أخبار ساعة

00:45 - الخطاب الملكي يعزز الثقة في مستقبل المغرب00:17 - الملك الحكيم… المحايد… حين يتحدث عن الوطن لا عن الانتخابات23:51 -  سراب النقد وبؤس الفهم… ردٌّ علمي على افتراءات الجباري حول كتاب “مقام المراقبة” لفضيلة الشيخ د.عزيز الكبيطي الإدريسي23:39 - حين يكون الحكم أمانة: النبل الأخلاقي في الخطاب الملكي23:39 - الأمن والاستقرار ركيزة المغرب الصاعد23:37 - محمد السادس وبناء المغرب الصاعد: التنمية بوصفها مشروع دولة21:47 - النص الكامل للخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش21:36 - الملك: ندخل مرحلة تنموية جديدة تتجاوز الزمن الحكومي21:25 - الملك محمد السادس: الاستقرار عملة نادرة والرصيد الأهم للتنمية20:05 - المحكمة الدستورية تقر بشغور المقعد البرلماني للسنتيسي تزامنا مع استقالته الحزبية
الرئيسية » مقالات الرأي » حين يكون الحكم أمانة: النبل الأخلاقي في الخطاب الملكي

حين يكون الحكم أمانة: النبل الأخلاقي في الخطاب الملكي

لم يكن خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاعتلائه عرش أسلافه الميامين، مجرد عرض لحصيلة مرحلة أو تعداد لمنجزات الدولة؛ بل كان، في أحد أعمق أبعاده، إعلانًا أخلاقيًا عن معنى الحكم، وعن الصلة التي تجمع الملك بشعبه، وعن الفلسفة التي تستند إليها الدولة المغربية في شرعيتها واستمرارها. وقد جاء الخطاب في 29 يوليوز 2026 مؤكدًا أن قيادة المغرب أمانة عظيمة ومسؤولية جسيمة، غايتها التجاوب مع تطلعات المواطنين وانشغالاتهم.

ومن أكثر عبارات الخطاب دلالة قول جلالته: «لم أبحث يومًا عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي، على المستوى القاري أو الدولي؛ بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم».

هذه العبارة لا تعبّر عن تواضع شخصي فحسب، وإنما تكشف عن نبل أخلاقي في ممارسة السلطة؛ فالحكم، في هذا التصور، ليس امتيازًا يُستثمر في صناعة الصورة، ولا منصبًا يُطلب من خلاله المجد، وإنما تكليف تاريخي وأمانة تجاه الإنسان والوطن. وتلك هي المسافة الفاصلة بين من يرى الدولة أداة للنفوذ الشخصي، ومن يراها عهداً ومسؤولية وخدمة متواصلة.

إن المملكة المغربية ليست دولة وليدة ظرف عابر، ولا نتيجة صفقة سياسية طارئة، ولا كيانًا تشكل تحت ضغط الموازين الدولية الحديثة؛ وإنما هي دولة عريقة في أصلها، راسخة في تاريخها، ممتدة في شرعيتها، وقد تراكمت داخلها معاني الدولة والأمة والبيعة والوحدة عبر قرون طويلة. ولذلك أكد الخطاب أن المغرب «دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة، كدولة-أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها، في إطار من الانسجام والتكامل».

ومن هنا، لا يمكن فهم خصوصية الحكم المغربي بمعزل عن مؤسسة البيعة؛ فهي ليست مجرد إجراء شكلي أو ذكرى تاريخية، بل رابطة سياسية وأخلاقية وروحية تجمع العرش بالشعب، وتربط الشرعية بالمسؤولية، والطاعة بالرعاية، والوحدة بحفظ المصالح العامة. وقد صانت هذه الرابطة المغرب في مراحل التحول والاضطراب، وجعلت العرش صمام أمان لوحدة البلاد واستقرارها، ومرجعًا جامعًا لمختلف مكوناتها الاجتماعية والثقافية والمجالية.

وقد تميز حكم الشرفاء العلويين، عبر امتداده التاريخي، بالقرب من المجتمع والإنصات إلى قضاياه، لا بالانفصال عنه. فالملك في الوجدان المغربي ليس رأسًا للدولة في معناها الإداري وحده، وإنما هو أمير المؤمنين، وحامي الملة والدين، وضامن دوام الدولة، والحَكَم بين مؤسساتها، والراعي لوحدة شعبها. ومن خصائص هذا النموذج أن التواضع لا ينتقص من هيبة الحكم، بل يزيده رسوخًا؛ وأن القرب من الشعب لا يضعف السلطة، بل يمنحها معناها الإنساني؛ وأن الرحمة ليست نقيضًا للحزم، بل هي أساس العدل وحسن التدبير.

وحين يقرر جلالة الملك أن ما تحقق «لم يكن وليد الصدفة»، وإنما ثمرة «توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل»، فإنه يحدد بوضوح مرتكزات الحكم الرشيد في التجربة المغربية. فالحكم الرشيد لا يقوم على الارتجال، ولا يكتفي بإدارة الحاضر، بل يصنع المستقبل بالتخطيط، ويتابع التنفيذ، ويعترف بمواطن النقص، ويصحح المسار دون مكابرة.

وهنا تتجلى قيمة «النقد الذاتي البناء» بوصفه فضيلة سياسية نادرة؛ لأن الدولة القوية ليست التي تدّعي الكمال، بل التي تمتلك الشجاعة المؤسسية لمراجعة اختياراتها، وتثمين نجاحاتها، وتصويب اختلالاتها. كما أن الثقة التي عبّر عنها الخطاب ليست رضا ساكنًا عن الذات، وإنما طاقة أخلاقية وعملية لمواصلة الجهد، وهو ما عبّر عنه جلالته باعتبار الثقة والطمأنينة قوةً وحافزًا على الاستمرار.

ولذلك فإن الاستقرار المغربي ليس مجرد هدوء أمني، بل ثمرة انسجام تاريخي بين العرش والشعب، ونتيجة لعمل المؤسسات وتكاملها، ورأسمال استراتيجي يحمي التنمية والسيادة الوطنية. وقد وصف الخطاب الاستقرار السياسي والمؤسسي، في محيط إقليمي ودولي مضطرب، بأنه «عملة نادرة» وعامل أساسي في معادلة التنمية.

إن القيمة الكبرى للخطاب الملكي تكمن في أنه أعاد وضع الحكم في إطاره الأخلاقي الأصيل: خدمة لا مجدًا شخصيًا، وأمانة لا غنيمة، وتواضعًا لا استعراضًا، وتواصلًا لا عزلة، ورؤية استراتيجية لا تدبيرًا عابرًا. وهذا هو سر التميز المغربي في المنطقة: ملكية ضاربة في عمق التاريخ، متجددة في أدواتها، متصلة بشعب كريم يحب ملكه، ويرى في عرشه عنوان وحدته واستقراره واستمرار دولته.

ففي المغرب، لا يقف العرش فوق المجتمع منفصلًا عنه، بل يسكن قلبه الرمزي والتاريخي؛ ولا تُقاس قوة الملكية بما تملكه من سلطات فحسب، وإنما بما تؤديه من وظائف في الحماية والتحكيم والرعاية وحفظ التوازن. ولذلك ظل العرش العلوي قلبًا رحيمًا للدولة المغربية، وأصلًا جامعًا لوحدتها، وجسرًا دائمًا بين عراقة التاريخ وطموح المستقبل.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الملك الحكيم… المحايد… حين يتحدث عن الوطن لا عن الانتخابات

30 يوليو 2026 - 12:17 ص

قليلة هي المناسبات التي يتزامن فيها عيد العرش مع زمن الاستعداد للانتخابات التشريعية. ففي مثل هذه اللحظات الاستثنائية، يترقب الجميع

 سراب النقد وبؤس الفهم… ردٌّ علمي على افتراءات الجباري حول كتاب “مقام المراقبة” لفضيلة الشيخ د.عزيز الكبيطي الإدريسي

29 يوليو 2026 - 11:51 م

مقدمة لا بد منها: قبل الشروع في هتك أستار هذا المقال وتفكيك تهافته، يلزَمُنا التنبيهُ إلى أن كاتبه يُحاول جاهداً

محمد السادس وبناء المغرب الصاعد: التنمية بوصفها مشروع دولة

29 يوليو 2026 - 11:37 م

لا يمكن قراءة مسار المغرب خلال عهد الملك محمد السادس باعتباره مجرد حصيلة مشاريع متفرقة أو إصلاحات قطاعية متعاقبة، لأن

معاشات البؤساء في وطن الثروات

29 يوليو 2026 - 1:42 م

لو كان الروائي الفرنسي الكبير فيكتور هوغو بيننا اليوم، لربما وجد في أوضاع المتقاعدين المغاربة مادة لرواية جديدة بعنوان “البؤساء”،

الذكاء الاصطناعي: جيرار جُنيت مغربيا

29 يوليو 2026 - 8:54 ص

يبدو لي أن حسن بحراوي ابتدأ بسؤال ( ChatGPT) عن جيرار جنيت، ودوره في النقد الروائي، خلال المرحلة البنيوية، ثم

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°