أثارت التصريحات الأخيرة لرئيس لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية، برونو فوكس، نقاشاً واسعا حول طبيعة التحول الذي يشهده الموقف الفرنسي من الأزمة المالية، خصوصا فيما يتعلق بموقع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) ضمن التصورات المستقبلية للحل السياسي والأمني في منطقة الساحل.
فقد عكست تصريحات المسؤول الفرنسي انتقالا ملحوظا من خطاب يركز حصرا على مكافحة الإرهاب إلى مقاربة أكثر تعقيدا تأخذ بعين الاعتبار التحولات الميدانية والسياسية التي شهدتها مالي خلال السنوات الأخيرة.
وبينما أكد فوكس أن قرار السلطات المالية إنهاء الشراكة مع فرنسا لم يخدم مصالح البلاد، فإن حديثه تجاوز تقييم التجربة الراهنة ليشمل تصورات بشأن مستقبل السلطة في باماكو واحتمالات إعادة تشكيل المشهد السياسي هناك.
ويلاحظ أن المسؤول الفرنسي لم يخفِ تشكيكه في جدوى الرهان المالي على الشراكة الأمنية مع روسيا، معتبرا أن التدهور الأمني الذي تشهده البلاد يعكس محدودية البدائل التي اعتمدتها السلطات الانتقالية بعد انسحاب القوات الفرنسية.
كما أشار إلى احتمال حدوث تحولات سياسية خلال الفترة المقبلة قد تؤدي إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل الدولة المالية.
غير أن أكثر النقاط إثارة للاهتمام تمثلت في حديثه عن إمكانية إدماج بعض الفاعلين المسلحين في ترتيبات سياسية مستقبلية، بما في ذلك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة.
ويعكس هذا الطرح إدراكا متزايدا داخل بعض الأوساط السياسية الغربية بأن المقاربة العسكرية وحدها لم تنجح في إنهاء التمرد المسلح في الساحل، وأن البحث عن صيغ سياسية جديدة أصبح مطروحاً للنقاش، ولو على المستوى النظري.
ويشير هذا التوجه إلى تحول في أولويات التفكير الاستراتيجي الفرنسي؛ فبعد أكثر من عقد من العمليات العسكرية المكلفة في المنطقة، بدأت بعض النخب السياسية تتعامل مع الجماعات المسلحة ليس فقط باعتبارها تهديداً أمنياً، بل أيضاً كفاعل مؤثر في التوازنات المحلية والاجتماعية التي يصعب تجاهلها عند التفكير في أي تسوية مستقبلية.
وفي هذا السياق، استحضر فوكس نماذج مختلفة من إدارة العلاقة بين الدولة والحركات الإسلامية في بعض الدول الإفريقية، في إشارة إلى إمكانية البحث عن حلول هجينة تجمع بين المقاربة الأمنية والانفتاح السياسي، بهدف تجنب سيناريوهات الانهيار الشامل أو التوسع المستمر للجماعات المسلحة.
غير أن هذا الطرح يواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع، و>لك بسبب أن المشهد المالي يتسم بتعقيدات إثنية وقبلية وسياسية تجعل من الصعب نقل تجارب دول أخرى بشكل مباشر. كما أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نفسها ليست تنظيما أحادي البنية، بل تضم مكونات وشبكات محلية متداخلة تختلف من منطقة إلى أخرى، ما يجعل أي مقاربة سياسية محتملة محفوفة بتعقيدات عديدة.
ومن زاوية أخرى، تكشف تصريحات فوكس أن المنافسة الجيوسياسية أصبحت جزء رئيسيا من قراءة باريس للأزمة المالية. فالحضور الروسي المتنامي في مالي ومنطقة الساحل يمثل بالنسبة لفرنسا تحديا استراتيجيا يتجاوز البعد الأمني، ويمس مكانتها التقليدية داخل الفضاء الفرنكفوني الإفريقي.
ومع ذلك، فإن الخطاب الفرنسي الجديد لا يزال يواجه معضلة أساسية تتمثل في كيفية التوفيق بين الدعوة إلى احترام السيادة الإفريقية وبين استمرار التدخل في تقييم مستقبل الأنظمة السياسية ومسارات الانتقال داخل دول المنطقة، وهو ما يفسر استمرار حالة التوجس لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الإفريقي التي ترى أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالنفوذ الفرنسي أو الروسي، بل أيضاً بحق الشعوب في صياغة خياراتها السياسية بعيداً عن الضغوط الخارجية.
وتبدو مالي اليوم مختبرا مفتوحا لتحولات كبرى في منطقة الساحل، حيث تتقاطع رهانات مكافحة الإرهاب مع صراعات النفوذ الدولي، فيما تبرز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كأحد أبرز الفاعلين الذين فرضوا أنفسهم على أجندة النقاش حول مستقبل الدولة المالية.
وبين المقاربة العسكرية التي استنفدت كثيرا من أدواتها، والخيارات السياسية التي لا تزال غامضة المعالم، ويبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو نموذج جديد لإدارة الصراع، أم نحو مرحلة أكثر تعقيدا من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.


تعليقات الزوار ( 0 )