظيم الانتخابات التشريعية المقبلة. حيث اكتست هذه الجلسة الأخيرة أهمية خاصة لعدة أسباب من بينها إغلاق الحصيلة التشريعية . كما أنها تمثل أيضًا مناسبة لتقييم خمس سنوات من العمل البرلماني والتشريعي.
1-الحصيلة التشريعية للولاية البرلمانية (2021–2026)
لتقييم هذه الحصيلة التشريعية ، فيمكن تقديمها في مستويين: حصيلة تشريعية كمية، ثم حصيلة تشريعية نوعية.
أولًا: تقييم الحصيلة التشريعية الكمية
بحسب المعطيات التي قدمتها الحكومة في نهاية هذه الولاية، التشريعية ، فقد تمت المصادقة على أكثر من 110 قوانين، إلى جانب مئات النصوص التنظيمية والمراسيم التطبيقية، التي واكبت تنفيذ الإصلاحات الحكومية. بينما تشير بيانات الاتحاد البرلماني الدولي إلى أن الولاية 2016–2021 شهدت اعتماد نحو 336 قانونًا، مقارنة بـ 382 قانونًا في الولاية السابقة (2011–2016)، مما يدل على استمرار إنتاج تشريعي مرتفع، مع بقاء المبادرة الحكومية هي المصدر الرئيس للقوانين. وبالتالي يمكن اعتبار الولاية التشريعية 2021–2026 من الولايات التشريعية التي اتسمت بكثافة تشريعية ملحوظة، إذ ارتبطت بتنزيل أوراش إصلاحية كبرى، وبإصدار أكثر من 110 قوانين، إلا أن تقييمها يظل مرتبطًا بالمعيار المعتمد: فإذا كان المعيار هو عدد النصوص القانونية وتنفيذ برنامج الحكومة، فإن الحصيلة تبدو مرتفعة؛ أما إذا كان المعيار هو تعزيز المبادرة التشريعية البرلمانية وجودة النقاش التشريعي، فإنها كانت محل نقاش وانتقاد من جانب المعارضة وبعض الباحثين.
ثانيا: تقييم الحصيلة التشريعية النوعية
إذا قورنت هذه الولاية التشريعية بالولاية التشريعية 2011–2016، فإن حصيلة القوانين التنظيمية في 2021–2026 تبدو أقل من حيث العدد، وهو أمر طبيعي، لأن الولاية الأولى بعد دستور 2011 شهدت إصدار معظم القوانين التنظيمية المؤسسة، مثل: القانون التنظيمي لمجلس النواب. والقانون التنظيمي لمجلس المستشارين ، و القانون التنظيمي للجهات والجماعات الترابية ، و القانون التنظيمي لقانون المالية، و القانون التنظيمي للأحزاب السياسية…. أما ولاية 2021–2026، فقد تميزت أكثر بـ استكمال وتحيين المنظومة التنظيمية، وليس بوضعها لأول مرة. حيث يمكن اعتبار أبرز إنجازاتها في هذا المجال هو استكمال تفعيل آلية الدفع بعدم دستورية القوانين، التي تعد من أهم الضمانات الدستورية لحماية الحقوق والحريات وتعزيز الرقابة الدستورية على التشريع.
كما تعد المصادقة على القانون التنظيمي المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب من أبرز الأحداث التشريعية في الولاية 2021–2026، لأنه استكمل أحد أهم القوانين التنظيمية التي نص عليها دستور 1962 وباقي الدساتير . وعلى الرغم أنه جاء متضمنا في دستور 2011 فقد ظل معلقًا لأكثر من عقد. فرغم ما نص عليه الفصل 29 من دستور 2011 على أن: “يحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسة حق الإضراب.”فقد، ظل هذا القانون التنظيمي مؤجلًا لسنوات، وتعاقبت عدة حكومات على إعداد مشاريع بشأنه دون أن تصل إلى المصادقة النهائية.
لذلك، اعتُبرت المصادقة عليه خلال ولاية 2021–2026 استكمالًا لتنزيل أحد المقتضيات الدستورية الأساسية. حيث تحمل المصادقة على هذا القانون التنظيمي عدة دلالات سياسية وقانونية تتمثل في : استكمال البناء الدستوري للمملكة من خلال إخراج أحد آخر القوانين التنظيمية الكبرى المؤجلة. و كذا تأطير ممارسة حق الإضراب بقواعد قانونية موحدة بعد سنوات من الاعتماد على الاجتهادات القضائية والممارسات العملية. بالإضافة إلى إحداث توازن بين حق العمال في الإضراب وحق المقاولات والإدارات في استمرارية النشاط الاقتصادي والمرافق العامة.
وإذا أردنا ترتيب أهم القوانين التي ميزت الولاية التشريعية 2021–2026، فإن القانون التنظيمي للإضراب يأتي ضمن أبرزها إلى جانب قوانين الحماية الاجتماعية ،و قانون الاستثمار، و قانون العقوبات البديلة، و القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم دستورية القوانين. حيث يمكن اعتبار المصادقة على هذا القانون محطة تشريعية بارزة لأنها أنهت فراغًا تشريعيًا استمر منذ دستور 2011. وأبرزت قدرة المؤسسات الدستورية على استكمال تنفيذ مقتضيات الدستور، وإن بعد مدة طويلة. كما فتحت مرحلة جديدة ستنتقل فيها النقاشات من مشروعية إصدار القانون إلى كيفية تطبيقه وتفسيره قضائيًا. وهكذا ومن منظور تاريخي وتشريعي، تعد المصادقة على القانون التنظيمي للإضراب أحد أهم إنجازات الولاية التشريعية 2021–2026، لأنه استكمل ورشًا دستوريًا مؤجلًا منذ أكثر من عشر سنوات. أما من الناحية السياسية، فقد ظل من أكثر النصوص إثارة للنقاش بين الحكومة والنقابات والمعارضة، مما يعكس حساسية التوفيق بين حماية حق دستوري أساسي وتنظيم ممارسته بما يراعي مصالح مختلف الفاعلين والاقتصاد الوطني.
وبالإضافة إلى هذا القانون التنظيمي الهام ، تميزت هذه الولاية التشريعية أيضا بإقرار أو تعديل نصوص مهمة، من أبرزها: إصلاح منظومة الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي المباشر، و قوانين مرتبطة بالاستثمار وتحسين مناخ الأعمال.وإصلاحات في قطاع العدالة، مثل الخبراء القضائيين وتنظيم بعض المهن القانونية. فقد شهدت الولاية التشريعية 2021–2026 عدداً من القوانين التي استهدفت تحديث منظومة العدالة والقضاء في المغرب، سواء على مستوى التنظيم القضائي، أو المهن القانونية، أو السياسة الجنائية، حيث كان من أبرزها:
قانون العقوبات البديلة الذي يعد من أهم الإصلاحات الجنائية خلال هذه الولاية حيث يهدف إلى تقليص اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية في الجنح البسيطة، و تعزيز إعادة إدماج المحكوم عليهم. بالاضافة إلى تخفيف الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية.
كما ساهمت المصادقة البرلمانية على قانون التنظيم القضائي الجديد على مواصلة حكومة أخنوش تنزيل هذا القانون عبر إصدار النصوص التطبيقية، بهدف إعادة هيكلة المحاكم ، و تحسين توزيع الاختصاصات، و تعزيز النجاعة القضائية ،و تطوير الإدارة القضائية. كما شهدت هذه الولاية التشريعية مراجعة أو إعداد مشاريع قوانين تخص عدداً من المهن، منها قانون تنظيم مهنة المحاماة،
وقانون تنظيم مهنة العدول، و قانون الخبراء القضائيين. حيث تهدف هذه الإصلاحات إلى تحديث شروط الولوج إلى هذه المهن، و تعزيز التكوين والتأهيل، و تطوير أخلاقيات المهنة. وتحسين جودة الخدمات القانونية. كما أنه خلال هذه الولاية تم تحديث الإطار القانوني المنظم للمعهد العالي للقضاء بما ينسجم مع استقلال السلطة القضائية، مع التركيز على تكوين القضاة، و التكوين المستمر، و تحديث مناهج التأهيل القضائي. في حين جرى تعزيز الإطار القانوني للمفتشية العامة للشؤون القضائية بهدف تطوير آليات التفتيش، و الرفع من جودة الأداء القضائي، و تكريس مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. إلى جانب إحداث مؤسسة خاصة بالأعمال الاجتماعية لفائدة القضاة وموظفي السلطة القضائية، لتعزيز الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات الاجتماعية لهذه الفئة. وفي المقابل، بقيت بعض الأوراش الكبرى، مثل الإصلاح الشامل للقانون الجنائي ، محل نقاش تشريعي وسياسي إلى نهاية الولاية.
2-المنهجية التشريعية للولاية البرلمانية (2021–2026)
تميزت المنهجية التشريعية لهذه الولاية بأربع سمات رئيسية:
-هيمنة المبادرة الحكومية حيث بقيت أغلب النصوص التي صادق عليها البرلمان مشاريع قوانين مقدمة من الحكومة، في حين ظلت مساهمة مقترحات القوانين البرلمانية محدودة نسبيًا، وهو نمط عرفته أيضًا ولايات سابقة.
-تسريع تنزيل الأوراش الكبرى حيث اتجه النشاط التشريعي إلى توفير الأطر القانونية لتنزيل مشاريع مثل الحماية الاجتماعية، والاستثمار، والإصلاح الإداري، بما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية للدولة.
-كثرة القوانين ذات الطابع التقني حيث تضمنت الحصيلة عددًا كبيرًا من القوانين المتعلقة بإحداث أو تعديل مؤسسات، والمصادقة على الاتفاقيات الدولية، وتحيين نصوص قائمة، إلى جانب قوانين إصلاحية كبرى.
-الانسجام بين الحكومة والأغلبية حيث ساعد توفر أغلبية برلمانية مستقرة نسبيًا على تمرير معظم مشاريع القوانين الحكومية، مع تسجيل نقاشات حادة حول بعض النصوص، خاصة تلك المرتبطة بالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية.
وهكذا ، فمن منظور تحليل السياسات العامة، يمكن اعتبار ولاية 2021–2026 أكثر تركيزًا على التشريعات البنيوية المرتبطة بتنزيل الأوراش الاستراتيجية للدولة، بينما تميزت ولاية 2016–2021 بكونها جمعت بين مواصلة الإصلاحات ومواجهة ظرف استثنائي فرضته جائحة كوفيد.
لذلك، يصعب الجزم بأن إحدى الولايتين “أفضل” بصورة مطلقة؛ إذ يختلف التقييم بحسب ما إذا كان التركيز على كمية التشريع، أو نوعية الإصلاحات، أو السياق السياسي والاقتصادي الذي أُنجزت فيه. فخلال الولاية التشريعية 2021–2026، لم يكن عدد القوانين التنظيمية المصادق عليها كبيرًا مقارنة بالقوانين العادية، لأن أغلب القوانين التنظيمية الأساسية المنصوص عليها في دستور 2011 كانت قد صدرت خلال الولايات السابقة. ومع ذلك، شهدت نهاية هذه الولاية المصادقة على عدد من القوانين التنظيمية المهمة، خاصة في سنتها الأخيرة، في إطار التحضير لاستحقاقات 23 شتنبر 2026 واستكمال بعض الإصلاحات الدستورية.وهكذا كان من أبرز هذه القوانين:
*القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون يهدف إلى تفعيل الفصل 133 من دستور 2011. و يمنح المتقاضين إمكانية إثارة الدفع بعدم دستورية أي قانون و إحالته إلى المحكمة الدستورية وفق الشروط القانونية. حيث يعد من أهم النصوص الدستورية التي اكتمل بها مسار الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين.
*القانون التنظيمي رقم 36.24 المعدل للقانون التنظيمي للمحكمة الدستورية الذي جاء لمواءمة تنظيم لمحكمة الدستورية مع مستجدات قانون الدفع بعدم الدستورية. حيث ينظم إجراءات البت في الدفوع المحالة إليها.
*القانون التنظيمي رقم 53.25 المعدل للقانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب الذي يندرج ضمن مراجعة الإطار القانوني للانتخابات والمؤسسات التمثيلية. وقد شمل مقتضيات مرتبطة بتنظيم عمل المجلس وبعض الجوانب الانتخابية.
*القانون التنظيمي رقم 54.25 المعدل للقانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية والذي يهدف إلى تحيين بعض المقتضيات المنظمة للأحزاب، في أفق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.
* القانون التنظيمي رقم 031.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، والذي صادق عليه مجلس النواب بالأغلبية في جلسة 11 ماي 2026 ، وصادق عليه مجلس المستشارين في جلسة 9 يونيو 2026 بالأغلبية. حيث جاء هذا التعديل ليشكل أحد أهم إصلاحات ورش الجهوية المتقدمة منذ صدور القانون التنظيمي الأصلي سنة 2015.حيث كان من أبرز مقتضياته: إعادة هندسة اختصاصات الجهات، مع توضيح الاختصاصات الذاتية والمشتركة لتقليص التداخل مع الدولة.وإدراج التنمية الرقمية ضمن الاختصاصات الذاتية للجهة، بما ينسجم مع التحول الرقمي للإدارة. و تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية لتنفيذ المشاريع في شكل شركات مساهمة، بهدف منحها مرونة أكبر في الإنجاز مع الإبقاء على الرقابة العمومية. و تعزيز الموارد المالية للجهات، مع التنصيص على ألا يقل مجموع التحويلات المالية من الدولة لفائدة الجهات عن 12 مليار درهم سنويًا ابتداءً من سنة 2027.ومراجعة برامج التنمية الجهوية وآليات التعاقد بين الدولة والجهات، وتقوية مجالات التدخل في التنمية الاقتصادية والقروية والثقافية والسياحية والبيئية.
* المصادقة على تعديل القانون التنظيمي المتعلق بالتعيين في المناصب العليا ، والذي تكمن أهميته من الناحية الدستورية، بتطبيق الفصلين 49 و92 من الدستور اللذين ينظمان التعيين في المناصب العليا. حيث يندرج ضمن قوانين التحيين والملاءمة أكثر من كونه إصلاحًا بنيويًا لمنظومة التعيين نفسها.
3-أعطاب البنية التشريعية
يرى أنصار الأغلبية الحكومية أن الولاية التشريعية 2021-2026 قد تميزت بقوانين ذات أثر هيكلي طويل المدى، خاصة في مجالات الدولة الاجتماعية. و الاستثمار. وإصلاح قطاع العدالة.أما المعارضة وعدد من الباحثين فيسجلون ملاحظات منها: استمرار هيمنة الحكومة على المبادرة التشريعية.و محدودية مساهمة البرلمان في اقتراح القوانين. وسرعة مناقشة بعض النصوص الكبرى.تأخر بعض الإصلاحات المنتظرة، مثل استكمال مراجعة القانون الجنائي وبعض النصوص الأساسية. من هنا فتقييم هذه الولاية يعتمد الجواب فيه على معيار التقييم:إذا كان المعيار هو عدد القوانين، فالولايتان متقاربتان، مع استمرار إنتاج تشريعي مرتفع في كلتيهما.أما إذا كان المعيار هو أثر الإصلاحات، فيمكن القول إن ولاية 2021–2026 تميزت بتركيزها على أوراش بنيوية طويلة الأمد، مثل الحماية الاجتماعية والاستثمار وإصلاح بعض جوانب العدالة.
لكن كيفما كان الحال ، فيمكن القول بأن هذه الولاية التشريعية المنتهية قد عرفت استمرار عدد من الاختلالات التقليدية التي عرفها البرلمان المغربي، والتي كان من أبرزها:
-ظاهرة الغياب حيث ظلت من أكثر القضايا إثارة للنقاش. فقد سجلت جلسات عامة واجتماعات لجان حضورًا دون المستوى المتوقع، خاصة في مناقشة بعض مشاريع القوانين أو جلسات الأسئلة الشفوية. فرغم التنصيص في النظام الداخلي ومدونة الأخلاقيات على واجب المواظبة والانضباط. سجلت بعض اللجان الدائمة أيضًا نسب حضور متواضعة، رغم أن العمل التشريعي الحقيقي يتم داخل اللجان أكثر مما يتم في الجلسات العامة.
-ضعف الانضباط البرلماني حيث لا يزال بعض النواب يحضرون فقط خلال: التصويت على مشاريع القوانين المهمة.و جلسات مساءلة رئيس الحكومة. ومناقشة قوانين المالية. بينما تعرف جلسات أخرى حضورًا محدودًا.
-محدودية المبادرة التشريعية حيث استمرت هيمنة الحكومة على التشريع، إذ بقيت أغلب النصوص المصادق عليها مشاريع قوانين حكومية، في حين ظل عدد مقترحات القوانين التي تحولت إلى قوانين محدودًا.
-ضعف الرقابة البرلمانية إذ رغم كثرة الأسئلة الشفوية والكتابية، يرى عدد من الباحثين أن الرقابة لم تبلغ دائمًا مستوى الفعالية المطلوبة، خاصة في تتبع تنفيذ السياسات العمومية وتقييمها.
– التأثير المحدود لمدونة الاخلاقيات حيث يمكن القول انه إذا كانت مدونة الأخلاقيات قد شكلت خطوة مهمة من الناحية المعيارية، لأنها وضعت مبادئ تتعلق بـ: النزاهة ، وتجنب تضارب المصالح ، و التصريح بالمصالح عند الاقتضاء، و احترام المؤسسة البرلمانية ، و المواظبة والانضباط ، فإن تأثيرها العملي ظل محدودًا في نظر عدد من المراقبين، لعدة أسباب منها ضعف آليات التتبع والجزاء ، و غلبة الطابع التوجيهي لبعض مقتضياتها و استمرار الثقافة السياسية التي لا تجعل المواظبة معيارًا أساسيًا لتقييم الأداء البرلماني.
وبالتالي، فإن التخفيف من بعض أعطاب العمل البرلماني مستقبلا ، يتطلب الاعتماد على طريقة اختيار المرشحين، وثقافة الأحزاب، وآليات المساءلة داخل البرلمان.فإذا جاءت النخبة الشابة عبر تنافس قائم على الكفاءة والبرامج، فقد يكون لذلك عدد من الآثار الإيجابية من أبرزها ارتفاع معدلات الحضور والمواظبة، خصوصًا إذا اعتبر البرلمانيون الجدد العمل البرلماني نشاطًا سياسيًا رئيسيًا لا مجرد موقع تمثيلي ن وأبدوا استعدادا أكبر لاستعمال الأدوات الرقمية في تتبع مشاريع القوانين، والتواصل مع المواطنين، وإعداد المبادرات التشريعية.بالإضافة إلى اهتمام أكبر بتقييم السياسات العمومية والرقابة على العمل الحكومي، و قدرة أكبر على الاشتغال داخل اللجان البرلمانية، حيث يتم جزء كبير من العمل التشريعي.
لكن عامل السن وتشبيب البرلمانيين ليس كافيا . فقد أظهرت التجارب المقارنة أن تجديد الأعمار لا يؤدي تلقائيًا إلى تغيير الممارسات إذا بقيت العوامل البنيوية نفسها، مثل: منح التزكيات على أساس النفوذ المحلي أو الولاءات أكثر من الكفاءة ، و ضعف التكوين في العمل التشريعي ، و محدودية الجزاءات على الغياب وعدم الانضباط ، .و استمرار الثقافة التي ترى المقعد البرلماني وسيلة للتمثيل المحلي أكثر من كونه وظيفة تشريعية ورقابية.وبالتالي، قد نجد نائبًا شابًا كثير الغياب، كما قد نجد نائبًا ذا خبرة عالية يتمتع بمواظبة كبيرة. لذا يرى كثير من الباحثين في العلوم السياسية أن تحسين الأداء البرلماني يحتاج إلى حزمة من الإصلاحات، منها:
*اعتماد معايير أكثر صرامة في اختيار المرشحين داخل الأحزاب.
*نشر مؤشرات دورية حول حضور النواب، ومشاركاتهم، وأسئلتهم، ومقترحاتهم.
*ربط بعض التعويضات أو الامتيازات بالمواظبة الفعلية، وفق ما يسمح به الإطار القانوني.
*تعزيز التكوين المستمر للبرلمانيين الجدد في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.
*تفعيل مقتضيات النظام الداخلي ومدونة الأخلاقيات بصورة أكثر انتظامًا.
وبالتالي ، فإذا أفرزت انتخابات 2026 عددًا أكبر من النواب الشباب، فقد يسهم ذلك في إدخال أساليب عمل جديدة، لكن نجاح هذا التحول سيعتمد أيضًا على:
*طبيعة التزكيات الحزبية.
*قوة الانضباط داخل الفرق البرلمانية.
*مدى تفعيل قواعد المساءلة داخل مجلسي البرلمان.
*توقعات الناخبين ومحاسبتهم لممثليهم خلال الولاية.
من هنا يمكن القول إن تجديد النخبة البرلمانية يمثل شرطًا مساعدًا وليس شرطًا حاسمًا. فإذا اقترن اختيار برلمانيين شباب بمعايير الكفاءة، والتكوين، والمساءلة، وتفعيل قواعد الانضباط، فمن المرجح أن يسهم في الحد من ظواهر مثل الغياب وضعف المشاركة. أما إذا اقتصر التجديد على استبدال الأجيال مع بقاء قواعد العمل والحوافز نفسها، فمن المحتمل أن تستمر الاختلالات نفسها، وإن بوجوه جديدة. لذلك، فإن الإصلاح المؤسسي وثقافة المساءلة يبدوان أكثر تأثيرًا من عامل السن وحده في تحسين أداء المؤسسة البرلمانية.





تعليقات الزوار ( 0 )