قليلة هي المناسبات التي يتزامن فيها عيد العرش مع زمن الاستعداد للانتخابات التشريعية. ففي مثل هذه اللحظات الاستثنائية، يترقب الجميع خطاب العرش باعتباره حدثًا وطنيًا يؤطر المرحلة، ويرسم الأولويات الكبرى للدولة، ويقدم رؤية استراتيجية لمستقبل البلاد.
وقد جاء خطاب العرش لهذه السنة، بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس على العرش، ليؤكد مرة أخرى هذا المنهج. فقد انصبّ الخطاب على القضايا الاستراتيجية للمغرب، وعلى الأوراش الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، وعلى مكانة المملكة الإقليمية والدولية، دون أن يتوقف عند الانتخابات المقبلة أو عند أدوار الأحزاب السياسية أو رهاناتها الانتخابية.
وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل السياسية التي يمكن استخلاصها من الخطاب. فمن يقرأه يلاحظ أن جلالة الملك تحدث عن المغرب باعتباره مشروعًا وطنيًا مستمرًا، ولم يتحدث عن التنافس الحزبي أو الحسابات الانتخابية. لقد بدا حريصًا على أن يبقى على المسافة نفسها من جميع الفاعلين السياسيين، محافظًا على موقعه الدستوري باعتباره الضامن لوحدة الأمة واستمرار الدولة، لا طرفًا في التنافس السياسي.
وقد يُقرأ هذا الاختيار أيضًا باعتباره رسالة واضحة إلى الأحزاب السياسية مفادها أن تدبير المنافسة الانتخابية مسؤوليتها هي، وأن عليها أن تتحمل كامل مسؤوليتها في تأطير المواطنين، وتقديم البرامج، وإقناع الناخبين، بعيدًا عن توظيف الرمزية الوطنية أو البحث عن شرعية خارج المجال الديمقراطي الطبيعي.
فالخطاب لم يمنح أي حزب امتيازًا، ولم يوجه أي إشارة يمكن أن تُستثمر انتخابيًا، بل رفع النقاش إلى مستوى أعلى؛ مستوى الدولة، ومستوى التنمية، ومستوى المستقبل. وقد أكد جلالة الملك أن الأولوية اليوم هي لمواصلة الأوراش الكبرى، وتعزيز العدالة المجالية، وتقوية الاقتصاد الوطني، وترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، ومواصلة الإصلاحات التي تجعل المغرب أكثر قدرة على مواجهة التحولات الدولية والإقليمية.
وفي هذا السياق، يأتي خطاب العرش في لحظة سياسية استثنائية، لا لأنه يسبق فقط الاستعدادات للانتخابات التشريعية لسنة 2026، بل لأنه يتزامن مع مرحلة بلغ فيها المغرب مستوى متقدمًا من التحول المؤسساتي والاقتصادي والدبلوماسي، في وقت يبدو فيه المشهد الحزبي مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بتجديد أدواته ورؤاه لمواكبة هذه الدينامية الوطنية.
ولذلك، وكما أسلفنا في مقالنا الأخير، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: من سيفوز في الانتخابات المقبلة؟ بل أصبح السؤال الحقيقي: أي سياسة يحتاجها المغرب لمواصلة أوراشه الكبرى؟ وهل آن الأوان للانتقال من التسابقات الانتخابية الهستيرية، والشعارات الشعبوية، والصراعات الإيديولوجية العقيمة، إلى تنافس وطني حقيقي حول المشاريع، والكفاءات، والإنجازات؟
إن خطاب العرش، بهذا المعنى، لم يكن خطابًا انتخابيًا، ولم يكن برنامجًا حكوميًا، ولم يكن تقييمًا لأداء الأغلبية أو المعارضة، بل كان خطاب دولة يرسم اتجاه الحركة الكبرى للمغرب. فقد تحدث عن الأمن المائي، والسيادة الاقتصادية، والاستثمار، والعدالة المجالية، والدبلوماسية، والشراكات الدولية، باعتبارها أوراشًا وطنية تتجاوز الحكومات والأغلبيات، لأنها تشكل مسارًا استراتيجيًا للدولة المغربية، لا مشروعًا ظرفيًا يرتبط بولاية حكومية أو بأغلبية سياسية معينة.
ومن اللافت أيضًا أن جلالة الملك، وهو يستعرض هذه المنجزات، لم ينسبها إلى حكومة بعينها، ولم يجعلها موضوعًا للمفاضلة السياسية أو الانتخابية، وإنما قدمها باعتبارها ثمرة رؤية وطنية متواصلة، تتراكم فيها الجهود وتتكامل فيها المؤسسات. وهي رسالة في غاية الدلالة، مفادها أن المشروع الوطني أكبر من الحسابات الحزبية، وأن استمرارية الدولة هي الضامن الحقيقي لاستمرار الإصلاح والتنمية.
وهذا يفرض على الأحزاب السياسية أن ترتقي هي الأخرى إلى مستوى هذه الرؤية، وأن تجعل من الانتخابات مناسبة للتنافس حول كيفية تنزيل هذه الأوراش، لا حول احتكار نسب الإنجاز أو توزيع المسؤوليات السياسية بشأنها. فالمواطن اليوم لم يعد ينتظر سجالات إيديولوجية مستهلكة، ولا خطابات شعبوية عاطفية، بقدر ما ينتظر حلولًا عملية، وكفاءات قادرة على التدبير، وبرامج قابلة للقياس والمحاسبة.
لقد أصبح المغرب يمتلك مشروعًا وطنيًا واضح المعالم، تقوده رؤية استراتيجية بعيدة المدى، بينما يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الفاعلين السياسيين على إنتاج عرض سياسي يواكب هذا التحول، ويجعل من الانتخابات محطة لإغناء المشروع الوطني، لا لإرباكه.
وفي مقالنا السابق تحدثنا عن “الطريق الرابع” باعتباره تصورًا يدعو إلى الانتقال من السياسة القائمة على الاستقطاب الإيديولوجي إلى سياسة الإنجاز والكفاءة. واليوم يبدو أن خطاب العرش يفتح، على مستوى القراءة السياسية، المجال أمام نقاش من هذا النوع؛ نقاش يجعل الأولوية للمشاريع الكبرى، وللقدرة على التنفيذ، ولتجويد السياسات العمومية، بدل الانشغال بالصراعات الهامشية التي استنزفت الحياة السياسية لسنوات طويلة.
إن مستقبل المغرب لن يُحسم فقط في صناديق الاقتراع، بل في قدرته على بناء ديمقراطية مجتمعية تجعل من المواطن شريكًا دائمًا في صناعة القرار، ومن الكفاءة معيارًا للاختيار، ومن الإنجاز أساسًا للمحاسبة، ومن الصالح العام أفقًا جامعًا لكل الفاعلين.
ذلك هو الأفق الذي يقترحه “الطريق الرابع”: الانتقال من ديمقراطية التنافس على السلطة إلى ديمقراطية التنافس على بناء المستقبل.
ولعل أهم ما يمكن أن نستخلصه من خطاب العرش لهذه السنة هو أن المؤسسة الملكية اختارت مرة أخرى أن تتحدث باسم الوطن كله، وأن تجعل بوصلتها مستقبل المغرب وأوراشه الاستراتيجية، تاركة للأحزاب السياسية مسؤولية إدارة التنافس الديمقراطي وفق قواعده الطبيعية. وفي ذلك تجسيد لنهج يقوم على الحكمة، وعلى الحياد إزاء المنافسة الانتخابية، وعلى ترسيخ فكرة أن ما يوحد المغاربة أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن مستقبل البلاد يُبنى بالعمل والإنجاز، لا بالشعارات والمزايدات.
وقد لخّص جلالة الملك محمد السادس هذه الفلسفة في الحكم عندما أكد في خطاب العرش: «فكل ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل، بكل عزم وروح إيجابية.» إنها ليست مجرد عبارة في خطاب، بل تلخيص لمسار دولة اختارت أن تجعل من الرؤية والاستمرارية والتقييم الدائم أساسًا للحكم، بعيدًا عن منطق التدبير الظرفي أو الحسابات الانتخابية الضيقة.
ولهذا، فإن الرهان المطروح اليوم أمام الأحزاب السياسية ليس أن تتنافس حول نسبة الفضل في ما تحقق، وإنما أن تقدم للمغاربة تصورات وبرامج قادرة على مواصلة هذا المسار الوطني الطموح، وأن ترتقي بالنقاش العمومي من مستوى الصراع السياسي إلى مستوى التنافس حول الكفاءة والإنجاز وجودة السياسات العمومية.
ويختتم جلالة الملك هذا الأفق برسالة مفعمة بالأمل والثقة حين يقول: «إننا نعيش اليوم مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط.» وهي دعوة لا تخص الحكومة أو المعارضة وحدهما، بل هي نداء موجه إلى جميع القوى الوطنية، من أجل أن تكون الانتخابات المقبلة فرصة لتجديد النخب، وتعزيز الثقة في المؤسسات، والإسهام في مواصلة بناء مغرب المستقبل، لا مناسبة لتغذية الانقسام أو نشر الإحباط.
وهكذا، يقدم خطاب العرش درسًا جديدًا في الحكمة السياسية؛ فبينما تنشغل الأحزاب بالاستعداد للانتخابات، ظل جلالة الملك منشغلًا بالمغرب، وبمستقبله، وبأوراشه الكبرى، وبمكانته بين الأمم. ولذلك، فإن الرسالة الأبلغ التي حملها الخطاب هي أن الوطن يبقى أكبر من الانتخابات، وأن الدولة أقوى من الحسابات الحزبية، وأن مستقبل المغرب سيظل رهينًا بقدرة جميع الفاعلين على جعل التنافس الديمقراطي وسيلة لخدمة المشروع الوطني، لا غاية في حد ذاته.
أستاذ باحث في السوسيولوجيا، مؤسس الطريق الرابع، وفاعل حقوقي



تعليقات الزوار ( 0 )