شهدت المملكة المغربية خلال الأسابيع الماضية اضطرابات جوية استثنائية خلفت فيضانات واسعة النطاق، ما استدعى تدخلا مؤسساتيا عاجلا لحماية الساكنة والحد من الخسائر الاجتماعية والاقتصادية، وفي هذا السياق، جاء القرار الحكومي بإطلاق برنامج دعم شامل لفائدة المتضررين، مرفوقا بتصنيف أربعة أقاليم كمناطق منكوبة، ليعكس انتقال الدولة من تدبير الأزمة ميدانيا إلى بناء آليات دعم مهيكلة تستهدف إعادة الاستقرار.
وهذا التحرك لم يقتصر على الجانب الإغاثي فحسب، بل انطوى على مقاربة متعددة الأبعاد تمزج بين الدعم الاجتماعي، وإعادة التأهيل، ومواكبة الأنشطة الاقتصادية، في أفق إعادة الحياة إلى طبيعتها، وغير أن هذه الدينامية تفتح في الآن ذاته نقاشا أوسع حول مدى قدرة السياسات العمومية على تحويل لحظة الطوارئ إلى مدخل لتعزيز الوقاية والاستعداد طويل المدى.
-استجابة الدولة
ترى مريم ابليل، الباحثة الأكاديمية المتخصصة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، أن البرنامج الحكومي الموجه لمتضرري الفيضانات يمثل انتقالا واضحا نحو دور استجابة استعجالية للدولة، وهو انتقال يعكس في تقديرها، موقع الدولة كفاعل مركزي ضامن للأمن الاجتماعي والمجالي في لحظات الأزمات.
وأبرزت ابليل في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذا التدخل لم يكن مجرد إجراء إداري تقليدي، بل جاء في إطار تعبئة شاملة تستند إلى تصور مؤسساتي يعتبر حماية المواطنين أولوية قصوى.
وأكدت أن سرعة تنفيذ التعليمات الملكية وما رافقها من إجراءات تنظيمية أظهرت قدرة المؤسسات على التفاعل في زمن قياسي، وهو ما يعزز الثقة في فعالية آليات التدبير العمومي خلال الحالات الاستثنائية.
وهذا البعد الزمني بحسب الباحثة الأكاديمية المتخصصة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، لا يقل أهمية عن حجم الموارد المرصودة، لأنه يحدد مدى قدرة الدولة على احتواء تداعيات الكارثة قبل تفاقمها.
وأشارت إلى أن طبيعة البرنامج، الذي جمع بين الدعم المباشر للأسر، وإعادة تأهيل البنيات، ومواكبة الأنشطة الفلاحية، تعكس وعيا بضرورة معالجة الأزمة في بعدها الشامل، بدل الاقتصار على حلول ظرفية، وهو ما يمنح التدخل طابعا بنيويا نسبيا، حتى وإن ظل مرتبطا بسياق طارئ.
-وعي مؤسساتي
تعتبر ابليل أن تصنيف مناطق منكوبة يمثل خطوة ذات دلالة مؤسساتية واجتماعية قوية، لأنه يفتح المجال أمام تعبئة موارد استثنائية وتوجيه تدخلات دقيقة نحو المجالات الأكثر تضررا.
ولفتت إلى أن هذا التصنيف لا يحمل فقط بعدا رمزيا، بل يؤسس لإطار قانوني وتنظيمي يسمح بتسريع المساطر وتكييف آليات التدخل مع طبيعة الوضع.
وأوضحت أن هذا الإجراء يعكس إدراكا متزايدا لدى المؤسسات بضرورة اعتماد مقاربات مرنة في تدبير الأزمات، بما يضمن فعالية أكبر في الاستجابة.
وأردفت أن الإقرار الرسمي بوجود كارثة يتيح الانتقال من التدبير الروتيني إلى منطق تعبئة استثنائية، وهو عنصر حاسم في حماية النسيج الاجتماعي والاقتصادي.
وترى أن هذا الوعي لا يقتصر على الجانب المؤسساتي، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي، حيث يسهم الاعتراف الرسمي بحجم الضرر في تعزيز الإحساس الجماعي بالتضامن، ويمنح المتضررين إطارا واضحا للمطالبة بحقوقهم في الدعم وإعادة التأهيل.
-حدود التقييم
رغم الطابع الإيجابي للتدخل، تؤكد الباحثة أنه من المبكر الجزم بكون هذا البرنامج يشكل نموذجا مكتمل الأركان لسياسات التكيف مع المخاطر المناخية، مشيرة إلى أن مرحلة التنفيذ لا تزال في بدايتها، ما يجعل أي تقييم نهائي رهينا بما ستكشف عنه الممارسة الميدانية.
وأبرزت أن معيار النجاعة سيقاس أساسا بمدى قدرة البرنامج على تحقيق أثر ملموس ومستدام، سواء من حيث إعادة إسكان المتضررين، أو استعادة الأنشطة الاقتصادية، أو تأهيل البنيات، معتبرة أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق البرامج، بل في ضمان استمراريتها وجودة تنزيلها.
وشددت على أن الاختبار الأكبر يتمثل في قدرة السياسات العمومية على الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى منطق الوقاية والاستباق طويل المدى، موضحة أن التغيرات المناخية تفرض إعادة التفكير في نماذج التخطيط المجالي وتدبير المخاطر، حتى لا تظل الاستجابة محصورة في رد الفعل.
-أفق الوقاية
ترى ابليل أن اللحظة الراهنة يمكن أن تشكل فرصة لإعادة بناء تصور استراتيجي لتدبير المخاطر الطبيعية، يدمج بين البعد القانوني والمؤسساتي والتنموي، لافتة إلى أن الأزمات رغم كلفتها، قد تتحول إلى محرك لإصلاحات هيكلية تعزز جاهزية الدولة والمجتمع.
وأبرزت أن تطوير سياسات وقائية يتطلب استثمارا في البنية التحتية، وأنظمة الإنذار المبكر، والتخطيط العمراني، إلى جانب ترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على الوعي بالمخاطر، معتبرة أن التكيف مع التحولات المناخية لم يعد خيارا، بل ضرورة تفرضها الوقائع.
وشددت على أن نجاح التدخل الحالي سيقاس بمدى تحويله إلى لبنة ضمن رؤية طويلة المدى، تجعل من الاستباق والوقاية جزءا أصيلا من السياسات العمومية، بما يضمن حماية أفضل للأرواح والممتلكات، ويعزز صمود المجالات الترابية أمام الأزمات المستقبلية.




تعليقات الزوار ( 0 )