أخبار ساعة

20:26 - ترامب يحسم اليوم قراره النهائي بشأن الاتفاق مع إيران20:05 - إسبانيا تسجل رقما قياسيا في منح الجنسية للأجانب عام 2025 والمغاربة في الصدارة19:07 - من الثورة إلى الحرب: سوسيولوجيا فشل الانتقال الديمقراطي في السودان19:01 - إنريكي يحسم الجدل: حكيمي جاهز لقيادة باريس في نهائي أبطال أوروبا18:56 - النبرة الثورية بين سميح القاسم وفلاديمير ماياكوفسكي18:52 - حرب التزكيات بحزب الاستقلال بين طموحات الزعامات المحلية وتحكم القيادة المركزية18:41 - أم الطفل الراعي محمدينو تفجر معطيات جديدة: ابني لم ينتحر.. واعتذر للحقوقي قاشا بعد “ضغوط” لإبعاده عن الملف18:28 - توقيف المشتبه فيه الرئيسي في واقعة تحريض طفل على استهلاك الكحول17:59 - التايكواندو المغربي ينشد الريادة الإفريقية في بطولة باماكو 202617:30 - مقال إسباني يهاجم البوليساريو ويؤكد اتساع العزلة الدولية للجبهة لصالح مبادرة الحكم الذاتي المغربية
الرئيسية » مقالات الرأي » من الثورة إلى الحرب: سوسيولوجيا فشل الانتقال الديمقراطي في السودان

من الثورة إلى الحرب: سوسيولوجيا فشل الانتقال الديمقراطي في السودان

كثير من الحبر استخدم في الكتابة عن اسباب فشل الربيع العربي و التحول الديمقراطي و تم ارجاع المسألة لجشع الاسلاميين و رغبتهم في الهيمنة على الحكم
و هذا السبب و ان ظهر وجيها عند البعض لكنه كان يخفي التامر الغربي على الثورات و الدور الخبيث الذي قام به الرئيس الامريكي اوباما في خداع الشعوب العربية لمصلحة امن و استقرار الاستبداد الخليجي و اسرائيل بتفريغ الثورات من مضمونها.

و تعتبر الثورة السودانية حالة فريدة، ففي الوقت الذي واجهت فيه دول الربيع العربي الأخرى مثل مصر، تونس، ليبيا، واليمن محاولات حثيثة من المجتمع الدولي لتقويض ثوراتها وتخريبها من الداخل لصالح قوى بعينها، نجد أن الحالة السودانية حظيت بفرصة “مختلفة” في الحسابات الغربية؛ حيث لم يسعَ الغرب لإجهاض الثورة مباشرة بل حاول هندسة مسارها عبر ما يُعرف بـ “الانتقال المتحكم به لكن المشروع فشل هناك من يتهم الرئيس ترامب و اخرون يتهمون دول الخليج و حقيقة ارى ان العيب لم يكن في الخارج بل في الثوار أنفسهم الذين قبلوا بأحزاب الحرية و التغيير .

اتحدت أحزاب المعارضة السودانية عام ٢٠١٨م على ميثاق سياسي لاسقاط البشير عرف باسم ميثاق الحرية و التغيير و تم إغلاق هذا الميثاق على احزاب محددة فلم يكن مفتوحا للجميع و بسبب ذلك كان هناك معارضة للمعارضة من اليوم الاول للاحتجاجات.

بدأت الاحتجاجات في الأقاليم البحر الأحمر و النيل الازرق و نهر النيل في ديسمبر و وصلت الخرطوم خلال أسبوع حيث خرجت اول مظاهرة في الخرطوم باسم تجمع المهنيين و استمرت المظاهرات بين مد و جزر حتى ابريل ٢٠١٩م عندما قام الجيش بانقلاب على البشير استجابة للمظاهرات الشعبية .
و في أغسطس ٢٠١٩م تم تشكيل اول حكومة من الاحزاب الموقعة على ميثاق الحرية و التغيير رغم تعهد هذه الاحزاب بحكومة كفاءات مستقلة و خلال زمن وجيز ظهر انفصام كامل بين النخبة والمسؤولين الذين جلسوا على كراسي الحكم في الخرطوم، وبين رجل الشارع البسيط الذي كان يحرك الثورة بأمعائه الخاوية وآماله البسيطة في العيش الكريم.

​حين خرج السودانيون في مدن السودان المختلفة، من عطبرة والخرطوم إلى بورتسودان والدمازين، لم يكن خروجهم من أجل نقاشات فكرية حول “العلمانية” أو “الليبرالية”، ولم يخرجوا لتغيير هوية المجتمع أو عاداته وتقاليده الدينية. القصة بدأت من أمعاء خاوية، ومن بيوت ضاق بأهلها الحال، ومن كرامة جُرحت في صفوف الخبز والوقود، ومن رواتب ومداخيل تهاوت قيمتها حتى لم تعد تكفي لشراء أبسط مستلزمات الحياة اليومية للأطفال. خرج الناس طلباً للكرامة والخبز والعدالة المعيشية، وهي مطالب واضحة وبسيطة ولا تحتاج إلى فلسفة.

​المأساة الكبرى بدأت عندما قفزت “نخبة الخرطوم” إلى مقاعد السلطة. هذه المجموعة، التي عاشت طويلاً في صالونات المثقفين المعزولة عن نبض الريف والأقاليم، أو في منافي الغرب وعواصمه الباردة، جاءت وهي تحمل في حقائبها أفكاراً غريبة عن واقع الإنسان السوداني.

وبدلاً من أن يفتح هؤلاء المسؤولون ملفات الاقتصاد، ويبحثوا عن حلول سريعة لمعاش الناس وتخفيف عبء المعيشة، انشغلوا بمعارك جانبية ومعارك هوية لا تطعم جائعاً. فتحوا ملفات القوانين، والمناهج التعليمية، وبدأوا في مصادمة مشاعر الناس الدينية وتقاليدهم المحافظة، وكأن مشكلة السودان الأساسية كانت في صلوات الناس وعاداتهم، وليست في فقرهم وجوعهم.

​شعر المواطن في القرية وفي الحي الشعبي بنوع من الخديعة؛ فالدين لم يكن يوماً مشكلة في السودان، ولم يخرج الناس ليسقطوا نظاماً لأنهم يرفضون الصلاة أو العادات المحافظة، بل أسقطوه لأنه عجز عن إدارة اقتصادهم وحفظ كرامتهم المعيشية. وحين تأتي حكومة جديدة وتترك الأسعار تتضاعف والعملة تنهار، وتنشغل في المقابل بمعارك أيديولوجية تريد فرضها فوقياً، فإنها تعلن صراحة عن جهلها التام بأولويات شعبها، وتصنع بيدها الجدار السميك الذي عزلها سريعاً عن عواطف الجماهير وحاضنتها الشعبية الحقيقية.

​هذه النخبة الحاكمة وقعت في خطيئة الجهل بطبيعة بلدهم. في السودان، يعرف الصغير والكبير حقيقة راسخة تعاملت معها القوى الاستعمارية القديمة بحذر شديد: وهي أن “المجتمع دائماً أقوى من الدولة”. الدولة المركزية في الخرطوم، بمؤسساتها وقوانينها الإدارية، كانت عبر التاريخ كياناً حديثاً وهشاً، بينما المجتمع في الأقاليم، والولايات، والقرى، والبوادي، يعتمد على بنيات صلبة وعميقة ومستقرة، متمثلة في القبيلة، والعشيرة، والروابط العائلية، والطرق الصوفية المتجذرة التي تمثل صمام الأمان الاجتماعي لملايين البشر في مناطق وسط السودان وغيرها.

​نظام الحكم السابق، رغم مساوئه الكثيرة وأخطائه القاتلة، كان يفهم هذه المعادلة والتركيبة بذكاء وواقعية مفرطة؛ فكان يحرص على بناء شبكة تحالفات عريضة تضم رجالات الإدارة الأهلية، وزعماء القبائل، وشيوخ الطرق الصوفية الكبرى، دمجاً لهم في بنية السلطة لضمان استقرار الدولة والسيطرة على الأوضاع في الأقاليم، ومصالحهم الحقيقية المرتبطة بصراع الأرض، والمسارات الرعوية، والموارد الاقتصادية.

​أما الحكام الجدد، فقد تعاملوا مع هذه الروابط الاجتماعية الأصيلة بنوع من التعالي، واعتبروها “مظاهر رجعية وتخلف” يجب محاربته بقرارات إدارية تصدر من مكاتب الخرطوم المكيفة. وحين أرادوا تطبيق مفاهيمهم الحديثة حول مشاريع الحكم وتمثيل الأقاليم وإشراك أهالي الولايات، لجأوا إلى لعبة سمجة ومكشوفة؛ فجاءوا بأشخاص معزولين تماماً لا وزن اجتماعي ولا قبلي لهم في مناطقهم، لمجرد أنهم يشبهونهم عرقياً أو يحملون أفكارهم الحزبية الضيقة (كأن يأتوا بشخص بعثي عربي اشتراكي من جبال النوبة أو امرأة من شرق السودان)، وظنوا واهمين أنهم بهذا التمثيل الرمزي والصوري يرضون الأطراف ويحلون معضلات بلد عريض كالسودان.

​وكانت النتيجة الحتمية لهذه العقلية الاستعلائية المعزولة أن انتفضت الأقاليم في وجوههم سريعاً ورفضت هذه المسرحيات الرمزية التي تنكر حساباتها ومصالحها الحقيقية. وحين أحس زعماء العشائر وأصحاب الأرض الحقيقيين في الولايات بالإقصاء والتهميش المتعمد من قِبل “أفندية الخرطوم”، تحركوا لحماية مصالحهم بقوتهم الذاتية؛ فانتفض أهل الشرق وأغلقوا ميناء بورتسودان الحيوي الذي يمثل شريان الحياة الوحيد لكل اقتصاد السودان وشلوا حركة الحكومة، وانتفض أهل الشمال وقطعوا الطرق التجارية البرية الرابطة مع مصر، واندلعت موجات عنيفة من الاقتتال القبلي الدامي وحالات الموت الكبرى في أقاليم الغرب، لتجد الحكومة الانتقالية نفسها مشلولة وعاجزة في العاصمة، بعد أن دمرت بغبائها السياسي منظومة السلم الاجتماعي والآليات التقليدية التي كانت تضمن حدّاً أدنى من استقرار البلاد.

​وعلى الصعيد الخارجي والسياسية الدولية، سلك حكام الفترة الانتقالية مساراً اتسم بسذاجة سياسية مفرطة تقترب من الأمية التاريخية. لقد بنوا كل تصوراتهم لإصلاح البلد وإدارته على رهان واحد ووحيد: وهو الخضوع الكامل والارتهان الأعمى لوعود الدول الغربية وأمريكا والمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي. عاش المسؤولون الجدد على وهم كبير مفاده أن المجتمع الدولي سيغدق على السودان مليارات الدولارات من المساعدات والمنح بمجرد أن يروهم يرفعون شعارات الحرية، والديمقراطية، والليبرالية في الخرطوم.

​ومن أجل إرضاء هذا المحور الخارجي وكسب وده، قدمت الحكومة الانتقالية تنازلات سيادية وسياسية كبرى مست كرامة البلد ومصالحه الاستراتيجية. انصاعوا لابتزاز واشنطن الضيق، ووقعوا على اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل كشرط مفروض ومذل لرفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وتلقي المساعدات، متناسين أن كرامة الدول لا تُباع وتُشترى في أسواق المساعدات المشروطة. ولم تكن الاستراتيجيات الغربية والأمريكية محكومة برغبة طهرانية لتقديم العون، بل تحركت وفق حسابات براغماتية شديدة الصرامة، كان هاجسها الأكبر والأول الخوف من الانهيار الأمني الكلي وتكرار “السيناريو الليبي أو السوري” أو نشوء بيئة خصبة لظهور تنظيمات متطرفة مثل داعش، ففضلوا الحفاظ على صلابة المنظومة العسكرية والأمنية مع طلاء الواجهة بوجوه مدنية تكنوقراطية، مما جعل المكون المدني مجرد غطاء شكلي بلا مخالب.

​ولم يتوقف الأمر عند التنازلات السياسية، بل امتد لتبني سياسات اقتصادية قاسية وطاحنة فرضها البنك الدولي بحذافيرها؛ من رفع كلي للدعم عن السلع الأساسية كالوقود والخبز، وتعويم العملة الوطنية بشكل مفاجئ، وتخفيض الإنفاق الاجتماعي؛ وهي إجراءات هرب منها النظام السابق لسنوات طويلة خشية الغضب الشعبي، ونفذتها حكومة الثورة الانتقالية بلا تردد، فسحقت القوة الشرائية للمواطن البسيط تماماً ودفعت بملايين الأسر السودانية إلى ما تحت خط الفقر المدقع.

​والطامة الكبرى في هذا الملف هي أن الطاقم الاقتصادي للحكومة بنى الميزانية العامة للدولة على أوهام حقيقية؛ حيث اعتمدوا في تغطية ثلث ميزانيتهم بالكامل (نحو 33%) على “المنح والقروض والهبات الخارجية” التي وُعدوا بها شفهياً في المؤتمرات الدولية الرنانة مثل مؤتمر برلين للمانحين. لقد غكس هذا التصرف جهلاً فاضحاً بالتاريخ القريب؛ فبالنظر إلى تجربة اتفاقية السلام الشامل عام 2005، نجد أن المجتمع الدولي تعهد بتقديم 31 مليار دولار لجعل خيار الوحدة جاذباً لأهلنا في الجنوب، وعند التنفيذ تملصت تلك الدول من وعودها ولم تدفع حتى واحد في المائة من المبالغ المعلنة، وتحمل السودان وحده عبء التعمير من ميزانيته الشحيحة حتى وقوع الانفصال عام 2011.

​وهذا السيناريو تكرر بحذافيره مع حكومة ديسمبر؛ إذ أخذت القوى الغربية وأمريكا كل التنازلات السياسية التي تريدها، ومررت ملف التطبيع، وضمنت انصياع السودان للسياسات المالية القاسية، ثم أدارت ظهرها للحكومة الانتقالية ولم تدفع من تلك المليارات الموعودة شيئاً يُذكر على أرض الواقع. تُرِك المسؤولون الجدد يواجهون الانهيار الاقتصادي الكامل ولهيب الأسعار وغضب الشارع لوحدهم وبلا أي ظهير مالي دولي، ليكتشف رجل الشارع البسيط أن قرار بلده وقمة معيشته تم رهنها لسراب كاذب لا وجود له إلا في تصريحات المؤتمرات الصحفية.

​أما الطامة الكبرى فكانت عجز هذه النخبة عن قراءة قوة وحجم خصومهم ومنافسيه على الأرض. لقد ظنوا أن سقوط رأس النظام السابق في أبريل 2019 يعني تلقائياً أن بنيته وقاعدته الشعبية والكتلة الاجتماعية العريضة التي كانت تدعمه وتتحالف معه على مدى ثلاثة عقود قد تلاشت واختفت من الوجود تماماً، وصدقوا خطاباتهم الحماسية والبروباغندا الإعلامية بأن النظام كان معزولاً تماماً ومجرداً من الجماهير.

​والحقيقة الموضوعية الباردة التي يعرفها كل مراقب منصف، هي أن النظام السابق لم يكن معزولاً شعبياً بل ظل حتى آخر لحظة محتفظاً بقاعدة تماسك جماهيرية وشعبية معتبرة، ونجح في تسويق وبيع “الأيديولوجيا الدينية” لقطاعات واسعة من المجتمع السوداني التي ما تزال معبأة بها عاطفياً وفكرياً. إن النظام السابق سقط لأن الحصار الاقتصادي الدولي الخانق بلغ مداه فجعل الدولة عاجزة مادياً عن الاستمرار وتسيير أعمالها اليومية وتوفير الخدمات الأساسية للناس، ولأن أنصاره من العسكريين والعقائديين والكوادر الشبابية الوسيطة تخلوا عنه في اللحظات الأخيرة وآثروا العودة إلى بيوتهم وترك الرئيس لمصيره؛ لرفضهم بقاءه الشخصي ونكثه بوعوده التنظيمية، وإصراره الأناني على تعديل الدستور للترشح لولاية جديدة مضحياً بالحزب والبلد في سبيل بقائه الشخصي، فضلاً عن تقلباته الدبلوماسية والسياسية غير المحسوبة في المحاور الإقليمية المتناقضة (مثل محاولاته اللعب بين محوري الإمارات وإيران) مما أفقد النظام مصداقيته وموثوقيته.

​وحين حاولت الحكومة الجديدة قلع كل شيء “بالصدمة” (Shock Change) والإقصاء الأعمى لكل من يمت بصلة للنظام السابق أو يحمل فكراً محافظاً أو إسلامياً، دون أن تملك قوة حقيقية مادية على الأرض ولا الأنصار المستعدين للتضحية من أجلها في الشارع لحماية قراراتها الفوقية، ارتدت الصدمة عليها؛ فتحركت قوى المجتمع العميقة ومعها كل من شعر بالظلم والإقصاء من قِبل “أحزاب الأربعة” التي اختزلت الثورة في نفسها وعمدت إلى إغلاق الأقاليم وخنق العاصمة، ليجد الحكام الجدد أنفسهم معزولين تماماً بلا ظهير شعبي يحميهم، مما مهد الطريق لكل التحولات والارتدادات العسكرية اللاحقة التي عصفت بالمسار الانتقالي كله.

​وفي محاولة بائسة لشرعنة وجودها وصياغة أيديولوجيا بديلة، حاولت السلطة الانتقالية بناء سردية قائمة على شعار “العداء للإخوان” على وزن “العداء للشيوعية” التي سادت في القرن الماضي، دون إدراك للفروق الجوهرية. فالشيوعية كانت فكرة وافدة ومصادمة للبنية الدينية للمجتمع، وحظيت محاربتها بدعم عهود دينية مستقرة ودفاع شعبي عفوي، بينما شعار “العداء للإخوان” استهدف تياراً يلتحف بالدين المشترك للغالبية العظمى من السكان، فعُدّت ممارسات السلطة وتسرعها هجوماً مبطناً على الدين نفسه وتسببت في عزل النخبة.

​يمتلك الوجدان السوداني حساسية مفرطة وتاريخية تجاه أي مساس بالهوية الإسلامية، وهو إرث أنثروبولوجي يعود إلى تجربة “الثورة المهدية” في القرن التاسع عشر التي اندلعت شرارتها الأساسية كرد فعل شعبي وعنيف ضد ممارسات الحكم التركي-المصري التي اعتبرها الوجدان السوداني آنذاك ممارسات منافية للدين وقيم الإسلام المتجذرة. وهو الدرس الذي استوعبه حتى الاستعمار البريطاني فتعامل بحذر شديد وتوجس مفرط مع القضاء الشرعي والتعليم الديني خوفاً من إيقاظ المارد المهدي النائم في صدور القبائل. لكن النخبة الليبرالية، بجهلها التاريخي وأميتها الفاضحة، اندفعت نحو تطبيق صيغ من “العلمانية المتطرفة” المصادمة لهوية الشارع؛ فبدلاً من الفصل الواعي والذكي بين الدين كقيمة مجتمعية مقدسة وبين التنظيم السياسي كممارسة سياسية قابلة للنقد والتفكيك، خلطت النخبة بينهما وعمدت إلى مهاجمة المناهج التعليمية، والقوانين المستمدة من الشريعة، والتقاليد الإسلامية الراسخة. أدى هذا السلوك إلى تبرير مخاوف التيار المحافظ، وسهّل على قوى النظام السابق تعبئة الشارع المضاد تحت شعار “الدفاع عن الدين”، لتجد النخبة الليبرالية نفسها في نهاية المطاف معزولة وتائهة في الخرطوم بلا نصير شعبي حقيقي.

​إن “الدرس السوداني” يقدم اليوم قصة وعبرة تاريخية بالغة الأهمية لكل شعوب المنطقة والحركات السياسية في العالم العربي. فالتاريخ القريب يحمل اتهامات متبادلة بين النخب؛ حيث اتُّهم الإسلاميون تاريخياً بإضاعة الثورة المصرية بسبب تسرعهم واستئثارهم بالسلطة، واتُّهمت الميليشيات والقوى الجهوية بإضاعة الثورة الليبية وتحويلها لحرب أهلية، واتُّهمت الأحزاب التقليدية في تونس بإجهاض المسار الديمقراطي؛ أما في السودان، فإن الحقيقة الساطعة تقول إن الليبراليين والنخبة الصفوية الموالية للغرب هم المسؤول الأول والوحيد عن إضاعة ثورة ديسمبر الشعبية العظيمة.

​لقد منحت الأقدار والصدف التاريخية هؤلاء الحكام فرصة ذهبية لا تتكرر في تاريخ الدول؛ وجدوا بين أيديهم ثورة جماهيرية حية وصاخبة، محمية باعتراف ومباركة دولية وإقليمية غير مسبوقة، ومسنودة بوجدان شعبي عريض يتوق للتغيير والاستقرار ومستعد لتحمل الصعاب من أجل بناء وطنه. ومع ذلك، نجح هؤلاء في تفتيت هذه الحاضنة وإفشال الثورة بالكامل في زمن قياسي، لسبب جوهري واحد: وهو غياب العقلية السياسية التي تفهم وتؤمن بقيمة “المساومة التاريخية” والتوافق الوطني العريض.

​تعامل الحكام الجدد مع السلطة بعقلية استعلائية إقصائية، ورفضوا أي صيغة لتقاسم السلطة الواقعي والذكي مع القوى الاجتماعية والقبلية، ظانين أن الكتالوجات المستوردة، والخطابات الحماسية أمام كاميرات التلفزة، والارتماء في أحضان السفارات الأجنبية وقروض البنك الدولي كافية لوحدها لبناء دولة مستدامة وإدارة مجتمع شديد التعقيد والتنوع كالمجتمع السوداني. نسوا تماماً أن ديمقراطية الغرف المغلقة والصالونات لا تطعم جائعاً ولا تؤمن خائفاً، وأن احترام عقيدة المجتمع، وعاداته، وتقاليده، والالتفات لمعاشه اليومي، وتوزيع السلطة والثروة بواقعية تضمن شراكة حقيقية لكل المكونات (بحيث لا يشعر أي مكون اجتماعي وزان بأنه مهزوم أو مقصى)، هي الشروط الأساسية والوحيدة لبقاء أي حكم واستقراره، وإلا فإن السقوط المدوي حتمي تحت وطأة الصراعات المجتمعية التي عجزوا عن فك شفرتها.

​وتثبت هذه التجربة القاسية، لكل رجل شارع بسيط، أن الوعود الخارجية سراب والارتهان بالكامل للخارج ووهم المساعدات والبعثات الأممية لا يبني دولة، وأن التغيير الحقيقي لا بد أن ينبع من فهم واقع الأرض واحترام الإنسان البسيط وصون كرامته المعيشية قبل كل شيء، وأن أي مشروع ديمقراطي لا يستوعب البنيات التقليدية والمؤسسات الصلبة كحقائق موضوعية ضمن عملية انتقالية تدريجية وسلسة (بدون صدمات عنيفة)، هو مشروع محكوم بالانتحار والتحول إلى فوضى عارمة وكوابيس من التفتت والدمار الاجتماعي والمسارات المجهولة والخطيرة.

كاتب وطبيب من السودان

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

النبرة الثورية بين سميح القاسم وفلاديمير ماياكوفسكي

29 مايو 2026 - 6:56 م

     حِين يتحوَّل الشعرُ مِن غِناءٍ ذاتي إلى صرخةِ تاريخٍ، ومِن تأمُّل فردي إلى موقف وجودي، يَظهر الشعراءُ الذينَ لا

حرب التزكيات بحزب الاستقلال بين طموحات الزعامات المحلية وتحكم القيادة المركزية

29 مايو 2026 - 6:52 م

تشهد كواليس حزب الاستقلال في المغرب صراعاً محتدماً حول “حرب التزكيات” مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ل 23 شتبر 2026 ،

تحت تخدير المحتوى السريع.. مجتمع مدمن للفرجة يضحي بالتحصيل العلمي والتماسك الأسري

29 مايو 2026 - 12:49 م

طفل قاصر يتجرع مادة كحولية في شريط مصور يغزو الهواتف، سماسرة الأغنام أبطال مقاطع بنكهة شماتة مستفزة تعلن انتصار السوق

الطريق الرابع: تحرير اليسار من سجن الإيديولوجيا وإعادة بناء الفكرة

28 مايو 2026 - 1:21 م

لسنا في حاجة إلى تقديم أي تبرير لكتابة هذا المقال هنا والآن؛ فكل من تابع سلسلة مقالاتنا يدرك جيدًا أن

كيف ساهمت طنجة في تغيير الملكية البريطانية؟

28 مايو 2026 - 12:21 م

في بعض الأحيان يعثر المرء على وثائق تاريخية تبرز كيف ساهمت أحداث تاريخية ليست معروفة بما هو كافٍ، في وقوع

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°