في كل صيف كروي، وفي كل بطولة عالمية كبرى، تتجه الأنظار إلى الملاعب، وتُحصى الأهداف والانتصارات، وتُقاس المنتخبات بما تملكه من نجوم وخطط وأرقام. غير أن هناك حكايات أخرى تجري بصمت بعيداً عن ضجيج المدرجات؛ حكايات لا ترويها شاشات النقل المباشر، ولا تظهر في جداول الإحصاءات، لأنها تتعلق بشيء أعمق من كرة القدم نفسها: تتعلق بالانتماء.
ولد الطفل في أمستردام أو باريس أو بروكسل أو مدريد. فتح عينيه على مدارس أوروبية، وتحدث لغة أوروبية، ولعب في أندية أوروبية، وحفظ نشيد البلد الذي نشأ فيه قبل أن يحفظ أسماء مدن بلد آبائه وأجداده. كان كل شيء من حوله يقول إنه ابن ذلك المكان. لكن في البيت كانت حكاية أخرى تُروى كل مساء.
كان الأب يتحدث عن قرية بعيدة لم يرها الابن إلا في الصور. وكانت الأم تحتفظ بلهجة لا تشبه لغة الشارع الذي يعيشون فيه. وكانت الجدران تحمل خرائط وأعلاماً وذكريات لا تخص المدينة التي ولد فيها الطفل، بل تخص وطناً آخر يسكن الذاكرة أكثر مما يسكن الجغرافيا.
كبر الطفل، وأصبح لاعباً محترفاً. جاءت الدعوات، وفتحت المنتخبات أبوابها، وأصبح عليه أن يختار.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لم يكن الاختيار سهلاً. فالمنتخبات الأوروبية الكبرى تملك ما لا تملكه كثير من دول الجنوب؛ تملك قوة المنافسة، ووفرة الموارد، والانتشار الإعلامي، وفرص التتويج، ومكانة رياضية يصعب تجاهلها. وكان بإمكان كثير من هؤلاء اللاعبين أن يسلكوا الطريق الأقصر نحو الألقاب والشهرة.
لكن بعضهم اختار طريقاً آخر.
اختار أشرف حكيمي أن يحمل قميص المغرب، لا لأنه ولد في الرباط أو الدار البيضاء، بل لأنه حمل المغرب في ذاكرته منذ الطفولة. واختار سفيان أمرابط أن يجعل من جذور عائلته امتداداً لمسيرته الرياضية. وسار في الطريق نفسه إبراهيم دياز ونصير مزراوي وغيرهم من أبناء الجيل الجديد الذين وجدوا في المنتخب المغربي أكثر من فريق لكرة القدم؛ وجدوا فيه جزءاً من قصة عائلاتهم.
وفي الجزائر، لم يكن الأمر مختلفاً. فقد اختار عدد من اللاعبين الذين ولدوا وترعرعوا في فرنسا أو بلدان أوروبية أخرى أن يرتدوا القميص الجزائري، وكأنهم يردون التحية إلى تاريخ طويل من الذاكرة العائلية الممتدة عبر البحر المتوسط. وفي السنغال حمل لاعبون ولدوا في أوروبا راية بلد آبائهم، لا بدافع الحنين وحده، بل بدافع شعور عميق بأن الإنسان قد يرث من أسرته أكثر من الاسم والملامح؛ قد يرث منها أيضاً معنى الانتماء.
ومع ذلك، فإن نبل هذه الاختيارات لا يكتمل إلا بالاعتراف بنبل الاختيارات الأخرى. فكما يستحق التقدير من عاد إلى جذور آبائه وأجداده، يستحق التقدير أيضاً من اختار البلد الذي ولد فيه ونشأ بين مؤسساته ومدارسه وأنديته. فالانتماء ليس امتحاناً في الوفاء، وليس مسابقة أخلاقية بين الناس، بل علاقة إنسانية معقدة تتشكل من الذكريات والتجارب والمشاعر والوعي بالذات.
ولهذا لا ينبغي أن ننظر إلى اللاعب الذي اختار فرنسا أو بلجيكا أو هولندا أو إسبانيا بوصفه أقل إخلاصاً لجذوره، كما لا ينبغي أن ننظر إلى من اختار المغرب أو الجزائر أو تونس أو السنغال بوصفه مجرد باحث عن عاطفة رمزية. فلكل واحد منهم قصة لا يعرف تفاصيلها إلا هو.
غير أن ما يثير الإعجاب في أولئك الذين اختاروا بلدان آبائهم وأجدادهم هو أنهم اتخذوا قرارهم في زمن أصبحت فيه الهوية أكثر سيولة من أي وقت مضى. ففي عالم العولمة والهجرات المتعاقبة، لم يعد الانتماء حقيقة بسيطة تُولد مع الإنسان، بل أصبح سؤالاً مفتوحاً يجيب عنه كل فرد بطريقته الخاصة.
ولعل أجمل ما في هذه الظاهرة أنها تكشف أن الهجرة لم تقطع الجسور كما كان يُظن. فالأب الذي غادر وطنه بحثاً عن حياة أفضل لم يحمل أبناءه بعيداً عن جذورهم بالكامل، بل حمل جذوره معه. وحين وقف الابن بعد سنوات في ملعب عالمي مرتدياً ألوان بلد آبائه، بدا المشهد وكأن الذاكرة نفسها قد وجدت طريقها إلى المستطيل الأخضر.
إنها ليست قصة انتصار منتخب على آخر، ولا قصة لاعب اختار قميصاً دون غيره. إنها قصة الإنسان حين يكتشف أن بعض الروابط لا تُقاس بالمسافات، وأن بعض الأوطان تظل حاضرة في القلب حتى وإن غابت عن العين.
ولهذا، حين نرى هؤلاء اللاعبين ينشدون أناشيد بلدان لم يولد كثير منهم على أرضها، فإننا لا نشاهد مجرد لحظة رياضية عابرة، بل نشاهد فصلاً إنسانياً بديعاً من فصول الوفاء؛ وفاءً للذاكرة، ووفاءً للعائلة، ووفاءً لحكاية بدأت مع الآباء والأجداد، ثم واصلت رحلتها في الأبناء والأحفاد.
وهكذا تبقى كرة القدم، في بعض أجمل صورها، أكثر من لعبة. إنها مرآة تعكس ما في الإنسان من حنين، وما في الذاكرة من قوة، وما في الانتماء من معنى لا تستطيع الأرقام والعقود والبطولات وحدها أن تفسره.





تعليقات الزوار ( 0 )