لم تعد بعض مظاهر الفساد داخل الجامعة مرتبطة فقط بالتوظيف أو المباريات أو تدبير الموارد، بل امتدت أحياناً إلى فضاءات يفترض أن تكون أعلى منطقاً في النزاهة العلمية، وفي مقدمتها مناقشة الأطروحات الجامعية. فالأطروحة، في الأصل، عمل علمي دقيق، لا ينبغي أن يُعرض إلا على لجنة تتوفر فيها الكفاءة والتخصص والاستقلالية، لأن مناقشة البحث ليست إجراءً شكلياً، بل هي لحظة تقويم علمي حاسم، تتعلق بسمعة الجامعة والكلية، وبمصداقية الشهادة، وبمستقبل البحث العلمي نفسه.
ومن أخطر صور الخلل الإداري والعلمي أن يتم تعيين أشخاص في لجان المناقشة تحت صفة “خبير”، مع أن صفة الخبرة لا تثبت بمجرد العلاقات أو المناصب الإدارية أو المجاملات الشخصية، وإنما تثبت بالتخصص العلمي الدقيق، وبالإنتاج الأكاديمي المتصل بموضوع الأطروحة، وبالقدرة الفعلية على تقويم البحث في مجاله المعرفي. فإذا كانت الأطروحة في التصوف، فإن الخبير المطلوب هو من له تكوين وبحث ومنشورات في التصوف أو في قضايا قريبة منه قرباً علمياً حقيقياً، لا من كان تخصصه الأصلي في الفقه والأصول، مهما كانت قيمته في مجاله الخاص.
إن الخلط بين التخصصات لا يخدم البحث العلمي، بل يسيء إليه، فالباحث في الفقه والأصول قد يكون متمكناً في مجاله، غير أن ذلك لا يمنحه تلقائياً صفة الخبير في التصوف أو الفكر الصوفي أو تاريخ الطرق أو المصطلح الصوفي أو التجربة الروحية عند المتصوفة، فالخبرة العلمية ليست لقباً إدارياً يمنح بالمجاملة، وليست صفة جاهزة تلصق بأي شخص حسب الحاجة، وإنما هي حصيلة مسار علمي واضح ومعلن، تشهد عليه الأطروحة، والبحوث، والمنشورات، والتدريس، والمشاركة الأكاديمية في مجال التخصص.
وتزداد خطورة الأمر حين تكون وراء هذا التعيين علاقات مصلحية متبادلة؛ كأن يكون الشخص المعين في اللجنة يشغل مندوباً إقليمياً لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويمتلك قدرة على توفير فرص تدريس في المدارس العتيقة، أو تسهيل اعتلاء منابر الجمعة، أو غير ذلك من الامتيازات التي قد تغري بعض الأساتذة أو تجعلهم في موقع المجاملة والمحاباة. هنا لا نكون أمام مجرد خطأ في تقدير التخصص، بل أمام شبهة تضارب مصالح، حيث تختلط الجامعة بالإدارة، والعلم بالمصلحة، والتقويم الأكاديمي بتبادل المنافع.
إن تعيين عضو في لجنة مناقشة لا ينبغي أن يخضع لمنطق “الخدمات المتبادلة”، ولا لمنطق “من يخدمنا نجامله”، لأن الجامعة ليست سوقاً للمصالح، والأطروحات ليست مناسبة لتوزيع الاعترافات الرمزية بين الأصدقاء والمعارف، فاللجنة العلمية يجب أن تُشكَّل بناء على معايير موضوعية: التخصص، الكفاءة، الإنتاج العلمي، الحياد، والاستقلال عن أي علاقة مصلحية مباشرة أو غير مباشرة يمكن أن تؤثر في الحكم العلمي.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه الممارسات تضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الباحثين، فبعض الأطروحات قد تُناقش أمام لجان صارمة ومتخصصة، بينما تُعرض أطروحات أخرى على لجان يغلب عليها منطق العلاقات والمجاملات، وهذا يخلق تفاوتاً غير مشروع بين الباحثين، ويجعل قيمة الشهادة متفاوتة بحسب طبيعة العلاقات لا بحسب قيمة البحث. كما أن غياب التخصص داخل اللجنة قد يؤدي إلى مناقشة سطحية، أو إلى تمرير أطروحات ضعيفة، أو إلى إغفال أخطاء منهجية ومعرفية لا ينتبه إليها إلا المتخصص الدقيق.
لذلك فإن إصلاح مناقشة الأطروحات يقتضي وضع ضوابط واضحة لاختيار أعضاء اللجان، وفي مقدمتها ضرورة مطابقة تخصص العضو لموضوع الأطروحة أو قربه العلمي المباشر منه، مع التصريح بأي تضارب محتمل في المصالح. كما ينبغي أن تكون صفة “خبير” صفة معللة ومبنية على ملف علمي واضح، لا مجرد تسمية إدارية تستعمل لتبرير حضور شخص بعينه. ومن الواجب أيضاً تمكين الهياكل الجامعية المختصة من مراقبة هذه التعيينات، حتى لا تتحول لجان المناقشة إلى فضاءات لتبادل الرموز والمنافع بين أطراف تجمعها مصالح خارج الجامعة.
إن الجامعة التي تقبل بتعيين غير المتخصصين في لجان المناقشة تفرط في هيبتها العلمية، والكلية التي تسمح بتداخل المصالح الإدارية والدينية والأكاديمية في تقويم الأطروحات تفتح الباب أمام فساد ناعم، قد لا يظهر في شكل رشوة مباشرة، لكنه أخطر أحياناً؛ لأنه يلبس لباس القانون والإجراءات، بينما جوهره محاباة ومجاملة وتبادل مصالح.
إن مناقشة الأطروحات ينبغي أن تبقى عملاً علمياً خالصاً، لا مناسبة لتكريم الأصدقاء، ولا مجالاً لخدمة المصالح المتبادلة، ولا وسيلة لتلميع أشخاص خارج تخصصهم، فالجامعة لا تنهض إلا حين تُحترم فيها الكفاءة، ويُصان فيها التخصص، وتُبعد عنها شبكات المصالح. أما حين تصبح صفة “الخبير” تمنح لمن لا علاقة علمية دقيقة له بموضوع الأطروحة، فإننا نكون أمام خلل لا يمس شخصاً أو لجنة بعينها فحسب، بل يمس مصداقية الشهادة الجامعية والبحث العلمي برمته.





تعليقات الزوار ( 0 )