في سياق التحولات العميقة التي يعرفها المغرب على المستويين السياسي والاجتماعي، يطفو إلى السطح سؤال مركزي يتعلق بمدى قدرة الفكر السياسي على مواكبة هذه التحولات واستيعابها. هنا يبرز اسم حسن أوريد كأحد الأصوات الفكرية التي اختارت الخوض في هذا السؤال المعقد بجرأة وعمق. فمشروعه الفكري لا ينفصل عن رهانات المرحلة، بل يسعى إلى مساءلة الأسس التي يقوم عليها الفعل السياسي، وإعادة التفكير في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمعنى.
يرى حسن أوريد أن الإشكال في المغرب لا يكمن فقط في ضعف الممارسة السياسية، بل في غياب رؤية فكرية مؤطرة لها. فالممارسة، في نظره، أصبحت في كثير من الأحيان تقنية محضة، تفتقر إلى العمق الفلسفي والمرجعية القيمية. وهذا ما يجعل السياسة تفقد بعدها النبيل، وتتحول إلى مجرد تدبير يومي للأزمات. لذلك يدعو أوريد إلى إعادة الاعتبار للفكر داخل الحقل السياسي، باعتباره شرطاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي، وقاعدة لإنتاج سياسات عمومية ذات معنى واستدامة.
ويذهب أوريد أبعد من ذلك حين يربط أزمة السياسة بأزمة النخب. فالنخب، التي يفترض فيها أن تقود التحول، أصبحت في نظره جزءاً من المشكلة بدل أن تكون جزءاً من الحل. فهي إما منغلقة على ذاتها، أو فاقدة للاستقلالية الفكرية، أو عاجزة عن إنتاج خطاب جديد يتفاعل مع انتظارات المجتمع. ومن هنا تأتي دعوته إلى تجديد النخب، ليس فقط عبر ضخ دماء جديدة، بل عبر إعادة تكوينها فكرياً ومعرفياً، وربطها بقضايا المجتمع الحقيقية بدل الارتهان لمصالح ضيقة.
كما يركز حسن أوريد على أهمية إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، معتبراً أن هذه الثقة تشكل حجر الزاوية في أي مشروع إصلاحي. فبدونها، تفقد المؤسسات مشروعيتها، ويضعف الانخراط المجتمعي في السياسات العمومية. ويرى أن استعادة هذه الثقة تمر عبر تعزيز الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع هامش المشاركة السياسية، بما يجعل المواطن شريكاً فعلياً في صناعة القرار، لا مجرد متفرج عليه.
وفي قراءته للعلاقة بين الدولة والمجتمع، يدعو أوريد إلى تجاوز المقاربة التقليدية التي تقوم على الهيمنة أو الوصاية، نحو مقاربة تشاركية قائمة على الحوار والتفاعل. فالدولة، في تصوره، لا يمكن أن تنجح في تنزيل سياساتها دون انخراط المجتمع، كما أن المجتمع لا يمكن أن يحقق تطلعاته دون إطار مؤسساتي قوي وعادل. هذه الجدلية بين الدولة والمجتمع تشكل، في فكر أوريد، مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة الإصلاحات المطلوبة.
ولا يغيب عن أوريد البعد الثقافي والحضاري في تحليله، حيث يؤكد أن أي إصلاح سياسي لا يمكن أن ينجح دون إصلاح ثقافي يواكبه. فالثقافة السياسية السائدة، التي تتسم أحياناً بالسلبية أو اللامبالاة، تحتاج إلى إعادة بناء على أسس المواطنة الفاعلة والمسؤولية الجماعية. كما يشدد على أهمية التعليم والإعلام في ترسيخ هذه الثقافة، باعتبارهما أداتين أساسيتين في تشكيل الوعي المجتمعي.
وفي سياق النقاش حول النموذج التنموي، يربط حسن أوريد بين التنمية والفكر السياسي، معتبراً أن الاختيارات الاقتصادية تعكس في جوهرها اختيارات سياسية. فالتنمية، بالنسبة له، ليست مجرد نمو اقتصادي، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يتطلب رؤية واضحة وتوافقاً واسعاً. ومن هنا، ينتقد المقاربات التي تفصل بين الاقتصاد والسياسة، مؤكداً أن نجاح أي نموذج تنموي رهين بوجود إطار سياسي ديمقراطي يضمن العدالة في توزيع الثروة وتكافؤ الفرص.
كما يطرح أوريد إشكالية الهوية في سياق العولمة، حيث يرى أن المغرب مدعو إلى إيجاد توازن دقيق بين الانفتاح على العالم والحفاظ على خصوصيته الثقافية. فالعولمة، رغم ما تحمله من فرص، تفرض تحديات حقيقية على مستوى القيم والمرجعيات. لذلك يدعو إلى تبني نموذج حداثي منفتح، لكن متجذر في الثقافة الوطنية، قادر على التفاعل مع التحولات دون أن يفقد هويته.
في النهاية، يمكن اعتبار مشروع حسن أوريد محاولة فكرية لإعادة طرح الأسئلة الكبرى التي تؤطر الفعل السياسي في المغرب. فهو لا يقدم حلولاً جاهزة بقدر ما يسعى إلى تحفيز النقاش وفتح آفاق جديدة للتفكير. وبين واقع يفرض تحديات متزايدة ومستقبل يتطلب جرأة في الاختيار، يظل رهان تجديد الفكر السياسي، كما يطرحه أوريد، مدخلاً أساسياً لبناء مغرب أكثر توازناً وديمقراطية، قادر على تحويل التحولات إلى فرص حقيقية للتقدم.






تعليقات الزوار ( 0 )