تشكل الاستراتيجيات القطاعية إحدى أهم الأدوات التي تعتمدها الدول لتوجيه السياسات العمومية وتحقيق التنمية على المدى المتوسط والبعيد، إذ يفترض أن تقوم على تشخيص دقيق للواقع، وتحديد أهداف واضحة، مع توفير الآليات الكفيلة بتحويلها إلى نتائج ملموسة، ولكن نجاح أي استراتيجية لا يقاس بجودة صياغتها أو حجم الطموحات التي تتضمنها، وإنما بمدى قدرتها على الصمود أمام المتغيرات وتحقيق الأثر المنشود على أرض الواقع.
ورغم تعدد الاستراتيجيات التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الماضية في عدد من القطاعات، فإن النقاش لا يزال متواصلا حول أسباب تعثر بعضها في بلوغ جميع أهدافه، وما إذا كان الخلل يكمن في التصور الاستراتيجي نفسه، أم في آليات التنفيذ والمتابعة والتقييم، ويزداد هذا النقاش أهمية في ظل التحديات الاقتصادية والمناخية والمؤسساتية التي تفرض مراجعة منهجية إعداد وتنفيذ السياسات العمومية.
الاستراتيجية والدولة
يرى إدريس الفينة، رئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، أن من أبرز الإشكالات التي تتكرر في المغرب استمرار ربط الاستراتيجيات بالأشخاص أكثر من ارتباطها بالدولة ومؤسساتها، موضحا أن كل تغيير حكومي أو وزاري يعيد إلى الواجهة الحديث عن إطلاق استراتيجية جديدة، وكأن الرؤى التنموية تبدأ وتنتهي بتغير المسؤولين.
وأبرز الفينة في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذا المنطق يتعارض مع جوهر العمل الاستراتيجي، لأن الاستراتيجية ليست برنامجا انتخابيا ولا مشروعا شخصيا لوزير معين، وإنما رؤية وطنية بعيدة المدى، يفترض أن تمتد لعشر سنوات أو أكثر، مع إخضاعها بشكل دوري للتحيين والتقييم وفق المستجدات، وليس هدمها وإعادة بنائها كلما تغيرت الحكومات أو المسؤولون.
وأردف أن استقرار الرؤية الاستراتيجية يمثل أحد أهم شروط نجاح السياسات العمومية، لأن تراكم الإصلاحات واستمراريتها يمنحان المؤسسات القدرة على تحقيق الأهداف المرسومة، بينما يؤدي الانقطاع المتكرر إلى إهدار الزمن والموارد، وإعادة إنتاج المشكلات نفسها دون الاستفادة الكاملة من التجارب السابقة.
فجوة التنفيذ
يشير الفينة إلى أن إعداد أي استراتيجية قطاعية يستغرق أشهرا طويلة من الدراسات والتحليلات والمشاورات، كما يكلف الدولة اعتمادات مالية مهمة، غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في جودة الوثائق الاستراتيجية، وإنما فيما يليها من مراحل التنفيذ العملي.
ولفت إلى أن كثيرا من القطاعات تنجح في إنتاج وثائق استراتيجية متقنة من حيث الصياغة، تتضمن أهدافا ومؤشرات واضحة، لكنها تتوقف عند هذا الحد، دون الانتقال إلى المرحلة الأكثر حسما، وهي تحويل تلك الرؤى إلى برامج تنفيذية قابلة للتطبيق والقياس.
وفي هذا السياق، أوضح أن الاستراتيجية تجيب عن سؤال: “إلى أين نريد أن نصل؟”، بينما يجيب مخطط التنفيذ العملي عن أسئلة أكثر دقة، من قبيل: كيف سيتم الوصول إلى تلك الأهداف، ومن سيتولى التنفيذ، وما هي الموارد المطلوبة، وما الآجال الزمنية المحددة، وكيف سيتم قياس نسب الإنجاز وتقييم النتائج؟ ويعتبر أن هذا الفرق الجوهري هو ما يغيب عن العديد من التجارب المغربية.
شروط النجاح
يشدد رئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية على أن أي استراتيجية ناجحة ينبغي أن تواكبها منذ البداية؛ خطة تنفيذية مفصلة ومتكاملة، تتضمن إعادة هيكلة المؤسسات عند الحاجة، وتحديد الموارد البشرية المطلوبة من حيث العدد والكفاءة، إلى جانب وضع برامج لتكوين وتأهيل الأطر المكلفة بالتنفيذ.
وأكد على أهمية مراجعة القوانين والمساطر التنظيمية بما ينسجم مع أهداف الاستراتيجية، مع توفير الميزانيات الضرورية وربطها بشكل مباشر بالأهداف والنتائج المنتظرة، حتى لا تبقى المشاريع رهينة نقص التمويل أو تأخر الاعتمادات.
وأضاف أن نجاح التنفيذ يقتضي أيضا اعتماد مؤشرات دقيقة للمتابعة والتقييم، وإرساء آليات فعالة للمحاسبة والتصحيح المستمر، فضلا عن قيادة عملية تغيير العقليات والثقافة التنظيمية داخل الإدارات، لأن مقاومة التغيير تعد من أكبر الأسباب التي تقف وراء فشل الإصلاحات، مهما بلغت جودة التصورات النظرية.
دروس الفلاحة
من خلال تتبعه لمختلف الاستراتيجيات القطاعية بالمغرب، يؤكد الفينة أنه يصعب العثور على قطاع أنجز، بالتوازي مع استراتيجيته، مخططا متكاملا للتنفيذ العملي بنفس مستوى الدقة والاحترافية الذي أعدت به الوثيقة الاستراتيجية، إذ غالبا ما يتم الاكتفاء بإعداد رؤية عامة، ثم يترك التنفيذ للإدارات والاجتهادات الفردية، دون توفير جميع شروط النجاح.
واعتبر أن قطاع الفلاحة يقدم نموذجا واضحا لهذه الإشكالية، بعدما عرف إطلاق استراتيجيتين كبيرتين ومتتاليتين، هما مخطط “المغرب الأخضر” واستراتيجية “الجيل الأخضر”، اللتان حققتا مكاسب مهمة في عدد من المجالات؛ خاصة على مستوى تنمية الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتطوير بعض سلاسل الإنتاج.
وفي المقابل، يلفت إلى أن القطاع سجل اختلالات في ملفات أخرى، من أبرزها تدبير الموارد المائية، وتحسين أوضاع الفلاحين الصغار، وخلق فرص الشغل المستدامة، ورفع القيمة المضافة في عدد من الشعب الإنتاجية، وهو ما يفرض في نظره، تقييما شاملا لمنظومة التنفيذ وليس فقط للأهداف المعلنة.
منطق التقييم
يشير الفينة إلى أن النقاش الدائر اليوم حول تعثر تحقيق بعض أهداف الاستراتيجيات كثيرا ما يختزل أسباب الإخفاق في عامل الجفاف وحده، وكأنه المسؤول الوحيد عن مختلف الاختلالات، في حين أن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك.
وأكد على أنه لا يمكن إنكار التأثير الكبير الذي خلفته سنوات الجفاف الاستثنائية على القطاع الفلاحي، غير أن التغيرات المناخية لم تعد ظرفا استثنائيا، بل أصبحت معطى هيكليا كان ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار عند إعداد الاستراتيجيات، من خلال بناء سيناريوهات متعددة للتعامل مع مختلف الاحتمالات.
وأردف أن الاستراتيجية الجيدة ليست تلك التي تحقق النجاح فقط عندما تكون الظروف مواتية، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على الصمود والتكيف مع التحولات والأزمات، بما يضمن استمرارية النتائج وتحقيق الأهداف حتى في البيئات غير المستقرة.
هندسة الإنجاز
يؤكد الفينة على أن تقييم أي استراتيجية ينبغي ألا يقتصر على قياس نسبة تحقيق الأهداف، بل يجب أن يمتد إلى تقييم منظومة التنفيذ برمتها، من خلال الإجابة عن أسئلة تتعلق بمدى جاهزية المؤسسات، وكفاية الموارد البشرية، وتوفير الميزانيات في الوقت المناسب، وفعالية الحكامة، ووجود آليات مستمرة للتصحيح كلما ظهرت الاختلالات.
ويرى أن المغرب مطالب اليوم بالانتقال من مرحلة إنتاج الوثائق الاستراتيجية إلى مرحلة هندسة التنفيذ، لأن المشكلة لا تكمن في نقص الأفكار أو ضعف الرؤى، وإنما في غياب منظومة احترافية قادرة على تحويل تلك الرؤى إلى نتائج قابلة للقياس وذات أثر ملموس على الواقع.
ولفت إلى أن النجاح الحقيقي لا تصنعه الوثائق المنمقة، ولا العروض التي تقدم أمام المسؤولين، بل تصنعه الممارسة اليومية القائمة على التنفيذ المحكم، والمتابعة الدقيقة، والتقييم المستمر، والتصحيح عند الحاجة، معتبرا أن هذه الحلقة لا تزال تمثل نقطة الضعف الأبرز في عدد من السياسات العمومية المغربية، وهو ما يجعل تعزيز ثقافة التنفيذ أحد أهم رهانات الإصلاح خلال المرحلة المقبلة.




تعليقات الزوار ( 0 )